رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/05/24

في السودان.. آمال العبور تطغى على هواجس الهلاك

 الأحداث نيوز - مزدلفة محمد عثمان

شكّل السودان خلال السنوات الماضية معبرًا لعمليات التهريب والإتجار في البشر، حيث يتدفق الآلاف سنويًّا إلى حدوده الشرقية ومنه إلى ليبيا أو مصر، ثم تأتي مرحلة عبور البحر المتوسط باتجاه أوروبا. هنا إطلالة على صور من حياة وأحلام هؤلاء المهاجرين.

في حي الديم العريق بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، الذي تقطنه أغلبية من المهاجرين من دولتي إريتريا وإثيوبيا، جلس أبرها أمام أحد صالونات تصفيف الشعر ساهمًا شارد الذهن، يحدق في الأرض، قبل أن يرسم عليها خطوطًا متقاطعة بعصا نحيفة، كانت تلعب بين أصابعه بشكل ينم عن احترافية صاحبها في تحريك خيوط الحياة بما يتلاءم مع تقلب الأحوال.

أبرها، وهو شاب في العشرينيات من العمر، ليس سوى واحد من مئات الفارين من عصابات تهريب البشر. قبل عدة أشهر، دهمت قوة أمنية سودانية العصابة وحررت زملاءه وألقت القبض عليهم، لكنه تمكن من الفكاك من بين يدي السلطات السودانية. وكأن الشاب لا يصدق أنه نجا من تلك العملية، فهو يبدي زهدًا في رواية تفاصيلها المثيرة، ويكتفي بالقول «أشكر الرب». وبالرغم من تجربته ووقوعه في براثن تلك العصابة، فاجأني بالقول بلغة عربية متعثرة «سأذهب إليهم مرة ثانية. أريد السفر لأوروبا. سأجمع الملايين وسأذهب عبر ليبيا إلى إيطاليا… أعلم أن المخاطر بلا حد لكن سأجرب، فربما أنجح».

إذن فهذا هو هدف أبرها. أن يصل إلى أوروبا، غير هيَّاب بأي تهديدات أو مخاطر، لكن عليه أن يجمع ما لا يقل عن 3600 دولار لتلك الرحلة. يتابع الشاب وفي عينيه لمعان كأنه ينظر أمامه أرض أحلامه «حتى أصل ليبيا عبر التهريب طلبوا مني توفير 1600 دولار يتم استلام نصفها هنا في الخرطوم، والنصف الآخر عند وصولي إلى الأراضي الليبية».

وبطبيعة الحال يرفض أبرها الكشف عن هوية أولئك المهربين، ويكتفي بالقول إنهم سودانيون ومن جنسيات أخرى، وأن آخرين سيستقبلونه في ليبيا وسيدفع لهم ما يعادل ألفي دولار لينقلوه إلى شواطئ إيطاليا. كررت أسئلتي على أبرها ليسرد كيفية تعرفه على المهربين. تحدث الشاب راويًا وقائع خروجه من إثيوبيا، لكنه شدد على أنه لن يتحدث عن مهربيه من الخرطوم إلى أوروبا عبر ليبيا. وأوضح أن عمليات التهريب تبدأ عادة باتصالات بين رجال موجودين في السودان وآخرين في إثيوبيا، ويتم الاتفاق على جمع عدد محدد من الأشخاص في منطقة حدودية، لتبدأ رحلة شاقة للغاية يعبر خلالها الضحايا طرقًا وعرة بواسطة خبراء يدركون تضاريس المنطقة، بعيدًا عن أعين السلطات المنتشرة على الحدود بين البلدين.

ويشير أبرها إلى أن بعض الهاربين يشترطون نقلهم إلى إسرائيل وهؤلاء كما يقول أبرها تكون وجهتهم شرق السودان، حيث يدفع الفرد حوالي 1200 دولار للعصابات نظير الترحيل. ولا يمكث هؤلاء في السودان إلا لفترة وجيزة يجمعون خلالها مزيدًا من المال ليدفعوه إلى مهربين ينقلونهم إلى أوروبا أو إسرائيل.

تجارة بشر أم تهريب؟

يدفع المهاجرون لدواعٍ اقتصادية عادة الأموال لمهربيهم طوعًا لنقلهم من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، وهو ما يختلف عن تاجر البشر. فالأخير ينقل ضحيته رغمًا عنها أحيانًا، ويسيء معاملتها بشتى الوسائل، وفي الغالب يستنزف تجار البشر أهالي الضحية ماديًّا بطلب الفدية.

ويوضح ضابط العلاقات الخارجية بـ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نيكولاس براس «في الغالب تكون العملية في بدايتها تهريبًا للبشر وفي منتصف الطريق ربما تتحول إلى إتجار». ويتابع: «الذين يلجأون إلى المهربين هم مزيج من المهاجرين واللاجئين، والأخير يحتاج إلى حماية من نوع خاص وفقًا لاتفاقية العام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين».

تعرِّف المادة الأولى من الاتفاقية اللاجئ بأنه شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معيَّنة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أن يستظل بحماية دولته خشية التعرض للاضطهاد.

أما الشخص الذي يغادر بلده لدواعٍ اقتصادية بحتة فلا يمكن تصنيفه كلاجئ. ويشير براس إلى أن الاشخاص الذين يغادرون بلدانهم عادة ما يلجأون إلى شبكات تهريب غير منظمة. وخلال رحلتهم يتعرضون لمخاطر جمة، كوقوعهم ضحايا لعمليات الإتجار بالبشر. ويضيف براس «استقبلنا ضحايا إتجار بالبشر تم تعذيبهم، والإساءة إليهم، أو جرى احتجازهم كرهائن إلى حين دفع فدية لإطلاق سراحهم».

