رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/12

  • 2019/11/14 الساعة PM 04:37
المفكر "المحبوب عبد السلام" في حوار مع (المجهر) (2-2)

اتجاه المحكمة الجنائية الآن هو محكمة عدالة مشتركة وطنية ودولية 

هنالك قضايا  تحتاج لتفويض حقيقي انتخابي

تيار (تضامن) أصلاً كان موجوداً في هذه المنطقة منطقة الوسط 

الأجيال الحالية الآن تثور على البنى التقليدية

كثير من المنتمين للمعسكرين الإسلاميين والثوريين ينطلقون من منطلقات عاطفية

 

الحوار- النذير السر

 

* مجموعة من التيارات والأحزاب الجديدة افترعت مسارها قبيل الثورة وبعدها،هل هذا مؤشر لانسداد محاولات الإصلاح الداخلي للأحزاب القائمة، وما هي فرص النجاح والتحديات كذلك التي تنتظرها؟

ــ مواصلة للحديث عن الإصلاح السياسي، أضيف أنه حتى الحركات التي حملت السلاح، ينبغي أن تقف لتبدأ مرحلة جديدة مرحلة وضع السلاح والانخراط في العمل المدني، هذا يقتضي منها تجديد كبير جداً، هنالك مثلاً حزب (المؤتمر السوداني)، هذا حزب تأسس، ورؤيته فضلاً عن برنامجه تحتاج إلى عمل، وتحتاج كذلك إلى دعوة، حتى يفهم الشعب بالضبط ما معنى وجود حزب جديد كالمؤتمر السوداني، وهو حزب له سمعه طيبة ويكتسب أراضي جديدة كل يوم، وبالتالي مطلوب من قادته وأعضائه جهد كبير جداً.

*ماذا عن حركة (تضامن) التي أنت أحد مؤسسيها وما الجديد الذي يميزها عن بقية التيارات الإسلامية ؟

ــ نحن أسسنا حركة تضامن للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذه تضم الإسلاميين الديمقراطيين، وقد عبرنا عن هذا تعبيراً واضحاً جداً في بيان الحركة الرئيسي، هو أننا قد أكملنا مراحل القطيعة النفسية والمعرفية مع تيار الإسلام السياسي لنبدأ فعلاً بتأسيس حزب للتجديد الديني الحقيقي  وللديمقراطية.

*باعتبارك رئيساً لرابطة (التربويين التنويريين العرب) وبالإشارة لمقولة سابقة لك باستنفاد التيار الإسلامي لأغراضه، بالنظر للحراك الذي ينتظم الآن كلاً من لبنان والعراق، وهي أكثر الشعوب خضوعاً للأطر الطائفية والمناطقية والجهوية هل يمكن القول إن هذه الحواضن استنفدت أغراضها أيضاً وفي أي سياق تقرأ محاولات الانفكاك من هذه الأطر الأولية؟ 

ــ بالإشارة إلى (رابطة التربويين التنويريين العرب) هذه رابطة حديثة التكوين تأسست منذ أربعة أعوام، تألفت من أساتذة الجامعات المعنيين بالتدريس والمناهج، ثم من الناشطين من منظمات المجتمع المدني، لأنه بالمقابل التيارات المتطرفة تعمل عبر منظومات، وتجيد استعمال الوسائل  الحديثة، كما قال "ترامب"، لا يوجد من يستعمل (الانترنت) أفضل منهم، إلا (داعش)، فنجد خطبها وآليات استقطابها مبثوثة عبر الوسائط، والتيارات الشبيهة بها كذلك، باعتبار أنها وسائل محايدة، مع أنها غير محايدة، باعتبارها تحمل قيم الحداثة وقيم الإنسانية الواحدة، لذلك الرابطة قامت لتؤسس شبكة علاقات ثقافية لكل الذين يعملون في مجال القراءة التنويرية للدين، وهذا كلمة مستحدثة في العالم العربي.

* أشرت إلى شبكة العلاقات الثقافية ما الهدف من ورائها؟

ــ مهمة لأعلم ماذا تفعل أنت، وبالتالي تكمن أهمية شبكة العلاقات الثقافية لأنها تساهم في معرفة ماذا تفعل أنت، وبالتالي أبني عليه، ولا أبدأ من الصفر، ثم يحدث بيننا حوار وتلاقح وتبادل للأفكار، ونكون موصولين وصلاً حقيقياً بشبكة علاقات ثقافية، ستنفع هذا التغيير في العالم العربي والإسلامي.

