رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/16

على كُلٍّ

 

ولأن القيادي بقوى الحرية والتغيير محمد ضياء الدين من عقلاء الساحة السياسية عندي، فقد استغربت ما رشح عنه من معلومات تتحدث عن اعتزام الإسلاميين القيام بانقلاب وتنفيذ اغتيالات أثناء عطلة عيد الأضحى المبارك.

استغربت الحديث لأنه يشيع قدراً من (البلبلة) في الساحة السياسية ويزرع ألغاماً لنسف استقرارها، في وقت نحتاج فيه للتهدئة خاصة وأن هذا التوقيت مهم لإكمال هياكل السلطة الانتقالية وقطف ثمار التغيير.

لا أدري على وجه التحديد الجهة التي وفرت مثل هذه المعلومات لمحمد ضياء الدين الشريك الجديد في السلطة بحكم انتمائه لمنظومة قوى الحرية والتغيير، هل هي معلومة اكتشفتها أجهزة حزبه أم تسريبات وجدها من خلال قربه وعلاقته الجديدة بأجهزة الدولة العسكرية والاستخباراتية، وهل مثل هذه الاتهامات والتوقعات توزع هكذا في الهواء الطلق بعيداً عن تخصص الأجهزة المنوط بها التعامل مع مثل هذه المعلومات إن صحت.

المنطق يقول إن قوى الحرية والتغيير ينبغي أن تكون الأحرص على تنقية أجواء الساحة السياسية وإشاعة الطمأنينة بين المواطنين عبر التحكم والسيطرة على المعلومات التي يمكن أن تشيع الخوف في أوساط الناس وإن كانت حقيقية.

حينما كانت تسريبات المجلس العسكري تتواتر عن إحباط محاولات انقلابية، كانت الاتهامات تمضي باتجاه التحليل القائل إن هذه الأخبار محاولة لتوفير حيثيات توفر ذرائع كافية للانقضاض على الإسلاميين.

 

ربما يتناسب هذا التحليل إن صدق مع فعل المجلس بخلفيته العسكرية والسياسية والأمنية، ولكن ما بالك بقوى مدنية يمثلها محمد ضياء الدين ينبغي أن تكون أحرص على أحداث التوافق والتعافي السياسي بعيداً عن استهداف أي من مكونات المشهد بمثل هذه المعلومات الخطيرة.

 

لا أعتقد أن الإسلاميين فاقوا حتى الآن من صدمة الإطاحة بالنظام، ولا أظنهم حزموا أمرهم بعد، على طريقة التعامل مع المرحلة القادمة، المهم كذلك أنهم باركوا أي مسعى لتحقيق الأمن والاستقرار، ورحبت قطاعات كبيرة من كوادرهم بالاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، المنطق كذلك يقول إنه لو أرادها الإسلاميون حمراء لحاولوا فض الاعتصام بالقوة قبل سقوط النظام، ولأداروا معركة كسر العظم بين مكوناتهم التنظيمية والعسكرية والأمنية قبل أن تقرر الانحياز للثورة والتغيير، ولدخلوا من أول يوم خندق مقاومة الوضع الجديد.

 

تظل محاولات جر الإسلاميين إلى مربع المواجهة عبر الاستفزاز وتوجيه الاتهامات أكبر مهددات المرحلة المقبلة، المطلوب إعانة هذا التيار على الاندغام في الواقع الجديد عبر خطاب لمحاصرة الإقصاء وتحقيق التراضي وعدم استدراجه للمواجهة مهما كانت الظروف.

 

كان الأجدر بمحمد ضياء الدين أن يسلم هذه المعلومات للجهات الأمنية والعسكرية التي يتقاسمها السلطة، بوصفه حاكماً ومسؤولاً عن أمن البلد، مثل هذه التسريبات تضاعف إحساس الإسلاميين بأن ثمة مخططاً يدار الآن لتطويقهم في دائرة الاتهامات قبل الانقضاض عليهم في ترتيب قادم، هذا الإحساس سيدفعهم للمقاومة ويجرهم إلى المنطقة الحمراء مثلما حذر الأخ والزميل الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد.

لا أعتقد أن من المناسب إثارة معارك مع الإسلاميين في غير معترك، الأولى تركهم في مربع تأمل تجربتهم وإعانتهم على التصدي للواقع الجديد بالوعي والتفهم الذي انتظم كل توقيعاتهم على الأحداث منذ سقوط حكومتهم في الحادي عشر من أبريل المنصرم.

لا أعتقد أن الإسلاميين بالغباء الذي يصور لهم إمكانية الانخراط في سيناريو دموي بعد فقدانهم السلطة، الراجح أنهم سيعملون على تقييم التجربة واستنباط وسائل تقربهم إلى الناس وتهيئتهم لدخول الانتخابات عقب الفترة الانتقالية، نعم مثلما كتب الحبيب بكري المدني: اتركوا الكيزان ما تركوكم.

التعليقات