وفي حين يمثل السودان معبرًا محوريًّا لتهريب البشر إلى دول أوروبا بحثًا عن وضع اقتصادي أفضل، يقول مسؤولون سودانيون إن البلاد ليست طرفًا في عمليات الإتجار بالبشر التي تجري غالبًا خارج السودان. وسبق لوزير الداخلية السوداني عصمت عبد الرحمن أن ذكر في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2014، على هامش مؤتمر الخرطوم لمكافحة الظاهرة: «نحن في السودان غير معنيين بعملية الإتجار بالبشر، وإنما تعنينا عملية تهريب البشر والتي تتحول إلى إتجار بالبشر بعد خروجها من حدودنا».

لكن في المقابل تنشط عصابات في شرق السودان تعمد إلى تنفيذ عمليات اختطاف علنية مستخدمة سيارات وأجهزة اتصال وأسلحة متطورة. وتشير تقديرات للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن منطقة شرق السودان تستقبل شهريًّا نحو 1100 لاجئ، معظمهم من إريتريا.

وفي العام 2013 نشر موقع «سودان تربيون» الإخباري (sudantribune.com)، خبرًا مفاده أن إحدى القبائل في شرق السودان أقامت احتفالًا لمجموعة عائدة من إسرائيل بعد اختطافهم من قبل عصابة تتاجر بالبشر، والتي استنزفت أموال أعيان القبيلة بعد أن طلبت 35 ألف دولار لكل مختطف تحول عبر أحد البنوك مقابل إطلاق سراح المختطفين. يومها كشف أحد الأطفال المختطفين العائدين عن تعرضهم للضرب المبرح والتعذيب بجانب 24 شخصًا آخرين يحملون جنسيات دول مثل إرتيريا وإثيوبيا. وقال الطفل ويدعى أحمد إن أفراد العصابة كانوا يمنعونهم من أداء الصلوات ويطعمونهم وجبة واحدة في اليوم تتكون من الخبز والجبن فقط ولا يسمحون لهم بالاستحمام ويتم ربط كل شخصين بقيود حديدية.

وكان وفد من سفراء الاتحاد الأوروبي زار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي معسكرات اللاجئين في شرق السودان، بعد تنامي الحديث عن تزايد أنشطة تهريب البشر والإتجار بهم. شاهد الوفد في مركز ود شريفي لاستقبال الوافدين (15 كلم جنوب شرق كسلا)، تكدس عشرات الشباب والشابات في غرف ضيقة، وسط وضع صحي شبه منهار. وذكر غالبية من جرى الحديث معهم من هؤلاء اللاجئين أنهم وصلوا إلى السودان مشيًا على الأقدام من إريتريا. لم يتردد بعض الشباب في إعلان رغبتهم صراحة في البحث عن أي وسيلة تنقلهم إلى أوروبا.

ويؤكد براس أنه «في العام 2012 بدأ استهداف اللاجئين أنفسهم في المعسكرات، حيث يتعرضون للاختطاف على يد عصابات مسلحة ثم تطلب هذه العصابات الفدية. ويواجه آخرون خطرًا متزايدًا أثناء دخولهم إلى السودان وفى الطريق إلى المعسكرات». ويشير إلى أن «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» تعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة السودانية، وعلى الأخص مع معتمدية اللاجئين السودانية لتعزيز الأمن في المخيمات فى المقام الأول، وتقديم المساعدة لضحايا الاتجار بالبشر.

وشهد العام 2013 مباحثات بين «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» مع الحكومة السودانية بمشاركة «منظمة الهجرة الدولية»، لوضع استراتيجية للتصدي للإتجار وتهريب واختطاف البشر، وتعزيز الأمن في معسكرات استقبال اللاجئين.

وتمخضت عن هذه المباحثات نتائج إيجابية مثل إقرار الحكومة السودانية قانون مكافحة الاتجار بالبشر في العام 2014، علاوة على توسيع نطاق استراتيجية مكافحة الإتجار بالبشر لتضم مؤسسات دولية مثل «صندوق الأمم المتحدة للسكان» و«صندوق الأمم المتحدة للطفولة» (اليونيسيف) ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وترتكز استراتيجية مكافحة الإتجار بالبشر في السودان على تعزيز الأمن في معسكرات اللاجئين ومساعدة الحكومة في بناء مراكز استقبال مؤقتة، مع توفير الحماية القانونية بتمكينهم من الوصول إلى المحاكم، وبناء القدرات الوطنية فضلًا عن السعي الجدي لتقديم المساعدات للضحايا بتوفير الرعاية الطبية والدعم النفسى لهم.

ويكشف براس بعض الإحصائيات حول الاتجار بالبشر في السودان، فقد شهد العام 2013، 338 واقعة اختطاف، انخفضت في العام 2014 إلى 100 حالة، وهو ما يشير بحسب براس «إلى الدور الإيجابي الذي لعبته استراتيجية مكافحة الاتجار بالبشر. فالسودان مثال جيد للتعاون معنا في مكافحة الإتجار بالبشر»، على حد وصف المسؤول الأممي.

**الأسماء الواردة هي أسماء مستعارة حفاظًا على خصوصية أصحابها.

التعليقات