رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/11/20

انتصار الهوية

في الستينيات، ظهرت حركات اجتماعية جديدة قوية في الديمقراطيات الليبرالية المتطورة في العالم. طالب نشطاء الحقوق المدنية في الولايات المتحدة بأن تحقق البلاد وعد المساواة الذي جاء في إعلان الاستقلال ثم في دستور الولايات المتحدة الذي كُتب بعد الحرب الأهلية. وسرعان ما تبع ذلك الحركة النسوية، التي سعت بالمثل إلى معاملة متساوية للنساء، وهي قضية يحفزها التدفق الهائل للنساء إلى سوق العمل. بالتوازي مع ذلك حدثت ثورة اجتماعية من نوع آخر أدّت إلى تحطيم الأعراف التقليدية فيما يتعلق بالجنس والأسرة، ثم أتت الحركة البيئية ساعية إلى إعادة تشكيل النظرة العامة تجاه الطبيعة. ثم شهدت السنوات اللاحقة تحركات جديدة تركّز على حقوق المعاقين والأميركيين الأصليين والمهاجرين والمثليين من الرجال والنساء ثم الأشخاص المتحولين جنسيا أخيرا. ولكن حتى عندما تغيرت القوانين لتمنح المزيد من الفرص والحماية القانونية للمهمشين، استمرت المجموعات في التمايز عن بعضها البعض في سلوكها وأدائها وثروتها وتقاليدها وعاداتها، وبقي التحيز والتعصب شائعا بين الأفراد، واستمرّت الأقليات بالمعاناة من التمييز والإجحاف وعدم الاحترام وعدم الاعتراف.

 

هنا، فرض على كل مجموعة مهمشة الخيار التالي: إما أن تطالب المجتمع بمعاملة أعضائها بالطريقة نفسها التي يعامل بها أعضاء الجماعات المهيمنة، وإما أن تتمكن من التأكيد على هوية منفصلة لأعضائها وتطالب باحترامها على أساس أنهم مختلفون عن المجتمع المهيمن. بمرور الوقت، بدا أن الإستراتيجية الثانية كانت هي الجواب. مثلا، في البداية، طالبت حركة الحقوق المدنية المبكرة تحت قيادة مارتن لوثر كنغ المجتمع الأميركي بمعاملة السود بالطريقة نفسها التي يعامل بها البيض. لكن مع نهاية ستينيات القرن العشرين، ظهرت جماعات مثل "الفهود السود" و"أمة الإسلام"، التي كانت تقول بأن السود لديهم تقاليدهم ووعيهم الخاصّان بهم ومن وجهة نظرهم، كان على السود أن يفخروا بأنفسهم كما هم وأن لا يهتموا بما يريده المجتمع الأوسع لهم. حتى إنهم قالوا إن الوعي الداخلي الأصلي للأميركيين السود لم يكن مطابقا لوعي الأشخاص البيض، بل إنه قد تم تشكيله من خلال تجربة السود في الحياة في مجتمع معادٍ لهم يهيمن عليه البيض. هذه التجربة كانت غالبا مليئة بالعنف والعنصرية والاحتقار ضدهم، ولم يكن من الممكن للأشخاص الذين نشأوا في ظروف مختلفة أن يقدّروا معنى ذلك، دائما برأيهم.

 

تبنّت حركة "حياة السود مهمة" بعضا من هذه الأفكار. بدأت هذه الحركة بمطالب إحقاق العدالة لضحايا عنف الشرطة من الأفراد، ولكنها سرعان ما توسعت لتوعية الناس بطبيعة الحياة اليومية للأميركيين السود. وقد ربط كتّاب مثل تا ناهسي كوتس عنف الشرطة المعاصر ضد الأميركيين الأفارقة بتاريخ العبودية الطويل وسحل السود. في نظر كوتس وغيره، يشكل هذا التاريخ جزءا من سوء الفهم التاريخي الذي لا يمكن تجاوزه بين السود والبيض.

