رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/04/22

  • 2019/01/28 الساعة PM 02:57
الفئات النقدية العالية.. حلول آنية ومخاطر مستقبلية

تقرير - رحاب عبد الله

في غمرة الأحداث التي يشهدها السودان، وفي ظل فوران الأوضاع السياسية والاقتصادية، باغت بنك السودان المركزي المراقبين، بطرح عملة ورقية جديدة فئة (100) جنيه، للتداول، معلناً في الوقت ذاته عن تحضيره لطرح عملة ورقية فئة (200) جينه، وأخرى فئة (500) جينه، وبرر محافظ بنك السودان المركزي في مؤتمره الصحفي لأعلان السياسة النقدية للعام الحالي لجهة انه من غير المنطقي ان تكون اكبر فئة عملة للدولة السودانية ( 50 ) جنيه تعادل دولارا، والامر أثار حالة من الجدل وسط الخبراء الاقتصاديين بين مرحب بالخطوة وبين متحفظ وبين رافض لها بصورة كلية.

عقبات في الطريق

منذ أن انتهجت الحكومة السياسة الانكماشية لتجفيف السيولة من حيز التداول، لضبط تفلت سعر صرف النقد الأجنبي، استعرت رغبة المواطنين في حيازة الأوراق النقدية، وهو ما أسماه الخبير الاقتصادي د.عادل عبد العزيز الفكي بـ(النقدنة)، أي الرغبة في حيازة النقود والاحتفاظ بها بعيداً عن المصارف والبنوك.

وعزا الفكي  في حديثه مع (الأحداث نيوز) استعار حالة "النقدنة" إلى السياسات الحكومية الخاطئة التي تم إتباعها في وقت سابق، والتي ترتب عليها فقدان الثقة في النظام المصرفي. متسائلاً حول مدى الفئات العالية التي طرحها بنك السودان المركزي على مشكلة الأوراق النقدية التي يعاني منها الاقتصاد السوداني والمواطن في الوقت الحالي. ومضى قائلا: استعادة ثقة المواطنين في النظام المصرفي مسألة في غاية الأهمية ولكنها لا تتم بإصدار أوراق نقد بفئآت أكبر فحسب، لأن الكميات المطبوعة سوف يتم سحبها بسرعة هائلة من قبل المواطنين، مشددا على ضرورة إصدار سياسات جديدة فورية تحفز الناس على إبقاء الأموال بالبنوك وعدم سحبها.

وفي منحى لا يبدو مغايرا بصورة كلية للوجهة التي مضى اليها الفكي، فإن الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، يرى أن طباعة عملات نقدية بفئات عالية من شأنه أن يساعد في حل أزمة نقص السيولة التي أضرت في الشهور الماضية بالاقتصاد السوداني. ودعا فتحي في حديثه مع (الأحداث نيوز) البنك المركزي لزيادة الكتلة النقدية لتجاوز أزمة السيولة، لكنه حذر في الوقت ذاته من طباعة كميات غير مدروسة.

خطوة مؤقتة

الثابت أن ما أن قررت الحكومة السودانية طرح عملات ورقية من فئات عالية، حتى انبرى عدد من الخبراء للتحذير من مخاطر تلك الخطوة، مشيرين إلى أنها يمكن أن تسهم في حل الأزمة الآنية، لكنها يمكن ان تقود لمشكلات وتعقيدات مستقبلية كارثية. وقريبا من ذلك يرى الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، أن طرح تلك الفئات الورقية النقدية العالية هو حل مؤقت لأن90% من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، منوهاً في حديثه مع (الأحداث نيوز) إلى أن الفئات الكبيرة تقلل تكلفة الطباعة بالنسبة للدولة.

هنا يشير الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، إلى أنه معروف اقتصاديا أن العملة القوية تطرد الضعيفة من التداول، لافتا الى ان البنك المركزي سيكون مضطراً للبحث عن حلول لطباعة المزيد من العملات الورقية من الفئات  100 و200 جنيه لأن طباعة العملة النقدية من فئة 50 لن يكون له أي دور بسبب التضخم المتزايد.

حلول ومقترحات

واقع الحال يشير إلى أن العقل الحكومي الذي عكف على حل الأزمات الاقتصادية عجز بدرجة كبيرة في إيجاد حل ناجع وشامل لتلك المشكلات، وهو ما جعل كثيرين يصوبون انتقادات لاذعة لأداء القطاع الاقتصادي الحكومي، وهو ذات ما ذهب إليه الخبير الاقتصادي الدكتور عادل عبد العزيز الفكي، مشددا إلى أن السياسات الحكومية الخاطئة قادت إلى هذه المشكلات، داعياً لطرح مبادرات جديدة محفزة ومشجعة، واقترح أن تشمل تلك السياسات الجديدة منح أرباح على الودائع الجارية تكون ناجمة عن توظيف المال المودع وليست أرباحاً ربوية، ثم عمل محافظ بمبالغ كبيرة جداً للصادر، الأولى لصادر الحبوب الزيتية، والثانية لصادر القطن والثالثة لصادرات الثروة الحيوانية، بجانب تشجيع البنوك على تسهيل تمويل التجارة المحلية، والتمويل العقاري، منوها الى أن سياسات البنك المركزي للعام 2019م سمحت بذلك، مشددا على أن تكون تلك المحاور مصحوبة بحملة إعلامية قوية جداً، يستخدم فيها علم النفس، لتصل لكل شخص، بمختلف الوسائل مثل الفنون التشكيلية والدراما والغناء، مؤكداً أن هذا سيجعل الناس يعيدون أموالهم للبنوك طواعية ولا يسحبونها منها.

وبدوره حذر د. هيثم فتحي من تأثيرات متوقعة لطباعة عملات ورقية بفئات عالية، مثل ارتفاع الأسعار، وخاصة في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بشكل كبير على (الكاش)، منوها الى أن النقود المتداولة تعادل حوالي 30% من الكتلة النقدية، لافتا الى أن مساهمة بطاقات الصراف الآلي في تقليل تداول النقود خلال الفترة الماضية خاصة في شراء لبعض الاحتياجات.

وعلى ذات النسق مضى الدكتور محمد الناير الذي أشار إلى أن واحدة من اشكالات الفئات النقدية العالية أنها اذا لم تتضمن علامات تأمينية كبيرة، فسوف تكون عرضة للتزوير، منوها الى ان ذلك يضر بالاقتصاد بصورة كبيرة. لافتا الى ان العملات النقدية العالية يمكن ان تكون سلاح ذو حدين بحيث يتم سحبها واعادة تخزينها مرة اخرى من قبل عملاء البنوك، وأضاف: "لكي تكون هذه السياسة ناجحة لابد ان تتوافق تماما مع منظومة الدفع الالكتروني خاصة ان الدولة اعلنت أنه مع مطلع يناير2019 لن يتم قبول أي ايرادات أو رسوم بالكاش وقطعت بانه سيتم الزام كل مؤسسات الحكومة بالايرادات الإلكترونية". بين أن الناير عاد ولفت الى ان هذا  لم يحدث على ارض الواقع وقال إن هذه مشكلة حقيقية لأن الدولة ينبغي ان تكون قادرة على الزام نفسها ومن ثم الزام القطاع الخاص بتنفيذ التحصيل الالكتروني، مشددا على انه في حال تم ضخ هذه الفئات الكبيرة دون ان يتم الانتقال نحو منظومة الدفع الالكتروني ستكون مشكلة كبيرة.

التعليقات