رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/19

  • 2019/03/04 الساعة PM 12:03
مع (بنات هباني).. مواجهة حول قانون النظام العام

 

حوار: فتح الرحمن شبارقة

رغم التطورات المتلاحقة في البلاد، وما ترتَّب عليها من حراك وقرارات أربكت المشهد السياسي بصورة غير مسبوقة، ما زال التوجّه الحكومي الذي تبلور في الفترة الماضية بتعديل قانون النظام العام يُحظى بغير القليل من النقاش في مجالس المدينة ومنتديات السياسيين والمهتمين. وفي ظل الانقسام الكبير بين مؤيد لإلغاء القانون، ومطالب بتعديله فقط من الناشطين والناشطات حتى داخل الأسرة الواحدة.. أجريتُ هذه المواجهة الحوارية بين الإعلامية والناشطة الحقوقية والمعارضة البارزة أمل هباني، وشقيتها القيادية وأمينة المرأة بحزب المؤتمر الوطني قمر هباني. فرغم دفء العلاقة بينهما في الإطار الأسري الذي يستظل عند (آل هباني) بقدر فوق المعدل من الديمقراطية والحرية وقبول الرأي الآخر، إلا أنَّ كلاً من أمل وقمر قدمتا في حديثهما لـ(الرأي العام) مرافعاتٍ متماسكة عن موقفيهما المسبق من قانون النظام العام.. (أمل) و(قمر) لا تُمثلان رؤيتين مختلفتين في أسرة واحدة، ولكنهما ترمزان إلى رؤيتين مختلفتين في المجتمع السوداني حول القانون. وبقدرما عبرتا عن قيم الحرية واحترام الرأي داخل البيت الكبير الذي تنتميان إليه، فقد عبّرتا فيما يبدو عن وجهتي نظر تسودان الساحة السياسية والاجتماعية والقانونية حول قانون النظام العام، فإلى مضابط الحوار:

الناشطة أمل هباني:

- مراجعة قانون (النظام العام) الآن خوفاً من الشعب وهبته من أجل إسقاط النظام

 النظام العام يجب أن يخرج من جسد المرأة ليتلبس جسد الدولة

 لن يندم على إلغاء قانون النظام العام إلا المستفيدون من جباياته

بداية.. كيف تقيمين الاتجاه الحكومي الذي برز في الأيام الماضية لمراجعة قانون النظام العام؟

- اتجاه الحكومة لمراجعة قانون النظام العام بالتزامن مع ضغط الشارع من أجل إسقاط النظام يعكس هشاشة هذا النظام، وإدراكه لعدم معقولية تشريعاته وأنه وضع قانوناً مثل النظام العام لقمع وقهر المواطن، وعندما يغضب المواطن ويثور يصبح من السهولة مساومته بهذا القانون الباطش والباطل عدلياً ..

برأيك.. هل الإشكال في القانون.. أم في تطبيقه؟

- عندما تضع قانون اللا معقول فلا تتوقع أن يكون التطبيق معقولاً .. النظام العام فتح ثغراتٍ عديدة لاستخدام الشرطة البطش والظلم، وشرطته استفادت تماماً لأن (الفي إيدو القلم ما بكتب نفسو شقي)، حتى تحولت منظومة النظام العام بأكملها منظومة للنيل والانتقام من الأفراد، كما حدث في قضية الناشطة ويني عمر.

لكن.. هناك عدد من الدول لديها قوانين مماثلة تتعلق بثقافة المجتمع وما يستحسنه وما يستهجنه.. ويسمى بقانون الآداب أحياناً؟

- ثقافة المجتمع يحملها الفرد في مكونه النفسي والعقلي والروحي وليس البوليس في سياطه، ثم أنَّ المجتمع السوداني فيه تنوع يصل لحد التباين في ثقافاته،  لذا كان قانون النظام العام أداة قمع وإقصاء للاختلاف الثقافي. ونحن في مبادرة لا لقهر النساء نشرنا في بيان أيام الانفصال، أنَّ هذا القانون المذل لكرامة النساء أحد أهم أسباب انفصال الجنوب، لأنَّ آلاف الجنوبيات حوكمن به دون مراعاة لاختلافهن الثقافي والديني، وهذا كرَّس لإحساس عدم المساواة ومرارات الاضطهاد.

