رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/11/12

  • 2018/08/11 الساعة PM 05:42
الأزمة الاقتصادية.. "الوطني" يراهن على "أسابيع" وخبراء يشككون

تقرير - رحاب عبد الله

لا شئ يشغل بال المراقبين وربما قطاعات واسعة من المواطنين غير الإجراءات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية المشير عمر البشير، والتي قال عنها إنها كفيلة بتغيير الواقع الاقتصادي خلال ستة أشهر فقط. وما زاد تلك الإجراءات أهمية هو أن أرفع مسؤول إعلامي في المؤتمر الوطني الدكتور إبراهيم الصديق، الذي يرأس قطاع الإعلام في الحزب الحاكم قطع بأن تلك الإجراءات كفيلة بحل المشكلة خلال أسابيع وليست شهور.

عرض وليس مرض

الشاهد أن عدة تساؤلات طفت إلى السطح عن ماهية تلك الإجراءات التي ينظر لها كثيرون على أساس أنها أقرب العصا السحرية، ذلك أن التعقيدات الاقتصادية ظلت حاضرة مع أن الحكومة جرّبت عشرات السياسات والخطط والبرامج. هنا يقول المحلل الاقتصادي الدكتور خالد التجاني النور، في حديثه لـ(الأحداث نيوز) إن مخاطبة الأزمة الاقتصادية في السودان مختلة، لأنه حتى الآن الحديث عن اعراض وليس المرض، منوهاً إلى أن ما يحدث الآن من أزمات سواء كان انهيار قيمة العملة او ارتفاع التضخم هي اعراض لمرض متعلق بإدارة الاقتصاد، وليس الاقتصاد نفسه، ومتعلق بإدارة الموارد وليس انعدامها.

وقريباً من حديث النور فإن المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم فتحي يرى أن اي إجراءات لتحسين الاقتصاد السوداني لابد أن تشمل في أولها كيفية زيادة الانتاج وزيادة الصادرات، لافتاً في حديثه لـ(الأحداث نيوز) إلى ضرورة إجراء تعديل كبير في السياسات النقدية  للتخلص من نقص العملة الأجنبية وتشجيع الاستثمار والصادرات واحتواء التضخم.

مبادرة سياسية

ويعود المحلل الاقتصادي الدكتور خالد التجاني، مشيراً إلى أن الحكومة مصرة على أن تتعامل مع الاعراض وتتحدث عن اجراءات، مشدداً على أن المطلوب الآن سياسات قبل الإجراءات، وقال إن السياسات لابد تتضمن جراحة عميقة لإعادة هيكلة الدولة السودانية ككل.

حسناً فالمشكلة – وفقاً لمنظور التجاني – وثيقة الصلة بالأزمة السياسية، كما أن التشوهات التي حدثت في الاقتصاد بالنسبة له هي من تمظهرات أزمة الحكم والنظام السياسي القائم. وهذه الرؤية تروق لكثيرين أبرزهم رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني، حيث يرى أن أزمة السودان سياسية بامتياز، وبناء على ذلك يطرح ميرغني رؤية لحل الأزمة الاقتصادية من باب سياسي، تماماً مثلما يقول الدكتور خالد التجاني الذي جزم في حديثه لـ(الأحداث نيوز) أن الحكومة  تصر على الاحتفاظ بكل هياكلها السياسية والاقتصادية وتعتقد انه ببعض الاجراءات يمكن أن تعالج المشكلة، ومضى يقول هذا تقدير خاطئ، وتم تجريبه خلال العشر سنوات الماضية، وفي كل مرة تقود الإجراءات إلى وضع أسوأ.

وعلى ذات النحو المُنادي بضرورة عدم إهمال المدخل السياسي لحل الأزمة الاقتصادية، يرى الدكتور هيثم فتحي أنه يتوجب على الحكومة أن تسعى جاهدة إلى إحلال السلام في مناطق النزاع، على اعتبار أنه قائد إلى حل الأزمة السياسية، وبالتالي يُسهم في حل الأزمة الاقتصادية.

