رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/11/19

  • 2019/10/29 الساعة PM 07:23
القيادي والمفكر الإسلامي ..دأمين حسن عمر في حوار المراجعات والسياسة: (1-2):

**نظامنا انهار من سوء تدبيره وخطل خطابه، والاستياء من حكمنا دخل الى بيوت قادة الحكم.. 

**التغيرات الفكرية في السعودية فرضتها ظروف بعينها.. 

**الحركة الاسلامية كانت في حالة استياء كبير ..خشينا من المواجهة التي تؤدي لانشقاق ومواجهات دموية.. 

**علينا الاعتذار للشعب السوداني وعضويتنا.. 

** ستجئ المراجعات بالمؤتمرين الشعبي والوطني الى مسافة اقرب وربما تيار اوسع من الجماعات الاسلامية..

 

حاورته:  رشان اوشي

نتيجة للتغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، تحدث الاسلاميون كثيرا عن ثمة مراجعات فكرية يجرونها على مشروعهم السياسي والفكري، إذا اعتبرنا أن ثمة تردداً في المشروع الإسلامي من أجل إعلان القطيعة مع ماضيه بتبنيه «المراجعات النقدية»، وخاصة بعد الانهيار المفاجئ لانظمة اسلاميون صعدت بعد الربيع العربي، ومع تصاعد التيارات الليبرالية في السودان ، القيادي الاسلامي، والمفكر .."د.امين حسن عمر"، قدم مرافعات نقدية للتجربة. من حيث الفكرة والتطبيق في الحوار التالي: 

 

*بالنظر  للظرفية الإنتقالية التي تمر بها  المنطقة  والسودان ، في ظل تحولات الحراك الإقليمي  بتعقيداته وتحدياته،  وما نتج عنه من سقوط انظمة إسلاميون فى المنطقة قامت بعد الربيع العربي ، وما حدث في السودان من انهيار لمشروعكم الا تعتقد ان الواقع بات يفرض القيام بمراجعات فكرية وتطبيقية؟

اولا لم تسقط انظمة انتخب لها إسلاميون الا فى مصر،  وهو حكم ما كاد  أكمل عام واحد فمتى حكم علي تجربتهم الشعب ليسقطهم؟  ولا أحب ان اخوض فى سياسة داخلية لبلدان أخرى فكل بلد بأوضاعه وظروفه، واما الزعم بأن مشروعنا قد انهار فهو تقويم خاطىء و انهيار الحكم لايعنى أكثر من إنهيار الحكم، فمشروعنا ليس مشروع تولي سلطة ،وإن صار لدى البعض كذلك.  .وظروف انهيار الحكم وملابساتها تختلف فيها التقديرات . وصحيح أنه انهار فى ظل إستياء عدد واسع من الناس من سوء تدبيره  وخطل خطابه . وهذا الاستياء عم قطاعات واسعة حتى داخل الحركة الإسلامية نفسها ودخل حتى إلى بيوت قادة الحكم، وإن صبر كثيرون من أعضاْ الحركة الإسلامية ولم يخرجوا للشارع تحسبا للعواقب، وخرجت طائفة أخرى منهم يعادل عدد أفرادها طائفة الأحزاب التى فرضت وصايتها من بعد على من خرج  و من لم يخرج. واما أمر الإصلاح و المراجعات فيجب أن لايكون موسمياً . والإصلاح والمراجعة يجب أن يكونا مستمرين بغير انقطاع، لأن الشأن فى الاجسام الاجتماعية مثل الشأن فى الاجسام العضوية تتعرض دائما للفيروسات والميكروبات وإذا لم يكن هناك نظام للمناعة فاعل ودائم ونظام للمراقبة وللمراجعة للتأكد من الصحة  بشكل دورى ، فإن الفساد سيعرف طريقه إلى أجساما بشرية أو إجتماعية  وأقرئي أن شئت مادة كتبتها فى العام 2011 ونشرت فى السودانى وجعلتها السودانى يومذاك عنوانا رئيسا لصفحتها الأولى لاستغرابها أن تصدر ممن صدرت منه، وكان عنوانها، عنوان المانشيت يومذاك (التغيير مطلوب الساعة).قلت فى المقال(ولكن التغيير ليس شعاراً وان كان الشعار قد يكون تذكره بالمقاصد والغايات . التغيير هو القدرة علي الاستجابة للإرادة الإنسانية وإعلاء سلطتها علي الأهواء والغرائز والشهوات. والطلاب في المدارس يتعلمون أن الحركة إلى  اعلى تستلزم جهداً و طاقة وإما الثبات والانزلاق فلا يحتاج إلي جهد. ولذلك فالدرس الأول هو أن من أراد التغيير فلابد له من دفع الثمن.