كناشطة في مجال حقوق الإنسان.. هل أنت مع الدعوة لقانون بديل.. أم ربما لا ترين ضرورة لأي قانون لضبط السلوك والمظهر العام؟

- النظام العام يجب أن يخرج من جسد المرأة ليتلبس جسد الدولة، فأنا أرى أنه يجب أن يكون هناك مواد في القانون رادعة للحفاظ على البيئة العامة، مثل تجريم رمي الأوساخ أو الأنقاض في الشارع، ووقوف العربات في مواقف محددة لذلك، ومحاسبة مرتكبي كل السلوك الذي يؤدي إلى الإخلال بنظام وانضباط السلوك المتعلق بالحق العام (وزي النساء ليس جزءاً منه). وهذا لا يحتاج شرطة خاصة أو نيابة أو قضاء أو محاكم خاصة كتلك التي تحتشد الآن بقانون النظام العام.

في المقابل، يرى كثير من المحافظين أنَّ قانون النظام العام مهم، وسيندم الكثيرون إذا تم إلغاؤه أو حتى تعديله؟

- لن يندم أو يفتقده إلا المستفيدون والمتكسبون من جباياته، من غرامات بائعات الخمور والزي والفعل الفاضح .

ماهو الإطار القانوني الذي ترونه مناسباً لكي يتمثل الناس قيم المجتمع في زيهم وسلوكهم في الشارع العام؟

- قيم المجتمع متغيرة وليست ثابتة نأخذ الجيد والجميل منها ونترك القبيح، في إطار اجتماعي وليس تشريعياً.

البعض يرى أنَّ دعوات الحرية المطلقة لا تناسب المجتمع السوداني المحافظ؟

- كان إسقاط النظام العام مطلباً.. الآن أصبح المطلب إسقاط النظام بأكمله وهذا حق مشروع.

البعض يتخوف من أن يتطلع بعض الناشطين لأكثر من إلغاء قانون النظام العام، كالمطالبة بتعديل أنصبة الميراث ربما؟

- كلما تقدمت وتطورت حركة حقوق المرأة كلما ارتفع سقف المطالبة بالحقوق.. كنت أتمنى أن يكون سقف حركة حقوق المرأة في السودان المطالبة بالميراث المتساوي وتجريم التعدد، أسوة بنظيراتها في تونس والمغرب، لأنَّ حركة الحقوق النسوية السودانية أقدم من كل الحراك في المنطقة العربية والأفريقية، لكننا بسبب حكم الهوس الديني تراجعنا لنطالب بإلغاء النظام العام وجلد النساء بعد سبعة عقود من المطالبة بالحقوق.

حتى في حال إلغاء قانون النظام العام، فالمشكلة أنَّ بعض مواده موجودة في القانون الجنائي.. فهل ستطالبون بإلغاء القانون الجنائي كذلك؟

- نعم نطالب بإلغاء كل المواد المنتهكة لحقوق النساء وآدميتهن في القانون الجنائي، لكن النظام العام مشكلته أنَّ منظومته بأكملها منتهكة لحقوق النساء ابتداءً من القانون الذي وصفه خبراء قانونيون بأنه مجموع أوامر محلية لا ترقى للقانون.. ومروراً بشرطته التي تنتهك خصوصية النساء وحتى الرجال، وتدخل حتى غرف النوم ودواليب الملابس ليتحول الشرطي بعدها إلى شاهد اتهام .. ومروراً بنيابة النظام العام والمحاكم الايجازية وهذه ترسانة من الانتهاكات وإهدار الإنسانية يجب أن تحل جميعها وتزال تماماً.

أخيراً.. هل تعتقدين أنَّ الاتجاه لتعديل القانون جاء نتيجة لنضالكنَّ؟

- كما قلت في البداية إسقاط النظام العام الآن خوفاً من الشعب السوداني وهبته من أجل إسقاط النظام.. نعم لعب النضال ضد القانون دوراً كبيراً في تعرية القانون وفضح انتهاكاته داخلياً وخارجياً.. وهذا يبرهن على صدقنا وذهابنا في الاتجاه الصحيح بمناهضة قانون النظام العام ومنظومته، لكن الضغط الآن بسبب هبة الشعب السوداني في وجه جلاديه ومطالبته برحيل النظام بأكمله.

