رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/24

  • 2019/01/24 الساعة PM 12:04
وزير الخارجية د. الدرديري محمد أحمد في أول حوار لـ (الرأي العام):

 

عدم الدخول في المحاور قد يفوّت علينا فرصاً لتحقيق مكاسب على المدى القصير

اتأثير الايجابي في الملفات الأفريقية هو مدخلنا لتعزيز العلاقات مع الدول الكبرى

 إذا اردنا باريس علينا أن نيمم تلقاء بانقي

نريد أن يكون السودان رمانة للاستقرار في المنطقة وألا يكون حل نزاع الجنوب (بيضة ديك)

استضافة السودان لمفاوضات أفريقيا الوسطى تؤكد دوره على لعب دور أفريقي

لمبادرات الخارجية مهمة لكي يُنظر للسودان بعين الاعتبار في الساحة الدولية

عدم الانجرار للمحاور أحد ثوابتنا لكن الالتزام به مائة بالمائة لايتأتى دفعة واحدة

العلاقات الاستراتيجية فيها ندية ومعيارها تشابك المصالح وليس المنح والعطاء

الإقبال على افريقيا تهمة لا أنفيها، ونعمل لتقديم السودان للعالم من خلال ترسيخ أقدامه في افريقي

حاوره: فتح الرحمن شبارقة

عندما تحدثت مع الدكتور الدرديري محمد أحمد وزير الخارجية في الأيام الماضية، كان قادماً للتو من زيارة لأفريقيا الوسطى التي استقبلته فيها الجماهير بهتافات الترحيب "كارتوم ... كارتوم... كارتوم"  مثمنة دور السودان المرتقب في نزع فتيل الأزمة الدموية هناك.. قلت لوزير الخارجية   في هذا الحوار المقتضب.. لماذا (التورط) باستضافة ملف فرقاء أفريقيا الوسطى الذي تتجاذبه دول كبرى.. ألم يكن من الأوفق ربما الاكتفاء بنجاح الوساطة السودانية في ملف الجنوب؟.. أي ثمن يمكن أن يقبضه السودان من استضافته لمفاوضات الفرقاء ببانقي في ظل عدم وجود مصالح حقيقية بين البلدين كما كان عليه الحال في جنوب السودان؟.. ألم يكن من الأوفق ربما تركيز الجهود لحل أزمات الداخل الاقتصادية بدلاً من تشتيتها بتقديم المبادرات الخارجية من الجنوب إلى سوريا وأخيراً أفريقيا الوسطى؟.. وبين يدي الأزمة كان المهم كذلك سؤال السيد الوزير عن احجام الدول الصديقة عن مد يد العون للسودان وما إذا كان ذلك يعتبر دليلاً على فشل السياسة الخارجية؟

تلك التساؤلات، هي كل ما سمح به وقت وزير الخارجية الذي لم يسلك أي منعرجات لغوية للهرب من صيغة الأسئلة، فقدم اجابات اتسمت بقدر فوق المعدل من الصراحة والوضوح كما سنرى:

لماذا بادرت الحكومة، أو بالأحرى، تورطت في التوسط لحل النزاع بأفريقيا الوسطى بعد طي ملف الصراع في جنوب السودان؟

-  رغم أهمية سلام جنوب السودان فانه لا يمكن ان يكون مشوارنا الوحيد مع حل أزمات افريقيا وفض نزاعاتها. وإلا لكان مشوارا قصيرا وقصيرا جدا. فنحن بحاجة لاستدامة وتعزيز انفتاحنا الأفريقي تواصلا مع محيطنا الحيوي وكسبا لثقة اشقائنا الأفارقة ومخاطبة لانشغالاتهم. فلا ينبغي ان يكون سلام الجنوب انجازا يتيما (بيضة ديك). نريد أن يكون السودان هو رمانة الاستقرار في المنطقة. لهذا لزم أن تأتي افريقيا الوسطى بعد الجنوب. فهذا مما يعزز   موقفنا كدولة ويضاعف   قدراتنا ويؤهلنا لأدوار أكبر و أهم مستقبلا.