رهان على سراب

منذ أن أعلن رئيس الجمهورية المشير عمر البشير عن نفير جماعي لحل الأزمة الاقتصادية، ومنذ حديثه عن إجراءات – لم يسمها – قال إنها جاهزة للتنفيذ وأن نتائجها مضمونة، وحتى يوم الناس هذا، انخرط الخبراء لإزاحة الستار عن تلك الإجراءات، التي قال البشير إنها ستحل المشكلة خلال ست شهور. هنا يشير المحلل الاقتصادي الدكتور خالد التجاني النور إلى أن الحكومة تراهن على إعادة إنتاج بترول جنوب السودان لحل مشكلاتها الاقتصادية، منوهاً إلى أن هذا الرهان لن يكون مجدياً، على اعتبار أن بترول جنوب السودان كان موجوداً قبل ذلك ولم ينجح في إنهاء الأزمة الاقتصادية والمالية.

وشدد النور على أن الحل يكمن في إجراء هيكلة سياسية واقتصادية شاملة، وقال ما لم يحدث ذلك فإن الحديث عن إصلاح اقتصادي سيكون تحصيل حاصل، ولن يقود الا لمزيد من الضوائق والاحتقان، لجهة أن الوضع المعيشي أصبح لا يُطاق للمواطنين. بل إن التجاني مضى إلى أبعد من ذلك وحذّر من الرهان على رؤية سياسية لا تُخاطب جذور الأزمة السودانية، وقال إن ذلك من شأنه أن يفاقم الاوضاع ويزيدها تعقيداً.

ولفت دكتور خالد التجاني النور إلى إمكانية لجوء الحكومة إلى حلول مؤقتة ومهدئات، من شأنها أن تقلل حُمى الوضع الاقتصادي، ولكن المرض سيظل موجوداً، لأن الحكومة تراهن على معاجلة العرض.

سياسية تقشفية

والشاهد ان بذلك  التجاني لا ينادي بالعكوف على الحلول السياسية فحسب، بل يحذر من اتخاذ إي إجراء لا يسبر أغوار الأزمة. وهو ذات ما نادى به الدكتور هيثم فتحي الذي قال إن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يتطرق إلى إجراءات تقشفية نطال ركائز الجهاز السياسي والتنفيذي والتشريعي، مُضافاً إليها تنفيذ وصفة اقتصادية تصحح مسألة وضع الدين العام وتعمل على تقوية شبكة الأمان الاجتماعي عن طريق زيادة الإنفاق على دعم السلع الغذائية الرئيسية بطريقة عادلة، بجانب التحويلات النقدية وإجراء إصلاحات هيكلية واسعة النطاق تدفع إلى تحقيق النمو بمعدلات أعلى، علاوة على زيادة فرص العمل للشباب والنساء.

وعلى نحو يتطابق مع حديث فتحي فان الدكتور خالد التجاني النور يرى أهمية النظر بعين الاعتبار إلى الترهل السياسي الموجود حالياً، بجانب ترتيب الاولويات، منوهاً إلى أن تقرير البنك المركزي السنوي لعام 2017 أقر بأن 95% من الإنفاق العام إنفاق جاري، في حين أن الإنفاق على التنمية في موازنة 2017 كان 5% فقط، وأضاف النور قائلا: "هذه معادلة مختلة اختلال كبير، وما لم تُعدل ستظل الأزمة موجودة بأشكال مختلفة، لأنها أعمق من أن تُحل وتُعالج بمجرد تصريحات تحاول تطيب الخواطر. وختم النور حديثه قائلا: "في رأيي هذه تمنيات لا يسندها شئ على أرض الواقع".

أسابيع وليس شهور

الشاهد أن ما يراه النور محض "تمنيات"، هي عند رئيس قطاع الإعلام بالمؤتمر الوطني الدكتور إبراهيم الصديق معلومة ترقى إلى درجة الموثوقية المطلقة، فالصديق قلّص حتى فترة الستة شهور التي حددها البشير لحل الأزمة الاقتصادية، حيث جزم بأن القطاع الاقتصادي للمؤتمر الوطني قدّم رؤية جديدة لمعالجة الواقع الاقتصادي جذرياً، مشدداً على أن الضائقة في طريقها للمعالجة خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز أسابيع. فهل يا ترى سيصدق "الصديق"، أم أننا سنكون على موعد مع عتمة جديدة وإظلام اقتصادي جديد كما قال "النور".

التعليقات