رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/06/27

  • 2019/03/27 الساعة AM 10:19
حوار عقلاني مع شباب الثورة السودانية

    عثمان جلال

(1)            

ثمة حالة من الاتفاق وسط كل منظري الثورات وعلماء الفكر السياسي وجوهرها أن الآلية الوحيدة لتغيير اي نظام عقائدي استبدادي أو طائفي تماهى في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لآماد متطاولة هي آلية الحوار المستمر، والتسوية عبر مساومة تاريخية، وكذلك ضرورة إلتزام سيناريو التغيير التدريجي والتفكيك السلس لمؤسساته الفاسدة واستبقاء المؤسسات الصالحة وتوظيفها لصالح المشروع الوطني الديمقراطي ، وكذلك فإن عبقرية التغيير السلس والسلمي تقتضي التعاطي الذكي مع المحددات والنظام الدستوري والانتخابي والمؤسساتي الذي شيده نظام الاستبداد شكليا لتثبيت وترسيخ نظامه واختراق هذه الأطر والأشكال المؤسسية الناظمة لها، والسعي الدؤوب والصبور لإنجاز ثورة الاصلاح والتغيير الديمقراطي ، وهنا تتجلى الحذاقة السياسية والفكرية لقوى الثورة في تفكيك المحمولات الأيديولوجية للنظام الاستبدادي خاصة أن الايديولوجيا المغلقة تتلاشى وتضمحل تدريجيا في مختبرات التجربة العملية وفضاءات الممارسة التواصلية والتفاعلية، وعندها يمكن تحويل مؤسسات النظام الاستبدادي إلى روافع داعمة لمشروع الثورة الوطنية الديمقراطية بدلا من السعي لتفكيكها وهدمها مما يعني تفكيك وهدم الدولة ذاتها، وكما تعلمون فإن المحافظة على كيان الدولة ووحدتها ضرورة وطنية قصوى مهما تعاظم نظام الاستبداد خاصة إذا أدركنا أن أحد عيوب نظام الاستبداد هو اضعاف البنية واللحمة الوطنية للدولة، بل ولا يبالي النظام الاستبدادي من الذهاب للخيار صفر وهو الفوضى والتفكيك من أجل  بقاءه في الحكم لأن في مظانه ومخيلته العقيمة أن سقوطه يعني انهيار الدولة وتفتيت وحدتها، ولذلك فإن من المهام الاستراتيجية لثورة التغيير والاصلاح الواعية المحافظة على وحدة وتماسك مؤسسات الدولة كمنجز ثوري.

  (2).          

وان ذلك كذلك فلا مبرر اصلا لحالة المقابلة بين مفاهيم الثورة والحوار والإصلاح كأنهم أقطاب متضادة ومتنافرة، وحالة الخصومة والبينونة بين الثورة والإصلاح والحوار لاتوجد في التاريخ الا عند غلاة الماركسيين المثاليين أمثال( لينين) وتجلى ذلك في الصراع التاريخي بين تيار التنقيحية الإصلاحي بقيادة روزا لوكسمبورج وبرنشتاين حيث تبلورت رؤية هذا التيار الاصلاحي في إمكانية التغيير التدريجي والسلس من داخل رحم ومؤسسات النظام الرأسمالي وذلك بتبني القضايا المطلبية للعمال حيث تفاعلت مع هذه الرؤية الاصلاحية الأحزاب اليسارية في أوربا في ستينيات القرن الماضي وأكسبتها الفاعلية السياسية التطور المضطرد، بينما وقف لينين على التضاد مع هذه الرؤية ودمغها بالتحريفية وأسس ما عرف في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية ( بالأممية الثالثة) وترتكز رؤية هذا التيار في التغيير على آلية الثورة الشاملة، والمعلوم أن البعد العميق للثورة يعني صناعتها من كل تيارات المجتمع بتبايناته الفكرية والدينية والهوياتية والسياسية، ولكن الثورة الروسية التي نهضت عام 1917 بهذا التنوع والتباين المدهش حسمها الشيوعيون بالقوة الجبرية لصالح السوفياتات تحت شعارات تكتيكية زائفة(كل السلطة للسوفياتات) بينما استبطنت الشعار الحقيقي (كل السلطة للبلاشفة) وبعدها قام البلاشفة بتصفية وتغييب كل التيارات الفكرية والسياسية التي شاركت بفاعلية في صناعة الثورة الروسية وتم اختزال الثورة في دكتاتورية البروتاريا وعبر التاريخ تحولت إلى دكتاتورية دون بروتاريا على النحو الذي تعلمون.

   (3)             

ولذلك فان قوى اليسار السوداني تتخندق مع هذه الرؤية الثورية في التغيير والهادفة لاسقاط النظام كليا وتفكيك البنية الكلية لمؤسسات الدولة السودانية ومن ثم بناء مؤسسات جديدة على انقاضها وفق رؤيتهم مما يعني استبدال استبداد باستبداد في حالة نجاح هذا السيناريو الخطير للتغيير، أو السقوط في أتون الفوضى والحرب الأهلية الشاملة وهو السيناريو الراجح مع هكذا رؤيا للتغيير، فاليسار السوداني يدرك أن أي انتقال سلمي وسلس يفضي لتحول ديمقراطي حقيقي في السودان  سيصب في صالح التيار الإسلامي الوطني العريض، وسيكشف ضعف قاعدته في المجتمع ولذلك في رأي فإن فقه الأولويات يستدعي عمل مراجعات فكرية داخل مدرسة اليسار الشيوعي تقضي بتحوله إلى حزب اشتراكي ذي خصوصية  سودانية محضة كما حدث في ستينيات القرن الماضي قبل العدول عن الفكرة والرجوع لمسمى الحزب الشيوعي السوداني بعد نصيحة الرفاق السوفيت كما ذكر بروف عبد الله على ابراهيم، وعندها سيتفاعل اليسار السوداني مع مشروع الديمقراطية القادم،اما اذا حبس ذاته مع الأفكار الماركسية المثالية حتما فإن مصيره سيكون التلاشي والموت.