///////

أمينة المرأة بالمؤتمر الوطني قمر هباني:

- تعديل القانون ليست رشوة سياسية وإنما ضرورة نتجت عن تقييم حقيقي

- أية دولة في الدنيا فيها قوانين متعلقة بالنظام العام حتى التي تبيح الرذيلة

-التعامل مع القوانين لا ينبغي أن يكون بمفهوم الانتصار والكسب السياسي

لماذا مراجعة قانون النظام العام الآن، هل اكتشفتم سوءاته فجأة؟

- حقيقة المطالبة بمراجعة قانون النظام العام لم تبدأ الآن، ونحن منذ العام 2008م طالبنا في اتحاد المرأة بمراجعة قانون النظام العام عندما حدثت مشكلة كبيرة مع بائعات الشاي والأطعمة في رمضان لأنه يضر بالفئات المهمشة. والمشكلة ليست في قانون النظام العام، لأنَّ كل الناس عرفت قانون النظام العام فكل الناس تقريباً يعرفون أنه قانون ولائي، لكن مشكلته أنه مرتبط في تنفيذه بمنظومة النظام العام وهي مواد القانون الجنائي المتصلة بالإخلال بالآداب العامة، وهي تقريباً من المواد 145 -152 بالإضافة إلى تنفيذه من قبل شرطة النظام العام أو شرطة أمن المجتمع الحالية. وهذا ما جعل هناك إشكالية في تطبيق قانون النظام العام الولائي وتقاطعه مع القانون الجنائي. لكن في حقيقة الأمر المطالبة بتعديله لم تبدأ موخراً، فالاهتمام بهذه القضية برز الآن لأن الرئيس صرح في هذه المسألة.

إذن لماذا لم تتحركوا كل هذا الوقت لتعديل القانون إلا بعد أن تحدث عنه رئيس الجمهورية، وكأنكم صدى فقط لما يقوله الرئيس؟

- أقول لك أيضاً هذا الكلام غير صحيح، ففي وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي هنالك لجنة منذ أكثر من ثلاث سنوات لمراجعة القوانين المتعلقة بالمرأة كلها.. مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون العمل وقانون النظام العام، ورفعت هذه اللجنة مقترحات جيدة جداً لكن بيروقراطية الحكومة هي التي أخرت النظر في هذه التعديلات.. فالقوانين لابد أن تذهب للجنة فنية ثم تدخل لجان مجلس الوزراء إلى أن تجاز، ثم بعد ذلك تذهب للبرلمان. لكن حقيقة هناك شغل وحراك في هذه المسألة.

هناك من يرى أنَّ خلفية مراجعة قانون النظام العام هي خلفية سياسية، جاءت على ضوء الاحتجاجات الشبابية المتواصلة?

- الكلام عندما يصرح به رئيس الجمهورية ورأس الدولة يأخذ بُعده الكبير، لذلك بعض الناس يعتقدون أن حديث الرئيس هو الذي نبّه الناس لهذا القانون. وصحيح الرئيس لأول مرة يتحدث عن القانون، وقال صراحة نحن في تحليلنا للأحداث وجدنا عدداً كبيراً جداً من الشباب ناقمين على قانون النظام العام.

هل تقرين بأنَّ خلفية مراجعة القانون كانت سياسية.. أم غير سياسية؟

- لا أقول إنها سياسية، ولكن هناك جزء منها أدى لكبت سياسي مثلاً، لكن الخلفية لم تكن سياسية، وأنت إذا سألت مجموعة من الناشطات ستجد أننا كنا نعمل على قانون النظام العام منذ فترة طويلة، ونطالب بتعديله وبإصلاحه.

الاتجاه لتعديل قانون النظام العام في هذا التوقيت بدا وكأنه رشوة سياسية تماماً مثل فتح شارع النيل بين يدي الاحتجاجات؟

- أعتقد أنَّ لدينا إشكالات في السودان، مثلاً شارع النيل عندما أغلق كان السبب أنهم وجدوا ممارسات خطأ، فهل كان الأجدى أن تغلق شارع النيل كله كمتنفس للأُسر أم تعالج الممارسات الخطأ؟!.. يعني مثلاً لو وجدت بعض بائعات الشاي يروجن للمخدرات، فالأولى القبض عليهن ومحاكمتهن وليس إغلاق شارع النيل. إذاً المراجعة للقانون ليست رشوة وإنما ضرورة نتجت عن تقييم حقيقي.

ألا ترين أستاذة قمر أنَّ هذه المراجعة تأخرت كثيراً.. فبعد أن كان الناشطون يطالبون بإسقاط قانون النظام العام، أصبحت المطالبة الآن بإسقاط كل النظام؟

- نعم تأخرت جداً، وقانون النظام العام تضررت منه بائعات الشاي والأطعمة أكثر من شباب شارع النيل. فهؤلاء النساء اللائي يمتهن المهن البسيطة كانت لديهنَّ إشكالات مستمرة مع النظام العام (كل يوم كاشنهم وشايلين عدتهم)، لكن عندما (هبش) الشباب طلع للسطح.