 

لقد حدث تطور مماثل داخل الحركة النسوية. إذ تركزت في البدء مطالب الحركة النسوية السائدة على الحصول على معاملة مساوية للرجال في العمل والتعليم والمحاكم وما إلى ذلك. لكن منذ البداية، اقترحت فئة مهمة من المفكرات النسويات أن الوعي والتجارب اليومية للمرأة هي مختلفة جوهريا عن تلك الخاصة بالرجال، وأن هدف الحركة لا ينبغي أن يكون مجرد تسهيل تحوّل تصرف المرأة وتفكيرها ليكون مثيلا لما هو لدى الرجال.

 

بعدها، سرعان ما أدركت حركات أخرى أهمية التجربة المعاشة في سرديات نضالهم. بدأت المجموعات المهمشة بالمطالبة ليس فقط بأن تعاملها القوانين والمؤسسات على أنها متساوية مع الجماعات المسيطرة، بل كذلك أن يقوم المجتمع الأوسع بالاعتراف وحتى الاحتفاء بالفوارق الجوهرية التي تميزها عنه. وأصبح مصطلح "تعدد الثقافات" -الذي كان يشير أصلا إلى التنوع في المجتمع- شعارا لبرنامج سياسي يعطي قيمة لكل ثقافة منفصلة وكل تجربة معاشة، في بعض الأحيان من خلال جذب الاهتمام نحو المجموعات التي كانت غير مرئية أو تم التقليل من شأنها في الماضي. في البداية، ركّز هذا المسعى على المجموعات الثقافية الكبيرة، مثل الكنديين الناطقين بالفرنسية، أو المهاجرين المسلمين، أو الأميركيين الأفارقة. ولكن سرعان ما تحوّل إلى رؤية ترى المجتمع على أنه مقسّم إلى العديد من المجموعات الصغيرة ذات التجارب المتميزة، وكذلك المجموعات التي يحددها تقاطع الأشكال المختلفة من التمييز، مثل النساء الملونات، اللاتي لا يمكن فهم تجارب حياتهن من خلال زاوية العرق أو الجنس كل على حدة.

 

بدأ اليسار في اعتناق التعددية الثقافية في بداية حقبة كان قد أصبح فيها من الصعب صياغة سياسات من شأنها إحداث تغيير اجتماعي اقتصادي واسع النطاق، إذ إنه بحلول الثمانينيات، كانت المجموعات التقدمية في جميع أنحاء العالم المتقدم تواجه أزمة وجودية. لنفهم ذلك نحتاج إلى بعض الخلفية التاريخية. أوّلا، في النصف الأول من القرن العشرين، كان اليسار الجذري يعرّف نفسه من خلال القيم الماركسية الثورية والمساواة الجذرية. أما اليسار الاشتراكي الديمقراطي، فكان لديه أجندة مختلفة: حيث قَبِلَ الديمقراطية الليبرالية ولكنه سعى لتوسيع دولة الرفاه لتشمل المزيد من الناس بالمزيد من الحماية الاجتماعية. المشترك بين الماركسيين والاشتراكيين الديمقراطيين هو أنهم كانوا يأملون في زيادة المساواة الاجتماعية الاقتصادية من خلال استخدام سلطة الدولة، لتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الاجتماعية لجميع المواطنين وإعادة توزيع الثروة بينهم.

 

لكن مع اقتراب نهاية القرن العشرين، أصبحت الحدود القصوى لما يمكن لهذه الإستراتيجية تحقيقه واضحة. كان على الماركسيين مواجهة حقيقة أن الأنظمة الشيوعية في الصين والاتحاد السوفيتي قد تحولت إلى دكتاتوريات قمعية. في الوقت نفسه، أصبحت الطبقة العاملة في معظم الديمقراطيات الصناعية أكثر ثراء وبدأت في الاندماج مع الطبقة الوسطى. هكذا، سقط وعد الثورة الشيوعية وإلغاء الملكية الخاصة من على جدول أعمال الاشتراكيين. كما وصل اليسار الديمقراطي الاشتراكي إلى طريق مسدود عندما اصطدم هدفه المتمثل في دولة رفاهية دائمة التوسع مع واقع القيود المالية خلال فترة السبعينيات المضطربة. ردّت الحكومات عن طريق طباعة النقود، مما أدى إلى التضخم وسلسلة من الأزمات المالية. وانتهت برامج إعادة توزيع الثروة إلى إنتاج حوافز ضارة لا تشجع على العمل والادخار وريادة الأعمال، مما أدّى بدوره إلى تقلص حجم الاقتصاد الكلي. هذا بالتزامن مع بقاء انعدام المساواة راسخا بعمق، على الرغم من الجهود الطموحة لاستئصاله، مثل مبادرات المجتمع العظيم للرئيس الأميركي ليندون جونسون. ثم مع تحول الصين نحو اقتصاد السوق بعد عام ١٩٧٨ وانهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، انهار اليسار الماركسي إلى حد كبير، فيما أُجبر الديمقراطيون الاشتراكيون على التصالح مع الرأسمالية.

