رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/04/21

 

هناك فرق 

"ليس ثَمة تأويل نهائي للحقيقة، فالحقيقة سَيل من التأويلات" .. د. علي حرب ..!

بعد نحو ثمان سنوات – على اندلاع ثورات الربيع العربي – عاد حصاد الثورات ليتصدر المشهد السياسي في السودان، وفي الجزائر. لكن التاريخ الذي يعيد نفسه اليوم - ببعض التصرف – يستوجب أن نقف أمام المآلات وأن نستشرف النتائج عطفاً على ما كان، وأملاً في أن يكرمنا نهر الزمن - الذي يجري في ذات التضاريس الفاصلة - ببعض "التفريعات" المستحدثة، التي تضمن لنسختنا السودانية تطويراً منهجياً لبعض المآلات، واجتناباً استراتيجياً لبعض الهنَّات والإشكالات، والعلل والمزالق – ولن أقول المهالك -  التي تعقب انتصار بعض الثورات ..!

صناعة المستقبل تبدأ بقراءة التاريخ، والسلوك البشري كله مختزل و"مؤيقن" بين فصول الروايات التاريخية الحبلى بالنبوءات السياسية، والمرجعيات النفسية، والشروحات العاطفية. فكل موقف إنساني - مهما خف وزنه بمكاييل الواقع المَعيش - خطير، وقاطع، وثمين، في موازين أدب التاريخ، وتاريخ الأدب، المستوحى بطبيعته من حكايات البشر الخطائين ..! 

بعض الذين حملوا مشاعل هذه الثورة استمدوا ثباتهم من قصص التاريخ، ومن حكايات الأدب العالمي الذي وصف اللحظات الأخيرة في حياة معظم الحكام وبعض الطغاة. لذلك تجد أن الذين شاهدوا نهاية الحكم المستبد على صفحات الكتب، لم يصابوا بدهشة تذكر لفرار بن علي، ولا سقوط  مبارك، لم يساورهم أدنى شك في مصير القذافي. ولم يغير قناعتهم بالنهايات الدرامية نهوض علي عبدالله صالح كالعنقاء من تحت الرماد، ثم لم تدهشهم نهايته المأساوية على أيدي من حالفهم يوماً. ولم يشُكُّوا يوماً في سقوط حكم البشير. ولن تبُدل تلك القناعات شراسة بشار الأسد في إخماد ثورة طال أمدها. فكلها روايات لمصالح سياسية مرسلة، وقصص واقعية حبلى بفصول الموت المعلن، ونهايات تاريخية مرصودة سلفاً بين سطور الأدب التي لا تغفل شيئاً ..!

لكن – وآه من تلك الأداة الاستدراكية التي تفيد استدراك المعنى السابق بمعنىً لاحقٍ، نقيضٍ له – لا بد لهذا الشعب من أن يستشرف واقعه الجديد وهو يحمل قائمةً بالأخطاء والتعبات السالبة التي أعقبت انتصار معظم الثورات. لا نريد لهذا السودان أن يشهد تخبط  النخب السياسية في اجتراح الحلول، وعجز بعضها وتعثر البعض الآخر، في أعقاب ثورات الربيع العربي ..!

التاريخ يقول إن القيادة لا تصنع التغيير الحقيقي إلا بدعم الجماهير، وهو يقول أيضاً إن النخبة هي الطرف الوسيط بين القادة والجماهير. وكل الخشية على مصير القيادة والجماهير معاً من أوهام النخبة . وما أداراك ما اوهام النخبة التي أفرد لها د."علي حرب" مؤلفاً كاملاً بعنوان "أوهام النخبة .. أو نقد المثقف"، قال فيه "إن خروج الشعوب من مآزقها السياسية وخلافاتها الداخلية لا يتحقق إلا من خلال استراتيجية العقل التداولي والاعتراف المتبادل بالخطأ، واتقان لغة التسوية، ونضج عقلية الشراكة السياسية، وتعدد الرؤى والأبعاد" ..!

الإنسان ليس رقماً ثابتاً في معادلة التغيير، إلا إن هو أبى. فعلينا إذاً أن نجتنب الوقوع في ذات الأخطاء. علينا أن نحذر التقليد. وعلى ضمير النخبة السياسية في هذا السودان أن يجتهد في إتقان لغة الأخلاق في مضمار المنافسة الحزبية والتسويات السياسية، وإلا ..!

[email protected]

التعليقات