*ما هو تأثير التحول في العراق ولبنان؟

ــ بالنسبة للحراك الذي ينتظم الآن لبنان والعراق، وهذه بلاد فيها بنى روحية وفكرية وطائفية متجذرة وقوية، ولكن هذه الطلائع من الأجيال الجديدة الواسعة التي أغلب سكان العالم العربي منها، فالمجتمع العربي كله هرمي، كلما صغرت السن اتسع الهرم ،هذه الأجيال الآن كلها تثور على هذه البنى التقليدية، وكما عبر أحد المراقبين على الحالة اللبنانية، قال إن الجماهير خرجت للشارع، لكنها لم تحدد بالضبط ماذا تريد.

*وماذا تريد برأيك؟

 ــ هي لا تريد القديم، لكن لابد للمفكرين والكتاب وقادة الرأي أن يلهموا هذا الجيل بالتصورات وبالبرامج.

*على ذكر الثورة على القديم، هنا في السودان أيضاً وبالرغم من التعبير الكبير لهذا الاتجاه ألا ترى بعد إنجاز التغيير أن هذا التوق للجديد بدأ يواجه بتحديات ربما تفضي في النهاية بالعودة لذات المحددات القديمة على من تقع مسؤولية صناعة الفضاءات الجديدة التي تنشدها أجيال الثورة؟  

 ــ قادة الرأي من أساتذة الجامعات الكتاب والمفكرين والفلاسفة الآن ينشطون في المنتديات وفي المجلات، وأنا قلت إن الثورة نفسها نتيجة للوعي الذي تراكم طيلة عهد الإنقاذ، وتكثف بشدة في 2005 بعد اتفاقية السلام، فقد انطلقت عشرات المنتديات وجلسات الاستماع، وعشرات المجلات ومئات الإصدارات الصحفية، ومنظومات الشباب في الحركات الإنسانية مثل الإغاثة، والنفير والحركات الثورية، هذا كله صنع الثورة، لكن ثم ماذا بعد الثورة؟، كيف تُستوعب هذه الطاقات في البناء بعد أن استوعبتها في إزالة الماضي؟، هذا دور المفكرين. وكما ذكرت فإن كثيراً من المنتديات  أو المنظومات تنشط فكرياً وفلسفياً حتى تهدي هذا الجيل، وهذا الجيل قابل جداً للاستيعاب، وفي تقديري أنه جيل يمتلك معلومات كثيرة جداً، ولكن ليس بالضرورة أنهم يمتلكون العلم والمفاهيم، هذا الدور الذي يجب أن ينجزه المفكرون والكُتَّاب والأساتذة.

 *تجارب الانتقال في الدول التي مرت بحروب أهلية وانقسامات سياسية كانت بوابة العدالة الانتقالية وهي المعبر الآمن لها للمستقبل في ظل غياب هذه الصيغة المجربة للمعافاة الوطنية واللجوء للتقاضي بين المتنافسين سياسياً ألا يضع ذلك الساحة السياسية أمام ذات المحطات القديمة؟ 

ــ كان رأيي في البداية إذا سارعت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى الانتخابات بعد ستة أشهر، لأن هذا شرط الديمقراطية، إذا أردت أن تحدث تغيير جذري، لابد أن تكون منتخباً، لكن هذا لم يحدث، واتضح أنهم ليسوا على استعداد، ليكونوا حزباً أو تياراً واحداً، ليحدثوا تغييراً له أهداف وبرامج وخطة مححدة، ووضح أن هذا لم يكن متوفراً لكن الآن قبلنا بفترة انتقالية طويلة نسبياً، كيف يمكن أن ننجز فيها الواجبات التي حددتها الوثيقة الدستورية بوضوح، مثلاً السلام من ضمنها؛ الأمر الذي سألت عنه، وهو العدالة الانتقالية. 

*ما هي  الصيغة المثلى للعدالة الانتقالية التي تناسب وضعنا في السودان؟  

ــ في إطار الإعداد للتغيير عقدتُ عدداً من الورش بالخارج، في عدد من العواصم، وذلك لإنجاز صورة سودانية للعدالة الانتقالية، ولكن هذا لم يكتمل، وفي الأسبوع قبل الماضي بدأت ورشة حول أجهزة الضبط أي الأجهزة الأمنية، فهذه مثلاً تحتاج لنظرية أمن قومي، كما تحتاج إلى فلسفة لجيش جديد بعقيدة جديدة كذلك، العدالة ليست هي فقط تعيين النائب العام أو رئيس القضاء أو إصلاح الأجهزة العدلية، هذا مهم بالطبع، ولكن الفلسفة  التي تعني العدالة المرفوعة في شعار الثورة (حرية سلام وعدالة) لا تعني   إصلاح الأجهزة العدلية وحسب، ولكنها تمضي للعدالة المتعلقة بالضحايا، وكذلك العدالة الاقتصادية والاجتماعية، هذا  كله منجز في إطار هدف ذي طابع عام.