 

تقلصت طموحات اليسار في تحقيق الإصلاح الاجتماعي-الاقتصادي الواسع النطاق مع احتضانه سياسات الهوية والتعددية الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وفي حين أن تماهي اليسار مع شغفه بقضية المساواة -أي مع "الثيموس الناقص"- قد استمر، فإن جدول أعماله تحول من التركيز السابق على الطبقة العاملة إلى التركيز على مطالب دائرة متزايدة الاتساع من الأقليات المهمشة. بدأ العديد من الناشطين برؤية الطبقة العاملة القديمة ونقاباتها على أنها طبقة ذات امتيازات ليس لديها الكثير من التعاطف مع قضايا المهاجرين والأقليات العرقية، فسعوا إلى تعزيز حقوق المجموعات المهمشة بدلا من تحسين الظروف الاقتصادية للأفراد. وعبر قيامهم بذلك، ترك هؤلاء الناشطون الطبقة العاملة القديمة وراءهم.

 

من اليسار إلى اليمين

 

كان تبني اليسار لسياسات الهوية مفهوما وضروريا. فالتَّجارب المعاشة للمجموعات الهوياتية المميزة تختلف وغالبا ما تحتاج إلى المعالجة بطرق خاصة بتلك المجموعات. غالبا ما يفشل أولئك الواقعون خارج المجموعات المضطهدة في إدراك الضرر الذي تسببه أفعالهم، كما أدرك العديد من الرجال في أعقاب الكشف عن حركة #MeToo (أنا أيضا) بشأن التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي. إذن تهدف سياسات الهوية إلى تغيير الثقافة والسلوك بطرق لها فوائد حقيقية بالنسبة لكثير من الناس.

 

 وسّعت حركة #MeToo من مستوى الوعي الشعبي بالاعتداء الجنسي، وفتحت نقاشا مهما حول عدم ملاءمة القانون الجنائي الحالي للتعامل مع هذه القضية.

 

رويترز

 

فمن خلال تسليط الضوء على التجارب المحدّدة لانعدام المساواة والظلم، أحدثت سياسات الهوية تغييرات إيجابية وملموسة في الأعراف الثقافية والسياسات العامة ساعدت الكثير من الناس. مثلا، جعلت حركة "حياة السود مهمة" مراكز الشرطة في جميع أنحاء الولايات المتحدة أكثر وعيا بالطريقة التي تعامل بها الأقليات، على الرغم من أن انتهاكات الشرطة لم تتوقف. هذا فيما وسّعت حركة #MeToo من مستوى الوعي الشعبي بالاعتداء الجنسي، وفتحت نقاشا مهما حول عدم ملاءمة القانون الجنائي الحالي للتعامل مع هذه القضية. وقد تكون أهم نتيجة لنشاط هذه الحركة ​​هو التغيير الذي حدث بالفعل في الطريقة التي يتفاعل بها الرجال والنساء مع بعضهم البعض في أماكن العمل.

