رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/11/18

فرانسيس فوكوياما

مفكر وفيلسوف اقتصادي وسياسي أميركي

 مقدمة

 مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية النصفية في السادس من تشرين الثاني المقبل، تقوم ورقة الدُّكتور فرانسيس فوكوياما، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب نهاية التاريخ، باستشراف المشهد الأميركي وتقصّي أسباب توجه مزيد من الناخبين الأميركيين والأوروبيين، على حد سواء، للأحزاب اليمينية، وفي صورةٍ أكثر سخطًا، لدعم حركات اليمين البديل. تخلى اليسار عن الشرائح التي دافع عنها طويلًا، لم يعد معنيًا بحقوق العمّال أو العدالة الاقتصادية، واختار بديلًا عنها حقوق الفئات المهمشة من المثليين والأفارقة وغيرهم، ونجم عن هذا الاتجاه تحوُّل شرائح اجتماعية بأكملها، كانت لتمنح صوتها لليسار فيما مضى، لدعم الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، والأحزاب اليمينية في أوروبا الغربية، بالإضافة لاستشراء حركات وتيارات اليمين المتطرف في الجمهوريات الأوروبية التي انضمّت إلى مظلّة الغرب في التسعينيّات والارتداد عن الديمقراطية الليبرالية. لكن تأثيرات هذه الظاهرة امتدَّت إلى عمق الديمقراطية الليبرالية نفسها، لتنهشها من الدَّاخل؛ مؤذنةً بمستقبل مظلِم. هُنا، يتقصى فوكوياما جذور هذا النزوع وآثاره الحالية والمستقبلية على الغرب والعالم.

 

نص التقرير

 

منذ بضعة عقود، بدأ المشهد السياسي حول العالم يشهد تحولا دراماتيكيا. بين أوائل السبعينيات والعقد الأول من هذا القرن، ارتفع عدد الدول التي لديها أنظمة ديمقراطية انتخابية من نحو ٣٥ إلى أكثر من ١١٠ دولة. خلال الفترة نفسها، تضاعف الإنتاج العالمي للسلع والخدمات أربعة أضعاف، وتوسع النمو الاقتصادي ليشمل كل منطقة في العالم تقريبا. وانخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، من ٤٢% من سكان العالم في عام ١٩٩٣ إلى ١٨% في عام ٢٠٠٨.

 

لكن لم يستفد الجميع من هذه التحوّلات. في العديد من البلدان وخاصة في الديمقراطيات المتقدمة، ازداد التفاوت الاقتصادي وانعدام المساواة في توزيع الثروة بشكل كبير، حيث تدفقت فوائد النمو في المقام الأول إلى الأثرياء وطبقات المتعلمين. لكن النمو في حجم البضائع والأموال والأشخاص الذين ينتقلون من مكان إلى آخر أحدث تغييرات عميقة، ففي البلدان النامية، وجد القرويون الذين لم تكن لديهم كهرباء في السابق أنفسهم فجأة يعيشون في المدن الكبرى، يشاهدون التلفاز، ويتصلون بالإنترنت عبر هواتفهم المحمولة. ظهرت طبقات وسطى جديدة ونما حجمها بشكل كبير في الصين والهند، ولكن العمل الذي اكتسبوه حل محل العمل الذي كانت تقوم به الطبقات المتوسطة القديمة في العالم المتقدم. انتقل مركز ثقل التصنيع بشكل تدريجي من الولايات المتحدة وأوروبا إلى شرق آسيا ومناطق أخرى تكاليف العمالة فيها هي عادة منخفضة. وفي الوقت نفسه، كانت النساء تحل محل الرجال في سوق العمل الذي أصبحت تهيمن عليه قطاعات الخدمات بشكل متزايد، كما وجد العديد من العمال ذوي المهارات المنخفضة أنفسهم وقد حلّت مكانهم الآلات الذكية.

 

بشكل قد يكون لا مفر منه، أدّت هذه التغييرات إلى تباطؤ التحول الذي كان جاريا نحو نظام عالمي يتسم بالانفتاح والليبرالية، والذي بدأ يتعثر ثم يتراجع إلى الخلف. أتت الضربة القاضية مع الأزمة المالية العالمية في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨، وأزمة اليورو التي بدأت في عام ٢٠٠٩. وفي كلتا الحالتين، أدّت السياسات التي وضعتها النخب إلى ظهور فترات من الركود الكبير، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض المداخيل لملايين من العاملين. وبما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانا النموذجين الرائدين للنظام الديمقراطي الليبرالي، فقد أضرّت هذه الأزمات بسمعة ذلك النظام ككل.