*ألا ترى أنه في ظل وجود لاعبين كبار يتجاذبون ملف أفريقيا الوسطى من العسير جداً تحقيق اختراق في هذا الملف؟*

- في السياسة الخارجية (مافي حاجة ساهلة) وللحصول على أي شيء ذي قيمة أو ثمن لابد من المدافعة وبذل الجهد، فإنما تؤخذ الدنيا غِلابا. اما اللاعبون الكبار فهناك دوما مداخل لهم وهناك سبل تتخذها كي يُخلّوا بينك وبين الناس. 

على ذكر الثمن.. أي ثمن يمكن أن نقبضه من استضافة السودان لمفاوضات الفرقاء في أفريقيا الوسطى، رغم عدم وجود فائدة مباشرة كما كان الوضع في الجنوب؟

- اولا، ينبغي ان نتذكر انه لا توجد دولة تجمعنا بها علاقة تماثل علاقتنا بجنوب السودان. ومن ثم فإذا اشترطنا للمبادرة وتقدم الصفوف توليا لوساطة جديدة ان يتعلق الأمر بحالة شبيهة بحالة جنوب السودان فاننا سننتظر طويلا. ثانيا، نصيب منافع كثيرة من تحقيق المصالحة في افريقيا الوسطى.

مثل ماذا؟

- اولا، ما يحدث في افريقيا الوسطى من انفلات واستشراء للفوضى يؤثر كثيرا على أمننا واستقرارنا. فنحن نتقاسم مع افريقيا الوسطى شريطا حدوديا يبلغ طوله ٤٤٠ كيلو مترا في منطقة وعرة نائية نتشارك فيها معها نحو عشر قبائل يستشري بين أفرادها ازدواج الانتماء. توازي هذه الحدود بأكملها اقليم دارفور. ومن ثم تُصَدِّر افريقيا الوسطى لهذا الإقليم الهش الكثير مما لانرغب فيه. فهي اليوم المصدر الرئيس للأسلحة الصغيرة والكبيرة الواردة إليه. وهي التي تحفز بسبب غياب القانون فيها الاتجار بالمخدرات (الحشيش) ضمن حدودنا. كذلك صارت ملاذاً آمناً للحركات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة التي تستهدفنا. بل يؤثر ما يجري فيها على أجندتنا الوطنية للسلام والأمن. فإذا اردنا ان يكتمل انسحاب بعثة اليوناميد من دارفور  عام ٢٠٢٠ وفقا لما اقره مجلس الأمن فانه لابد من ان نتأكد من استقرار افريقيا الوسطى. ثانيا، من حقنا المشروع ان نمارس دورنا الإقليمي كاملا وبالكيفية التي تناسب. فما دمنا نعيش في اقليم تنتاشه الحروب الأهلية وتمزقه الصراعات لابد من ان نجعل من فض النزاعات وصنع السلام واستدامته مهنة لنا. ثالثا، من خلال دورنا المرتقب في أفريقيا الوسطى يمكن أن ننفذ للتواصل مع دول مهمة في الساحة الدولية .... (خد عندك فرنسا). زرت فرنسا قبل نحو شهرين، فكانت أول زيارة رسمية لوزير خارجية سوداني لباريس منذ أمد. وبالطبع لم يحدث ان زار الخرطوم وزير خارجية فرنسي. عندما تتذكر ان فرنسا عضو دائم بمجلس الأمن ... وأننا على مرمى حجر من نطاقها الأفريقي الممتد غربا حتى المحيط والذي كان يسمى يوما "السودان"... وعندما تتذكر أنها تمسك بمفاتح مهمة في الاتحاد الاوروبي، وأنها موئل عبد الواحد محمد نور والعنوان الرسمي الذي يدير منه حربه في جبل مرة ... عندما تتذكر ذلك كله تستغرب جدا كيف ندخر وسعاً في التواصل مع دولة مثل فرنسا. والتواصل لايتم بالأماني السندسية او بمجرد حزم الحقائب والسفر الى العواصم. فإذا لم يكن معك ما يهم هذه العواصم فالأغلب ان زيارتك لها تندرج في خانة السياحة. لذا فانه إذا اردنا باريس علينا ان نيمم تلقاء بانقي.  