فمن اراد احداث التغيير دون ان يبذل فيه جهدا ولا طاقة فسرعان ما سيصحو على حال بئيس وفي العالم العربي وفي هذه الأيام يعلو شعار التغيير ولا شك إن هذه علامة صحوة لو صدق القول العمل. وواحدة من علامات الصحوة هي تلك الانتفاضات ضد الركود السياسي وضد تجميد حركة الحياة السياسية .. ولا شك إن هذه الانتفاضات دلالة علي حياة الجسم السياسي في تلك البلدان بعد إن حسب كثيرون إن كثيراً من الشعوب قد دخلت مرحلة الموت ألسريري. ولكن الانتفاضة نفسها ليست علامة صحة فالجسد لا ينتفض إلا بالألم أو الحمي .الانتفاضة علامة حياة ولكنها ليست علامة عافية . وهي دلالة علي أن أمر الأمة قد آل جمود ولذلك فالدرس المستفاد الذي يجب أن تتعلمه الشعوب قبل الحكام هو ضرورة استحياء الإرادة الشعبية لكي تستعصي علي كل من يريد أن يقود الشعب إلي مراد نفسه لا إلي مراد الشعب ومقصده. والشعوب هي وحدها من تصنع طواغيتها كما تصنع أصنامها ثم ما يلبث السحرة والكهنة من المتزلفين والمتسلقين  أن يحيطوا بالطاغوت فيجعلوا مقامهم من مقامه ومعاشهم من معاشه . ويعظمون من شأنه لا لعظمة  مآثره وانجازاته بل الاستخفاف بشعبه  حتى تصبح الأمة مثل امة النحل تدور جميعاً في فلك ملكتها فتفنى إراداتها في إرادة رجل واحد استخف قومه فأطاعوه حتى يظن انه أن دخل بهم ححر ضب خرب لدخلوا معه لا يسألونه عن أمرهم شيئاً. وإما الأمة ألفضلي (فأمرهم شوري بينهم)   وهم سواسية في ذلك الشأن يسعي بذمتهم أدناهم.)...هذا قولنا يومذاك أما اليوم فنعم المراجعات مطلوبة ونحن وعدد كبير من الاسلاميين منخرطون فيها منذ أكثر من عقد من الزمان وبسبب ذلك خرج من خرج وبقى فى الرصيف من بقى وظلت جماعة تحاول لا يضرها من خذلها، ولكن يبدو أن الخطأ الأكبر كان هو إطالة الصبر أكثر مما يلزم حتى نفد صبر كثير من الناس قبل أن ينفد صبرنا

*بعد سقوط النظام. نهضت التيارات السلفية، واضحى صوتها عاليا، جماعة( دولة الشريعة والقانون ) مثالا.. لماذا؟،اعتقدنا ان المراجعات ستكون  في اتجاه القطيعة مع الخيارات العنفية؟

أولا لم يكن القائم على مناهضة ما يجرى من إستخفاف بقيم الشعب والدين بإسم الليبرالية هم السلفيون وحدهم ، بل هم سائر الصف الإسلامى بإختلاف أطيافه ، وما نراه يحدث ولا أقول( يحدس) ليست ليبرالية وإنما هو نقض لعرى قيم أهل السودان ودينهم.

*المراجعات  في اتجاه الاندماج السياسي والمشاركة في العملية السياسية، بثوب جديد اكثر حداثدوية وليبرالية على غرار تجربتي (النهضة في تونس)  ،(العدالة والتنمية في تركيا) ؟ تحولات ما بعد المشاركة السياسية، رفض الإنقلابات العسكرية، والاتجاه للخيارات الديمقراطية؟