 

في الواقع، في السنوات الأخيرة، انخفض عدد الديمقراطيات، وتراجعت الديمقراطية في جميع مناطق العالم تقريبا. في الوقت نفسه، أصبحت العديد من الدول الاستبدادية، بقيادة الصين وروسيا، أكثر قوّة بكثير. وانزلقت بعض الدول التي كانت قد بدت لوهلة أنها قد تصبح ديمقراطيات ليبرالية ناجحة خلال تسعينيات القرن الماضي -بما في ذلك المجر وبولندا وتايلاند وتركيا- إلى الوراء باتجاه منحى أكثر استبدادية. وفيما نجحت الثورات العربية في الفترة ما بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ في تقويض الأنظمة الديكتاتورية في جميع أنحاء الشرق الأوسط فإنها لم تسفر عن شيء يُذكر فيما يتعلق بالديمقراطية، بل تمسّكت الأنظمة الاستبدادية في أعقابها بالسلطة، مما أدى إلى نشوب عدد من الحروب الأهلية في العراق وليبيا وسوريا واليمن. لكن ما قد يكون أكثر إثارة للدهشة وربما أكثر أهمية هو نجاح التيارات القومية الشعوبية في الانتخابات التي أجريت عام ٢٠١٦ في اثنتين من أقوى الديمقراطيات الليبرالية في العالم: المملكة المتحدة، حيث صوّت الناخبون لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، حيث سجل دونالد ترامب مفاجأة انتخابية مذهلة عندما فاز بالسباق إلى البيت الأبيض.

 

بطريقة ما، ترتبط هذه التطورات بالتغيُّرات الاقتصادية والتكنولوجية التي جلبتها العولمة، لكن جذورها تمتد أيضا إلى ظاهرة مختلفة، وهي صعود سياسات الهوية. تاريخيا، كانت السياسة طوال القرن العشرين تهيمن عليها أساسا القضايا الاقتصادية. على اليسار، تركزت محاور السياسة على أوضاع العمال، والنقابات، وبرامج الرعاية الاجتماعية، وسياسات إعادة توزيع الثورة. وعلى اليمين، كان التركيز في المقام الأول على تقليص دور الحكومة وتعزيز القطاع الخاص. لكن السياسة اليوم هي أقل اهتماما بالقضايا الاقتصادية أو حتى الأيديولوجية مقارنة بمسائل الهوية. فاليوم، في العديد من الديمقراطيات، يركز اليسار بشكل أقل على خلق مساواة اقتصادية واسعة وبشكل أكبر على تعزيز مصالح مجموعة واسعة من الجماعات المهمشة، مثل الأقليات العرقية والمهاجرين واللاجئين والنساء والمثليين. في هذا الوقت، قام اليمين بإعادة تعريف مهمته الأساسية للتركيز على حماية الهوية الوطنية التقليدية، التي ترتبط في كثير من الأحيان صراحة بالعرق والدين.

 

 

لطالما تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "مأساة" انهيار الاتحاد السوفيتي، ولطالما هاجم الولايات المتحدة وأوروبا بسبب استغلالهم المزعوم ضعف روسيا خلال التسعينيات

رويترز    

 

لقد قوّضت هذه التطوّرات تقليدا طويلا يعود إلى زمن كارل ماركس على الأقل، عندما كان ينظر إلى الصراعات السياسية على أنها انعكاس للصراعات الاقتصادية. ولكن على الرغم من أهمية المصالح الذاتية المادية، فإن البشر مدفوعون بأشياء أخرى أيضا، أشياء قد تفسر ما يجري اليوم بشكل أفضل.

 

 

 

في جميع أنحاء العالم، قام القادة السياسيون بحشد أتباعهم بالزعم أن كرامتهم قد تعرضت للإهانة وأنه يجب عليهم استعادتها. وبالطبع، في الدول الاستبدادية، فمثل هذه المزاعم ليست جديدة على الإطلاق. فلطالما تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "مأساة" انهيار الاتحاد السوفيتي، ولطالما هاجم الولايات المتحدة وأوروبا بسبب استغلالهم المزعوم ضعف روسيا خلال التسعينيات من أجل توسيع عضوية حلف الناتو. هذا فيما يلمح الرئيس الصيني شي جين بينغ كثيرا إلى "قرن الإذلال" لبلده، وهي فترة من الهيمنة الأجنبية على الصين تعود إلى عام ١٨٣٩.

 

الجديد هو أن الاستياء من "الإساءات" قد أصبح قوة محرّكة قوية في الدول الديمقراطية أيضا. مثلا، نشأت حركة "حياة السود مهمة" بعد سلسلة من مصرع العديد من الأميركيين السود على أيدي أفراد الشرطة في حوادث حظيت بتغطية إعلامية واسعة، فأجبرت بقية العالم على الاهتمام بقضية وحشية الشرطة خاصة ضد الأميركيين من أصل أفريقي. كمثال آخر، في حرم الجامعات وفي أمكنة العمل في طول الولايات المتحدة وعرضها، وصل غضب النساء إلى ذروته ضد ما يبدو أنه وباء من التحرش والاعتداء الجنسي ضدهن، خلصن بعدها إلى أن أقرانهن من الذكور لا يرونهن على قدم المساواة معهم. كما أصبحت حقوق الأشخاص المتحولين جنسيا، الذين لم يكونوا يعتبرون من قبل أهدافا للتمييز، من القضايا البارزة في المشهد العام. أضف إلى ذلك شعور الكثيرين من أولئك الذين صوتوا لصالح ترامب بالحنين إلى وقت كانت فيه مكانتهم ضمن مجتمعهم مُصانة أكثر، كما يعتقدون.