*لكن، ألا ترى السيد الوزير أنه ينبغي تركيز الجهود لحل أزمات الداخل الاقتصادية وغيرها بدلاً عن تقديم المبادرات الخارجية من الجنوب إلى سوريا وأخيراً أفريقيا الوسطى؟*

- لعلني بينت فيما مضى من قول كيف ان لاستقرار افريقيا الوسطى اثره على حل بعض ازماتنا ... وتحديدا أزمة دارفور. لكن قبل ذلك لابد ان نتذكر أن (الدولة دولة).  فلا توجد دولة تتحرك كلها في اتجاه واحد. فمثلما ان السيد رئيس الجمهورية مسؤول عن تأمين الحلول للمشاكل الداخلية، فإنه منوط به أن ينتزع للسودان دوره في معالجة المشاكل الإقليمية. فلاينبغي أن يبت في شئون الإقليم الذي نعيش فيه إلا في حضورنا بل وبمشاركتنا الفاعلة. و بقدر إسهام رئيس الجمهورية في حل مشاكل الإقليم واطلاق المبادرات سواء أكان ذلك في سوريا أو أفريقيا الوسطى، مما ليس له عائد مباشر في معالجة صفوف الجازولين، يقدر الآخرون السودان وينظرون له بعين الاعتبار ويحرصون على استقراره ورفاهه. ورغم ان "النفس مولعة بحب العاجل"، على رأي جرير الخطفي، فانه لابد لدبلوماسيتنا من ان ترنو للغد فلا تكرس جهدها كله لمعالجة هموم اليوم. اما كيف يجوز لنا ان نتحرك لحل مشاكل الآخرين قبل ان نحل مشاكلنا، فأقول انه ليست هناك دولة في عالمنا كله قد فرغت من حل مشاكلها الداخلية. فدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مازالت تعاني من مشاكل عديدة لن تحل قريبا. وليس ادل على ذلك مما يزحم شاشات التلفزيون من أخبارها هذه الأيام.عندالنظر إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد واحجام الدولة الصديقة عن مد يد العون للسودان، ألا ترى أن ذلك يصلح كديل على فشل السياسة الخارجية؟

- عدم الانجرار للمحاور هو أحد ثوابتنا في السياسة الخارجية كونه من مقررات الحوار الوطني ... وكون ان ذلك من مقررات الحوار يعني انه من المسلمات التي تجمع عليها غالبية القوى السياسية السودانية. لكن الالتزام بهذا الهدف ذي كلفة عالية على دولة مثل السودان تمارس عليها يوميا ضغوط لاستقطابها وجرها لهذا المحور او ذاك. ومن ثم تفوّت علينا هذه السياسة احيانا فرصا لمكاسب على المدى القصير. لكنها تنفعنا بل تنفعنا جدا على المدى الطويل. هذا فضلا عن أن الأخذ بها من مظاهر الاستقلال وممارسة السيادة الوطنية. فاذا تخلت دولة عن ذلك وأبدلت العاجلة بالآجلة تحولت الى دولة تابعة  satellite state   ورهنت قرارها واستقلالها السياسي. والعالم مليئ بشواهد هذا الانموذج الذي  نأباه ولا نريد ان نحتذيه. رغم ذلك فإننا لا ندعي اننا حققنا الالتزام الكامل بهذا الهدف. فالسير لتحقيقه سير سرمدي. فقد لانكون اليوم قادرين على الالتزام به بنسبة مائة بالمائة لكننا لابد من ان نجتهد وراء ذلك. وبالرغم من ان لهذه السياسة ثمنها، فلها ايضا فوائدها. فحين يعرف عنك الجميع التزام الحياد وعدم الانجرار للمحاور يقبلون منك ذلك كونه (طبع فيك) وليس موقفا عارضا يُفسَّر انحيازا لاحد أو وقوفا ضد أحد. ومن ثم يقل الثمن الذي تدفعه تدريجياً. بل تكتسب يوما بعد يوم القدرة على التواصل مع الأضداد والسعي بينهم بالحسنى. وذلك أمر اقرب لمزاج الشخصية السودانية وأشبه بموقع السودان الجيوبوليتيكي الكائن في مفرق بين تقاطعات كثيرة و(المتوهط) في بؤر من الأزمات والصراعات. لكن التوازن في السياسة لايعني اللامبالاة او تجاهل معاناة الناس. فعدم انجرارنا للمحاور لايعني ألا نسعى لطلب العون والسند ممن هم له أهل حين يحزب الأمر.