  اللبيرالية الحقيقية فى الغرب تحرسها أحزاب قامت على مرجعيات مسيحية وجعلت ذلك عنوانا لها وشعارا فى أعلامها وراياتها.وهى ليست ليبرالية مجانبة للدين ومحاربة له. وصحيح أنه توجد فروق بين إتجاهات القوى الاسلامية  بين شديد المحافظة  ومحافظ  وإصلاحى ومتهم باليسارية فى إصلاحيته. ولكنى لا أعلم فيمن تشيرين إليهم من يدعو لتطرف عنيف أو خيارتصادم أو تعانف. وأما شدة المحافظة والإيغال فى اليمينية  أو التشدد فى المحافظة فهو جزء من طبيعة التعدد السياسى فى كل مكان. وكثير من بلدان أوربية وأطلسية تجتاحها موجات يمينية شعوبية، ولم يصبح ذلك مبررا لإقصاء تلكم الأحزاب أو إتهامها بغير مسوغ بالتطرف العنيف. وأما فى السودان فإن التطرف العنيف مشهود للناس ومشهود من يقوم به قولا وعملا هذه الأيام . وأما النصح بالليبرالية فيحتاجه من يرفع شعارها ولا يتمثل أفكارها من الليبرالين الجدد الذين لا يحوزون من الليبرالية إلا أسما يتسمون بها لقبا يطلق عليهم. . وأما نحن فنؤمن بالحرية التى نتعلمها من ديننا ومن قيم شعبنا ونتفتح على أفضل تجارب العالم وأحسن ممارسته لكننا لا نقطع فنلصق.

*طرحت كثير من تنظيماتكم في مراجعاتها  عناصر البناء الفكري والسياسي، مثلا    الجماعات الجهادية والنموذج الإخواني  القطبي،  ثم النموذج الإخواني الحركي، ماذا ستطرح الحركة الإسلامية السودانية؟

أولاً أنا لا أؤمن بالنماذج فنحن لم نطرح ولن نطرح أنموذجا. فالأنموذج طرح فى طبيعته جامد، لأنه يرتبط بملابسات بيئة وثقافة محددة ، وكما يرتبط بأناس مخصوصين لها طرائقهم وأمزجتهم وإنحيازتهم وسمات حياتهم .والحديث عن أنموذج قطبى وآخر تركى وآخر تونسى ومثل ذلكهومجرد تحليلات نظرية  قد تصيب و قد تخطىء . ونحن فى السودان نؤمن بمعايشة الواقع والتكيف معه حتى فى جانب الأفكار، و طالما كانت أصول العقائد و الأفكار والأحكام ثابتة  ، ففروعها بطبيعتها لا تعدو كونها إجتهادات هذا الزمان فى مكان آخر، أوهى إجتهادات زمان آخر. لكننا أبناء محلنا ووقتنا أبناء أرضنا وشعبنا، وديننا الذى ندعو إليه هو تدين أهل السودان كما لونته حياتهم فى الماضى والحاضر . ولا نزعم وندعى أنه دين صاف نقى ، فليس لأحد أن يدعى أن تدينه صافى ونقى، وإنما ننطلق من حيث الفهوم التى  هى عُرف أهل السودان وفهمهم، ثم نعمل معهم من خلال مؤسسات المجتمع لتنقية التدين مما يشوبه من سوء فهم أو خطأ أوخرافة. فالتعامل مع الشعوب لايكون بعقلية المعلم وإنما يكون بعقلية الداعية. والداعية يبدأ حيث يكون المدعو فكراً وفهماً ويصحح الخطأ  بوجوده بين الناس وتفاعله معهم لا بوجوده قرب السبورة والطباشيرة.

*الى أي منهج ستستند مراجعاتكم لمشروعكم ،  المنهج التاريخي في رصد التطبيق  وتطوراته، ام  المنهج المقارن  في إعمال المقارنات، مع تجارب إقليمية، كالتجربة المصرية للإسلام السياسي التي قتلت في مهدها؟

لسنا فى وراد كتابة بحث علمى  فنتحدث عن منهج تاريخى ووصفى ومقارن، فمنهجنا هو الفكر بكل طرائقه ومناهجه المتسقة المنسجمة مع بعضها البعض. فنحن نعتبر من حالنا وأحوال الأمم من حولنا فى الحاضر والماضى ، ونستفيد من الفرص التى تتيحها علوم ونظم   وتنكولوجيا جديدة ونحن قبل ذلك نستلهم من هدايات ديننا وأصول تفكيره وأصول أحكامه . ونتبصرفى إتجاهات الآخرين نحونا، فنستفيد من الموجب منها ونتقى من السالب منها . فنحن بإختصار نتفاعل ونتكيف بلا إنقطاع مع متغيرات العلوم والأفكار والأحوال وهكذا ينبغى أن يفعل المرء إن لم يكن بداع الفكر والتعقل فبداعى غريزة البقاء والإستمرار.