 

 

لذا ليست هناك أي شائبة في مثل هذا النوع من سياسات الهوية، بل هي استجابة طبيعية ومحتَّمة للظلم. لكن اتجاه سياسات الهوية للتركيز على القضايا الثقافية حول الموارد والاهتمام بعيدا عن التفكير الجاد من جانب التقدميين حول كيفية عكس الاتجاه الذي ساد في الثلاثين عاما الماضية في معظم الديمقراطيات الليبرالية نحو مزيد من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. فالجدل حول القضايا الثقافية يظل أسهل من تغيير السياسات، كما أنه من الأسهل إدراج مؤلّفات الكاتبات النساء ومن الأقليات في المناهج الجامعية مثلا، من زيادة المداخيل وتوسيع الفرص المتاحة للنساء والأقليات خارج الأبراج العاجية للعالم الأكاديمي. في الحقيقة، إن العديد من القواعد الشعبية التي كانت محور الحملات الأخيرة المدفوعة بسياسات الهوية، مثل المديرات التنفيذيات الإناث في وادي السيليكون ونجمات هوليوود الإناث، هم في قمّة الهرم من حيث توزيع الدخل. أي إنه في حين أن مساعدتهم على تحقيق قدر أكبر من المساواة هو أمر جيد، فإنه لن يفعل شيئا يذكر لمعالجة التفاوتات الصارخة بين الواحد في المئة من أثرى الأثرياء وعامة الشعب.

 

إن سياسات الهوية اليسارية اليوم تحول الانتباه أيضا بعيدا عن مجموعات كبيرة أخرى مهمشة أو يتم تجاهل مشكلاتها الخطيرة. مثلا، حتى وقت قريب، لم يكن لدى الناشطين في اليسار أي شيء ليقولوه عن أزمة الإدمان على المسكنات الأفيونية المتعاظمة، أو مصير الأطفال الذين ينشأون في أسر فقيرة ذات عائل وحيد في المناطق الريفية في الولايات المتحدة. ولم يطرح الديمقراطيون أي إستراتيجيات طموحة للتعامل مع الخسائر الهائلة المحتملة في الوظائف التي تصاحب تقدم الأتمتة أو التفاوت في الدخل الذي تجلبه التكنولوجيا لكل الأميركيين.

 

علاوة على ذلك، تشكل سياسات الهوية اليسارية تهديدا لحرية التعبير والخطاب العقلاني اللازم للحفاظ على الديمقراطية. فالديمقراطيات الليبرالية تلتزم بحماية الحق في قول أي شيء في ميدان الأفكار، خاصة في المجال السياسي. لكن الانشغال بالهوية يتصادم مع الحاجة إلى خطاب مدني حرّ. إذ إن التركيز على التجربة المعاشة من قبل مجموعات الهوية يعطي الأولوية للوعي العاطفي الداخلي على حساب المعاينة العقلانية للقضايا في العالم الحقيقي خارج الوجدان، ويعطي الأولوية للآراء على حساب أي عملية تفكير نقدية تجبر المرء على التخلي عن الآراء السابقة. بعبارة أخرى، غالبا ما يُنظر إلى أي قول مسيء لشعور شخص ما بقيمته الذاتية على أنه سبب لإسكات الشخص الذي أصدره أو تعييبه.

 

 ربما يكون أسوأ ما في سياسات الهوية كما تتم ممارستها اليوم من قبل اليسار هو أنها حفزت صعود سياسات الهوية لدى قوى اليمين

 

رويترز    

 

كما أن الاعتماد على سياسات الهوية له نقاط ضعف كبيرة كإستراتيجية سياسية. فالخلل الوظيفي الحالي للنظام السياسي في الولايات المتحدة وانحطاطه هما نتيجة للاستقطاب الحاد والمتزايد، الأمر الذي جعل من سياسة حافة الهاوية شيئا روتينيا في طريقة حكم البلاد. يمكن وضع معظم اللوم هنا على اليمين. وكما قال كل من العالمين السياسيين توماس مان ونورمان أورنستين، فإن الحزب الجمهوري تحوّل إلى جناحه اليميني المتطرف أكثر مما فعل الحزب الديمقراطي في الاتجاه المعاكس، لكن كلا الطرفين ابتعدا عن الوسط. وبالفعل، فمن النادر أن يمثلَّ الناشطون اليساريون الذين يركزون على قضايا الهوية الناخبين ككل. وفي الحقيقة، فإن مخاوفهم غالبا ما تنفر الناخبين العاديين.