*هناك حديث حول نفاذ حكومة الانتقال لقضايا يحتاج القطع فيها لإجماع وطني، لأي درجة يبدو هذا الأمر حقيقياً؟  

ــ هذا صحيح لحد كبير، كثيراً ما أري أجهزة الانتقال الرسمية الحكومية والأجهزة السياسية (الحرية والتغيير) تسارع إلى قضايا تحتاج لتفويض حقيقي انتخابي، تبدأ حتى من الخيارات الاقتصادية هل ستختار الاقتصاد الحر، أم الاقتصاد الاشتراكي؟ الذي تتدخل فيه الدولة لحد ما، ثم في الخيارات السياسية نفسها هل ستحتاج إلى نظام رئاسي أم برلماني؟، ماذا تفعل بأجهزة الحكم الفيدرالي، التي استمرت طوال هذه الفترة، وكانت لها مكتسبات، وأصبحت حقاً مكتسب لأهل هذه الولايات؟، كيف ستحافظ عليه وتطوره؟، الناس يتحدثون الآن مثلاً عن حكم إقليمي أي أن يقسم السودان لستة أقاليم، قد يكون هذا رأياً وجيهاً، ولكن يحتاج إلى نقاش، الذي ينبغي أن نركز عليه ليس القرارات الجوهرية، ولكن يجب أن نركز على المؤتمر الدستوري الذي ستطرح عليه كل الأوراق وكل الرؤى.

* وماذا تبقى ليناقش في المؤتمر الدستوري؟

ــ دائماً حتى بالنسبة للأجانب الذين يزورون السودان، كنت أقول ينبغي    أن تساعدوا هذه الأحزاب هذه على معرفة الديمقراطية، وعلى التنشئة السياسية التي ترسخ الديمقراطية، وأن تدربوا الآلاف من الشباب على كيف تدار الانتخابات، وكيف يكتب البرنامج الانتخابي، وكيف يقرأ البرنامج، وكيف يناقش كذلك، وكيف نذهب للتصويت، وكيف نحسب الأصوات ونعلن النتائج، ثم كيف إذا خرجت النتائج كيف تكون التحالفات؟ .

*هل لديكم في حركة (تضامن) حوار مع قوى الحرية والتغيير ومع الأحزاب خارج إعلان الحرية وهل بإمكانكم أن تساهموا في تقريب المسافة بين هذه الأطراف باعتبار أنكم تقفون في المنطقة الوسط بين الجانبين؟

ــ تيار (تضامن) أصلاً كان موجوداً في هذه المنطقة منطقة الوسط، أنا على المستوى الشخصي، وعلى مستوى المجموعة الصغيرة، فقد كنا نعمل سوياً طيلة عشرين عاماً كنا على حوارات مستمرة مع مختلف القوى السياسية، ومن أوائل الثمار لهذه الحوارات كانت مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية في 2001، وكيف التقى طرفا النقيض، وحددوا تسعة مبادئ ما تزال صالحة، بالمناسبة ما ناقشته من قضايا، كذلك دخلنا مع أغلب الأحزاب الحزب الشيوعي، الاتحاديين وحزب الأمة، دخلنا في حوارات تقدمنا بمنجزات كان يمكن جداً إذا تم استذكارها وزيارتها، أن نخرج من مسألة عزل الإسلاميين وضمهم، وفي عام 2003 كنت بعضاً من ورشة عُقدت بالعاصمة الكينية "نيروبي"  تهيئ لمرحلة ما بعد اتفاقية السلام ما بعد 2005، وكيف ينبغي أن تكون طبيعة العلاقات، فمنذ ذلك الحين كانت هنالك تفاهمات أن التيار الإسلامي تيار ديمقراطي يتحاور مع الآخر ويعترف به، ويريد أن ينجز معه برنامجاً متكاملاً من أجل السودان .

*اقتربت فترة الانتقال من أن تكمل الستة أشهر وبرأي مراقبين تمضي في اتجاه معاكس لإنجاز التوافق الوطني، هنالك حديث حول محاكمات عن انقلابات لأكثر من حزب، وهنالك أيضاً حديث عن تسليم الرئيس السابق للمحكمة الجنائية، كيف تقرأ انعكاس مثل هذه الاتجاهات على المشهد الانتقالي، وهل هناك طريق ثالث يمكن الذهاب إليه ؟