*اليوم تتجه بعض الدول التي شهدت حكم نظم  إسلامية الى الانفتاح ..(السعودية نموذجا)  ..هل هي ضرورة مرحلة، ام انهيار للفكرة على غرار التجربة الاشتراكية في الإتحاد السوفياتي؟

السعودية كانت فيها تجربة حكم أمتدت زمانا طويلا إعتمادا على فكرة بعضها أصولى أى ينتمى إلى أصول الاسلام السنى الصحيح، وبعضها ظرفى فرضته ظروف الوقت والمحل والبيئة، فإذا تغيرت طروف الوقت والمحل والبيئة فلا غرو أن تبدأ التغيرات فى الظهور. ولست فى وارد تحليل ما يجرى من تحولات سريعة فى ذلك البلد المهم لكل العالم الاسلامى فالوقت لا يزال مبكرا على ذلك، ثم ان السابق إلى ذلك يجب أن يكون أهل البلد نفسه فأهل مكة أدرى بشعابها ومكة تقع فى السعودية .

*د.أمين.. ايام الحكم الاخيرة للإنقاذ ،لاحظنا تقاربا سياسيا كبيرا بين تيارات الحركة الاسلامية ، المؤتمر الشعبي رفض فض الشراكة حتى اخر لحظة، هل خشي سقوط المشروع كلية امام مشروع علماني قادم في الطريق؟

لا يحق لى أن أن أتحدث عن تقدير المؤتمر الشعبى للموقف يومذاك أو اليوم، فهذا أمر يُسئل عنه المؤتمر الشعبى. ولكن نعم حتى الحركة الاسلامية كانت فى حالة إستياء كبير من سيرورة الأمور وقتذاك ، بل أن ممانعتها جعلتها عرضة لدعوات تكررت كثيرا  لحلها أو محاولات السيطرة أو التأثير عليها، وما منع الحركة الاسلامية من الدخول على خط الإعتراض  بقوة هو خشيتها من عواقب  قد تؤدى إلى إنشقاقات واسعة بل ربما مواجهات دموية ، ولذلك آثرت الأغلبية الصبر على ألم هو مثل ألم أسفل البطن علاجه يستلزم كشفه ولا يضمن شفاءه . وفى إعتقادى أن ذلك كان خطأ كبيرا وخطأ منهجياً يلزم  قيادة الحركة (ونحن منها)، الإعتذار عنه لأعضائها ومن يوالونها أولا، ثم  الإعتذارإلى الشعب السودانى قاطبة ، فهو رغم كونه خطأ تقدير فهو تقصيركبير ليس فى حق الحركة الاسلامية بل فى حق كل الشعب الذى حق له أن يغضب وأن يستاء . ولكننا بإذا الله قادرون على المراجعة والإسترجاع كليهما ولايشك فى ذلك إلاخصم لدود أو صديق شديد الأشفاق.

*المؤتمر الشعبي ايضا طرح خيار القيام بمراحعات فكرية، هل سنشهد تحالفا بينكم وبينهم قريبا؟.

المراجعة كما أسلفت هو واجب الوقت وواجب كل الوقت. والمؤتمر الوطنى فيما أحسب والشعبى منخرطان فى مراجعات واسعة . وهو أمر مستمر منذ أواخر أيام الدكتور الترابى رحمه الله. ونعم ربما،تجىء المراجعات بالمؤتمرين إلى مسافة أقرب من بعضهما البعض . وربما تجىء بتيار أوسع من الجماعات الإسلامية لمسافة أقرب من بعضها البعض، لكن مما لا شك فيه أن الإصطفاف الاسلامى مثل حائط مرصوص متحقق بإزاء أيما تحدى للخيارات الاسلامية للشعب السودانى .فمن أراد تغيير هذه الخيارات عليه أن ينتظر الانتخابات ليجد تفويضا لبرنامجه اللادينى إن هو توقع أن يجد له سنداً أو عضداً، لكن محاولة فرض الأمر الواقع بقوة السلطة ينبغى أن يتحسب صاحب السلطة لعواقبها على سلطانه وعلى البلاد بأسرها .

التعليقات