 

ولكن ربما يكون أسوأ ما في سياسات الهوية كما تتم ممارستها اليوم من قبل اليسار هو أنها حفزت صعود سياسات الهوية لدى قوى اليمين. ويرجع هذا إلى حد ما إلى احتضان اليسار الصوابية السياسية، وهو معيار اجتماعي يحظر على الناس التعبير علانية عن معتقداتهم أو آرائهم دون خوف من التعيير الأخلاقي. توجد في كل مجتمع وجهات نظر معينة تتعارض مع أفكاره التأسيسية الشرعية، وبالتالي فهي من المحظورات في الخطاب العام. لكن اليوم، من الصعب مواكبة الاكتشاف المستمر للهويات الجديدة والمعايير المتغيرة لما يعتبر خطابا مقبولا. وفي مجتمع حساس بشكل كبير لكرامة الجماعات، تظهر محظورات جديدة كل يوم، والطرق في الكلام أو التعبير عن الذات المقبولة اليوم قد تصبح مسيئة غدا. اليوم، على سبيل المثال، قد يتم تفسير مجرد استخدام عبارة "هو" أو "هي" في سياقات معينة على أنها علامة على عدم الحساسية للأشخاص ثنائيي الجنس أو الأشخاص المتحولين جنسيا. لكن مثل هذه الألفاظ لا تهدد أي مبادئ ديمقراطية أساسية، بل كل ما تفعله هو أنها تتحدى كرامة مجموعة معينة من الناس وقد تشير إلى نقص في الوعي أو التعاطف مع نضالات تلك المجموعة في أسوأ الأحوال.

 

في الواقع، هناك فقط عدد صغير نسبيا من الكتاب والفنانين والطلاب والمثقفين على اليسار يتبنون الأشكال الأكثر تطرفا للصوابية السياسية. مع ذلك، فإن هذه الحالات المحدودة يتم التقاطها من قبل وسائل الإعلام المحافظة التي تستخدمها للتشهير باليسار ككل. قد يفسر هذا أحد الجوانب الغريبة للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية عام ٢٠١٦، ألا وهي شعبية ترامب بين مجموعة أساسية من المؤيدين على الرغم من أن سلوكه لو حدث في أي حقبة أخرى كان سيُحكم عليه بالفشل. فخلال الحملة، سخر ترامب من الإعاقات الجسدية لدى أحد الصحفيين، ووصف المكسيكيين بالمغتصبين والمجرمين، وتسرب تسجيل له يتفاخر فيه بأنه كان يلامس النساء بطرق غير مقبولة. إن تلك التصريحات لم تكن تجاوزات ضد الصوابية السياسية بل تجاوزات ضد الحياء العام، والكثير من مؤيدي ترامب لم يوافقوا بالضرورة على هذه التعليقات أو غيرها من التعليقات الفاضحة التي أدلى بها ترامب. لكن في الوقت الذي يعتقد فيه العديد من الأميركيين أن الخطاب العام تتم مراقبته بشكل مفرط من قبل "شرطة الصوابية السياسية"، فإن مؤيدي ترامب يعجبهم أنه لا يمتثل للضغوط التي تطالبه بتجنب التفوه بالإساءات. وفي حقبة تهيمن عليها الصوابية السياسية، يمثل ترامب نوعا من الأصالة التي يعجب بها العديد من الأميركيين: قد يكون خبيثا ومتعصبا ولا يتصرّف كرئيس، لكنه على الأقل يقول تماما ما يفكر به!