هناك من يرى أنَّ قانون النظام العام كان يفترض أن يخرج من جسد المرأة ليتلبّس جسد الدولة؟

- بالمناسبة أنت لو اطلعت الآن على قانون النظام العام لولاية الخرطوم الصادر في 1996م، ستجد أنه لا يقصد المرأة لكن هناك مشكلة في تطبيقه. فمثلاً مادة الزي الفاضح هذه هي مادة في القانون الجنائي لكن تطبقها شرطة النظام العام، والزي الفاضح (ما معروف شنو)، والإشكالية الكبيرة التي أوقعت المرأة في كثير من المشاكل، أنَّ الذي يلقي عليها القبض رجل والذي يحدد الزي رجل والذي يقيم العقوبة رجل، وهذا كان خطأ كبيراً، وطالما كان الأمر يتعلق بالزي والسلوك، وكذا كان يفترض أن تكون هناك نساء وهن الذين يقيّمن خاصة للمرأة.

بمراجعة هذا القانون يرى بعض المتحفظين أن الحكومة تنازلت عن بعض مكتسباتها التشريعية والقيمية التي حققتها في الفترة الماضية؟

- التعامل مع القوانين لا ينبغي أن يكون بمفهوم الكسب السياسي، وإذا كان هناك قانون يعطل مصالح الناس وحقوقهم فلماذا لا يراجع، فلا عيب في أن يراجع المشرّع أي قانون إذا اتضح أن هنالك أشياء خاطئة أو ظهرت عيوب في التطبيق، لكن مشكلتنا دائماً في السودان أننا نتحدث بثقافة الانتصار ونصوّر الأمر وكأن الحكومة أّجبِرت على التعديل، فهذه لغة غير جيدة والتصحيح والمراجعة دائماً هي الأفضل.

بتعديل هذا القانون قد تكسب الحكومة بعض الشباب، لكن قد تخسر في المقابل المحافظين واليمين؟

- لا أعتقد أنها ستخسر اليمين، فهل مصلحة اليمين أن تتم مضايقة الشباب أو النساء؟ وأنا واحدة من الناس أرى أن شارع النيل مكان مناسب للأسر، وكنت أذهب مع أسرتي لشارع النيل، وليست هناك إشكالية بالنسبة لي.

هل المطروح الآن هو تعديل أم ربما إلغاء لقانون النظام العام؟

- نحن نتحدث عن تعديل، لأنَّ أية دولة في الدنيا فيها قوانين متعلقة بالنظام العام، حتى الدول المنفتحة تماماً والتي تبيح الرذيلة فإنها تنظمها بقوانين ونُظم. فلابد من المراجعة وليس الإلغاء.

بعد أن أصبح التعديل أمراً واقعاً، ماهو مصير مرافعاتكم التي كانت تقال في السابق من قبيل أنَّ قانون النظام العام مهم للحفاظ على الأسر وكذا؟

- نحن كلامنا ما زال قائماً ولم نغيّر رأينا. وهذا القانون تُطالب بإلغائه مجموعتان.. مجموعة من الناشطات قد يكون توجههنَّ علمانياً يعتقدن أنَّ القانون يتدخل في حرية المرأة، ومجموعة ممكن أن تسميها التيار الإسلامي، بنعتقد أن تطبيق القانون يؤثر ليس على حرية المرأة وإنما على كرامة المرأة نفسها، ومع أنَّ القانون لم يكن يقصد المرأة لكنه في تطبيقاته استهدف المرأة بصورة كبيرة جداً، وهذه هي المشكلة.

كيف يمكنك تصوّر الخرطوم بدون قانون نظام عام؟

- أنا سافرت كثيراً جداً لكثير من دول العالم بحكم موقعي وعملي، ولم أجد دولة في العالم لا يوجد بها قانون يضبط النظام العام بطريقة معينة.

بعض الإسلاميين يرون أنه مجرد المراجعة للقانون تضرب المشروع الحضاري في مقتل، لأنَّ الدولة لم تعد حارسة للقيم ولم يعد هنالك عمل دعوي أو تزكوي؟

- هذا غير صحيح، وهذه بعض الأشياء التي كان يقولها البعض لإخواننا المسؤولين، حيث كانوا يشيرون إلى أنه لو تمت مراجعة القانون فستُضرب قيم المجتمع وأخلاقه، لكن  هذا غير صحيح.

التعليقات