ــ إذا عدنا للعلاقة بين المعسكرين معسكر الإسلاميين ومعسكر الثوريين نجد كثيراً من الأشخاص داخل هذين المعسكرين العريضين ينطلقون من منطلقات عاطفية، مثلاً كثير من الإسلاميين يشعرون أن هذا النظام القائم الآن والماضي للمستقبل سيهدد وجودهم، فبدل من يكونوا بعضاً من قوى المستقبل، يبدأون في بث الدعاية السوداء بحق الحكومة، وفي المقابل بدل أن تتجاوز قوى إعلان الحرية والتغيير القضايا التي تشدك إلى الماضي، نحو قضايا المستقبل، نحو سلام المجتمع كله ومصالحته، هذا ما يقوم به العاطفيون في الجانبين، لكن العقل الموضوعي إذا طبقناه تحديداً على قضية المحكمة الجنائية الدولية، المحكمة نفسها في رؤيتها التي اطلعت عليها بصفة شخصية، تعلم تماماً أن سمعتها تعرضت لبعض الإصابة، عندما بدا وكأنها تستهدف أفريقيا، ولم تطلب حتى الآن أوربياً ولا آسيوياً، ولكن كل الذين طلبتهم وحاكمتهم كانوا من الأفارقة، وهي تطمع في أن ترى ثورة مثل ثورة السودان ثورة فيها قيم إنسانية حقيقة وملهمة، أن تدخل معها في عدالة مشتركة، وهو المقترح الذي جاء  للجنة الأولى، لجنة "دفع الله الحاج يوسف"، وهذا يعنى إمكانية أن تكون هنالك عدالة مشتركة وطنية ودولية، وهذا الآن هو اتجاه المحكمة، وفي تصريح أخير للمدعي العام، أشارت فيه بأنها مقتنعة، بأن التحول الذي حدث في السودان، يضمن قيام محاكمة تستوفي المعاير الدولية، لكن ما لم تقله "بن فودا"، والذي يجب أن نراعيه نحن في الداخل، هو يجب أن تكون هناك عدالة مشتركة، وأن تقام في السودان، وهذا يعطي قيمة كبيرة جداً للعدالة السودانية وللثورة السودانية، وكذلك ينفع المحكمة بأنها لا تستقصد ذلة الأفارقة وإهانتهم، ولكن تقصد العدل.

* تجديد الولايات المتحدة للعقوبات يشكل أكثر الأمور إرباكاً لمسار الانتقال الآن، هذا بالرغم من الإعجاب والدعم الكبير للثورة السودانية من الأوساط الغربية، إلا أن موقف واشنطن لم يبارح محطته القديمة ما السبب؟

ــ يجب أن نستذكر مثلاً موضوع المسارات الخمسة، وما هي التنازلات التي تقدمت بها حكومة الإنقاذ حتى بدا موضوع المسارات، وكم أخذ من الوقت حتى أعطته الإدارة الأمريكية صفة الإنجاز بما حدث؟، فقد أخذ وقتاً طويلاً جداً قرابة العامين، أمريكا كذلك دولة كبيرة جداً، صحيح هنالك أجهزة مختصة في ما يتعلق بأفريقيا والسودان، ولكن هذه الأجهزة المختصة تتأثر جداً بالسياق العام للسياسة الأمريكية، مثلاً الآن هنالك انشغال كبير بقضية الحرب في شمال سوريا وبالقضية الكردية والتدخل التركي في سوريا، وأيضاً هنالك اهتمام كبير بموضوع سد النهضة، وذلك لأنه متعلق بثلاث دول لا تريد الولايات المتحدة أن تنسحب منهم، وتدع الفرصة لروسيا حتى تتقدم وتنجز وتحل هذه المشكلة، وهنالك مسائل متعلقة بالرئيس الأمريكي نفسه، هو متعرض لمساءلات كبيرة، يمكن أن تؤدي إلى تهدد مستقبله الانتخابي، وحتى مستقبله الراهن نفسه، ينبغي أن نستصحب كل هذه القضايا، ثم هنالك بالإضافة للمسائل المتعلقة بالشق السياسي، هنالك المسائل المتعلقة بالشق القانوني، هذا جانب إجرائي مثلاً أيما تحول في ما يتعلق برفع العقوبات يبدأ من الخارجية الأمريكية ثم البيت الأبيض، ثم ينظر فيه "الكونغرس" بعد ستة أشهر، فهذا الوقت المتعلق بالإجراءات القانونية لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن القفز حوله، ولكن كذلك كما ذكرت أنه لابد للأجهزة السودانية ــ أي الحكومة السودانية ــ بإداراتها المختلفة، النائب العام ووزارة العدل، والخارجية والأجهزة الأمنية والعسكرية، ثم قوى إعلان الحرية والتغيير، ثم السودانيين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية، كلهم  لهم دور، أن يؤكدوا أن هذه الثورة تستحق أن يتاح لتجربتها النجاح، بدلاً  من أن ترتد وتنتكس، ويفقد الشعب كذلك ثقته فيها.

التعليقات