 

ومع ذلك فإن صعود ترامب لم يعكس رفضا محافظا لسياسات الهوية، بل في الواقع إنه يعكس احتضان اليمين لسياسات الهوية. فالعديد من أفراد الطبقة العاملة البيضاء الذين يناصرون ترامب يشعرون بأنهم تعرضوا للتجاهل من قبل النخب، بينما يعتقد الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية، وهم العمود الفقري للحركات الشعبوية ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضا في العديد من البلدان الأوروبية، في كثير من الأحيان أن قيمهم مهددة من قبل النخب الحضرية المتنوعة والكوزموبوليتانية. وعلى الرغم من أنهم أعضاء في مجموعة عرقية مهيمنة، فإن العديد من أعضاء الطبقة العاملة البيضاء يرون أنفسهم ضحايا مهمشين. لقد مهدت هذه المشاعر الطريق لظهور سياسات الهوية بالنسخة اليمينية التي تتخذ، في أقصى حالاتها، شكل القومية البيضاء العنصرية الوقحة والصريحة.

 

ساهم ترامب بشكل مباشر في هذه العملية. تحول ترامب من رجل أعمال فائق الثراء ونجم لبرامج تلفزيون الواقع إلى شخصية سياسية بارزة بعد أن أصبح أشهر مروج لنظرية المؤامرة العنصرية "بيرثير" (المترجم: التي ادّعت أن الرئيس باراك أوباما زور شهادة ميلاده الأميركية) التي تُلقي بالشكوك على أهلية باراك أوباما كرئيس. عندما كان مجرد مرشح رئاسي، تملص ترامب من الإجابة عندما سُئل عن دعم زعيم جماعة كلوكس كلان العنصرية دافيد ديوك له، كما زعم أن قاضيا اتحاديا أميركيا يشرف على دعوى قضائية ضد جامعة ترامب كان يعامله "بشكل غير عادل" بسبب أصول القاضي المكسيكية. بعد مسيرة للعنصريين البيض تخللتها أعمال عنف في شارلوتسفيل، فيرجينيا، في أغسطس/آب ٢٠١٧، حيث قام عنصري أبيض بقتل أحد المتظاهرين المناهضين للمسيرة، قال ترامب إنه كان هناك "أناس طيبون للغاية على كلا الجانبين"! وقد أمضى ترامب الكثير من وقته في التهجم على الرياضيين والمشاهير السود، كما قام باستغلال مشاعر الغضب بعد إزالة التماثيل التي تكرم قادة الكونفدرالية المؤيدة لعبودية السود من حقبة الحرب الأهلية.

 

بفضل ترامب، انتقلت القومية البيضاء من الهامش إلى الحيز السائد. يشتكي أنصار هذا المعسكر أنه على الرغم من أنه من المقبول سياسيا الحديث عن حقوق السود، أو حقوق المرأة، أو حقوق المثليين، فإنه من غير الممكن الدفاع عن حقوق الأميركيين البيض دون أن يوصم الإنسان بالعنصرية. قد يجادل ممارسو سياسات الهوية على اليسار بأن مزاعم اليمين حول الهوية غير شرعية ولا يمكن وضعها على المستوى الأخلاقي نفسه للمطالب الخاصة بالأقليات والنساء والمجموعات المهمشة الأخرى، لأنها تعكس وجهة نظر مجتمع مهيمن تاريخيا. هذا صحيح بالتأكيد. إذ يبالغ المحافظون إلى حد كبير في ادعاء أن لدى الأقليات الكثير من المزايا، تماما كما يبالغون حول أثر الصوابية السياسية على حرية التعبير. إن الواقع بالنسبة للعديد من المجموعات المهمشة يظل على حاله: لا يزال الأميركيون من أصل أفريقي يتعرضون لعنف الشرطة؛ ولا تزال النساء يتعرضن للاعتداء والمضايقة.

 

لكن ما هو لافت كيف اعتمد اليمين لغة اليسار وتأطيره للأفكار ولكن بإسقاطها على فكرة أن البيض هم الضحايا، وأن وضعهم ومعاناتهم غير مرئية لبقية المجتمع، وأن الهياكل الاجتماعية والسياسية المسؤولة عن ذلك -خاصة وسائل الإعلام والمؤسسة السياسية- لا بد من تحطيمها. باختصار، فإن سياسات الهوية هي العدسة التي يتم من خلالها رؤية معظم القضايا الاجتماعية اليوم، عبر مختلف أجزاء الطيف الأيديولوجي.

التعليقات