هناك دول كنتم في الخارجية تصفون العلاقات معها بالاستراتيجية لكن تلك (الاستراتيجية) فشلت في اختبار الحاجة.. حاجة البلاد لدعمهم؟

- معيار  العلاقات الاستراتيجية ومحك اختبارها ليس القدرة على تقديم العون والمساعدة. فالكثير من الدول التي تجمعنا بها علاقات استراتيجية غير قادرة ابتداء على تقديم اي شكل من أشكال الدعم. المعيار هنا هو تجذر المصالح وتشابكها وتطابق الكثير منها. ومن ثم العلاقة الاستراتيجية دائماً (تكون فيها ندية). وأول ما تتحول الى علاقة املاء من جانب واحد تضحى علاقة تابع بمتبوع. وممكن الدول التي تذعن لها تقدم لك مساعدة لكن مجرد تقديم المساعدة لايجعل علاقتك بها علاقة استراتيجية. انت تغش نفسك إذا وصفت علاقتك معها بأنها علاقة استراتيجية لمجرد انها أعطتك في الأزمات.

عفواً السيد الوزير.. كأنك تريد أن تقول إنه ليس لدينا علاقات استراتيجية مع بعض الدول؟

- أقول العكس. لدينا علاقات استراتيجية مع دول عديدة في المنطقة نجهد ان تقوم على أساس الندية واحترام استقلالنا وخياراتنا. نتعهد هذه العلاقات بأسباب التطور والنماء ونحرص على ان تتصف بصفات كثيرة منها التناصر عند الشدائد. لكن حتى لو تخلفت هذه الصفة يوما فلم تهب بعض الدول القادرة على نجدتنا لسبب او آخر فإن ذلك لا ينفي صفة الاستراتيجية عن علاقتنا بها. فذلك ليس هو المعيار كما اسلفت. 

السيد الوزير.. أنت متهم بالانكفاء على أفريقيا بدءاً بجنوب السودان وانتهاء بأفريقيا الوسطى. في المقابل أهملت العلاقات مع دول مهمة مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة؟

- الإقبال على افريقيا تهمة لا أنفيها .... وذلك في الواقع ليس سياسة خاصة بالدرديري وإنما هو توجه الدولة التي احتفلت هذا العام بذكرى الاستقلال تحت شعار  "أنا أفريقي أنا سوداني". غير انني أنفي تهمة إهمال العلاقات الاخرى. ودعني أعيد تعريف ما سميته انت  بالانكفاء. فانا عاكف على افريقيا لأسباب كثيرة يجيئ على رأسها السعي لفك عزلتنا الخارجية. التطور الايجابي الذي ننشده في علاقتنا مع الدول التي ذكرت لايتأتى إلا بمقدار ما نصيب من تأثير في الملفات الأفريقية. أوضحت فيما سلف ما نرجوه من أثر لملف أفريقيا الوسطى على علاقتنا بفرنسا التي لديها اهتمام كبير بهذا الملف. وشهدنا من قبل كيف كان ملف جنوب السودان مفتاحنا لدخول المرحلة الثانية في الحوار مع امريكا واستهلال الحوار مع الاتحاد الاوروبي وتنشيط التواصل مع بريطانيا. بل ان سعادة روسيا والصين بتطبيع العلاقات بين السودان وجنوب السودان قد دفعتهما للدخول معنا في تشاور لتطوير القطاع النفطي المشترك بين البلدين. ومن ثم فهي محاولة لتقديم السودان للعالم من خلال ترسيخ أقدامه في افريقيا. وفي ذلك لست بمبتدع، بل اعمل مع الآخرين لإنفاذ برنامج الدولة وخطتها المقررة.

التعليقات