(4).              

إن قوى التغيير السودانية تدرك ان عوامل نجاح وفاعلية اي ثورة تتجلى في سلميتها وأثبتت التجارب أن نهوض اي ثورة سلمية ضد نظام عقائدي أو طائفي لن تستمر في لوحتها السلمية وحتما ستنجرف إلى العنف والعسكرة اما من النظام الاستبدادي للاستفادة من حالة توازن القوة ومن ثم حسم الثورة تحت زرائع حفظ الأمن والاستقرار بعد تحييد شرائح كبيرة من المجتمع الداعم للثورة بادي ذي بدء ،أو قيام مجموعات منظمة من داخل قوى الثورة بتبني خط العنف والعسكرة وفي الحالة السودانية فإن حركات الهامش المسلح قد تستثمر حالة السيولة والاضطراب الماثلة للقفز فوق الجميع والصعود للحكم مما يعني استبدال استبداد باستبداد أشد أو الوقوع في مستنقع الحرب الأهلية الشاملة،

 وكذلك فإن قوى التغيير تدرك ان من محددات نجاح الثورة السلمية ضرورة توفر قدر كبير من التماسك القومي والهوياتي داخل الدولة ، ومعلوم أن تراكم الاستبداد عمق من هشاشة وسيولة هذا العنصر، ولذلك فإن التمترس في سيناريو الثورة قد يقود إلى حرب الكل ضد الكل، والعبقري السياسية تقتضي الإبقاء على هذا القدر من التماسك الوطني وتمتينه عبر الحوار والتنوير والتثاقف المستمر،

 وكذلك فإن ثورة التغيير السلمية تقتضي بروز قائد ملهم تلتف حوله قوى التغيير، وتتبدى القيادة وفق المفاهيم الحديثة في الأحزاب السياسية،ولكن من عيوب نظام الاستبداد اضعاف الأحزاب السياسية مما يؤدي لانفضاض المجتمعات من حولها وتكتلها في الولاءات القبلية والجهوية والطائفية ونهوض الثورة السلمية في هكذا حالة من توازن الضعف الكلي حتما ستؤدي إلى تأجيج الصراعات والتمزقات الجهوية والقبلية والطائفية

ولذلك يجب على التيارات الشبابية التي تتصدى حاليا لمهام التغيير والإصلاح تنظيم ذاتها وولاءاتها في الكتل والمنظومات السياسية القائمة لتطويرها فكريا وتغيير سلوكها التنظيمي والسياسي وذلك لإدارة بروسيس التغيير الهادف والواعي والمستدام عبر كيانات سياسية منظمة أو على التيارات الشبابية الناهضة تنظيم ذاتها في كتلة سياسية منظمة وجديدة، ولعل من ثمار ثورات التغيير البناءة والهادفة بروز منظومات حزبية وقيادات سياسية جديدة، وأيضا بروز هوادي فكرية وسلوك سياسي جديد من ثم تتفرع هذه المتغيرات الاستراتيجية لتصب في مجرى المشروع الديمقراطي المستدام.

       (5)            

وصفوة القول فإن العقلانية السياسية تقتضي من التيارات الشبابية التي تتصدى لمهام التغيير ضرورة نقل الحراك والاحتجاجات الراهنة من الشارع إلى رحاب المؤسسات والمتمثلة في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والاذاعات والقنوات والوسائط لإدارة الحوارات الفكرية والسياسية وبناء المقاربات بين المبادرات السياسية المطروحة لحل الأزمة الوطنية وذلك لاجتراح مبادرة وطنية شاملة تحقق الانتقال السياسي والديمقراطي السلمي ، وبالمقابل على المنظومة الحاكمة إطلاق سراح كل المعتقلين والناشطين السياسيين والإعلاميين  واطلاق الحريات السياسية والإعلامية لتهيئة المناخ الصحي للتعاطي مع مبادرة الرئيس البشير التي أطلقها للتغيير، وكذلك فإن العقلانية السياسية تقتضي من الحركات المسلحة اتخاذ قرار ذاتي وشجاع غير مشروط يقضي بنبذ العنف واعتزال العمل المسلح وتحولها إلى حركات سياسية مدنية وهكذا قرار سيضاعف من حاضنتها الاجتماعية، مما يعني استمرارها فاعلة في معادلة البناء الوطني والديمقراطي،

 وكذلك فإن العقلانية السياسية تقتضي التجاوب البناء والذكي مع مبادرة الرئيس البشير للتغيير لأن التفاعل معها حتما سيعزز من قيمة الحوار كآلية استراتيجية للتغيبر، واي نتائج لهذه المبادرة  ستصب ايضا في مسارات التغيير السلمي كغاية استراتيجية لقوى التغيير، وكذلك فإن العقلانية السياسية تقتضي المشاركة الفاعلة في الانتخابات القادمة باعتبارها آلية سلمية ومنظمة للتغيير خاصة أن الحالة الثورية الناهضة وسط كل فئات المجتمع السوداني تستدعي حفزها وإلهامها لمنازلة النظام سلميا، وحتما فإن هذه المنازلة الانتخابية ستشكل حالة النضج المثالية للتغيير السلمي والعبقري.

التعليقات