 

هكذا، أصبحت الجماعات تعتقد أن هوياتها -سواء كانت قومية أو دينية أو عرقية أو جنسية أو جندرية أو غير ذلك- لا تحظى بالاعتراف الكافي. لم تعد سياسات الهوية ظاهرة ثانوية تظهر فقط في حرم الجامعات أو توفر خلفية للمناوشات الهامشية في إطار "الحروب الثقافية" التي تروج لها وسائل الإعلام، بل أصبحت سياسات الهوية مفهوما رئيسيا يشرح الكثير مما يجري في الشؤون العامة.

 

نتيجة لذلك، تواجه الديمقراطيات الليبرالية الحديثة تحديا وجوديا. لقد جلبت العولمة معها تغيرا اقتصاديا واجتماعيا سريعا وجعلت هذه المجتمعات أكثر تنوعا بكثير، مما حث الجماعات التي كانت فيما مضى غير مرئية لعموم المجتمع على البدء بالمطالبة بالاعتراف. وقد أدّت هذه المطالب إلى رد فعل عنيف بين المجموعات الأخرى، التي تشعر بأنها تفقد مكانتها وامتيازاتها من جرائها. ما يحدث هو أن المجتمعات الديمقراطية تتشرذم اليوم إلى شرائح تتمحور حول هويات أضيق، مما يقوّض من أفق التعاون والعمل الجماعي من قبل المجتمع ككل. هذا الطريق سوف يؤدي فقط إلى انهيار الدولة، وفي النهاية، الفشل. ما لم تتمكن هذه الديمقراطيات الليبرالية من العودة إلى مفهوم كوني للكرامة الإنسانية، فإنها ستحكم على نفسها -وعلى العالم- بالعيش في صراع مستمر.

 

الجزء الثالث من الروح

 

يفترض معظم الاقتصاديين أن البشر مدفوعون بالرغبة بالأشياء والسلع المادية. هذا المفهوم للسلوك البشري له جذور عميقة في الفكر السياسي الغربي ويشكل أساس معظم العلوم الاجتماعية المعاصرة. مع ذلك، فإنه يُسْقِط عاملا كان الفلاسفة الكلاسيكيون قد أدركوا أن له أهمية حاسمة، أي عامل "الكرامة". اعتقد سقراط أن التوق إلى الكرامة يُشكّل "جزءا ثالثا" لا يتجزأ من النفس البشرية، جنبا إلى جنب مع "الجزء الراغب" و"الجزء المحتسب". في كتابه "الجمهورية"، وصف أفلاطون هذا الجزء بـ "الثيموس"، وهذا مفهوم يُترجم بشكل ناقص إلى كلمة "روح".

 

في السياسة، يتم التعبير عن الثيموس في شكلين. الأول هو ما أسميه "الثيموس المفرط" وهو الرغبة في أن يتم الاعتراف بتفوق المرء المزعوم. كانت المجتمعات ما قبل الديمقراطية قائمة على التسلسل الهرمي، وكان إيمانهم بالتفوق المتأصل لطبقة معينة من الناس -النبلاء، والأرستقراطيين، والأسر المالكة- أمرا أساسيا لاستمرار النظام الاجتماعي. المشكلة مع "الثيموس المفرط" هي أنه في مقابل كل شخص يُعترف به كشخص متفوق، هناك عدد كبير من الناس سوف يُنظر إليهم على أنهم أقل شأنا ولا يتلقون اعترافا بقيمتهم كبشر. ينشأ شعور قوي بالاستياء عندما لا يشعر الشخص بأنه يتم احترامه كما يستحق. هذا الشعور القوي الذي أسميه "الثيموس الناقص" يجعل الناس يريدون بقوة أن يُنظر إليهم على أنهم أشخاص ذوو قيمة مثلهم مثل أي شخص آخر.

 

إن صعود الديمقراطية الحديثة هو قصة انتصار "الثيموس الناقص" على "الثيموس المفرط"، فقد تم استبدال المجتمعات التي تعترف فقط بحقوق عدد قليل من أفراد النخبة، بأخرى تعترف بأن الجميع متساوون بطبيعتهم. خلال القرن العشرين، بدأت المجتمعات المنقسمة طبقيا بالاعتراف بحقوق الناس العاديين، فيما سعت الدول التي وقعت تحت نير الاستعمار إلى الانعتاق والاستقلال. كانت النضالات العظيمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة حول العبودية والفصل العنصري، وحقوق العمال، ومساواة المرأة، مدفوعة بمطالب بأن يوسع النظام السياسي دائرة الأفراد الذين يعترف بهم كبشر ذوي حقوق كاملة.

 

ولكن في الديمقراطيات الليبرالية، لا تؤدي المساواة بموجب القانون إلى مساواة اقتصادية أو اجتماعية تلقائيا. لا يزال التمييز قائما ضد مجموعة كبيرة من المجموعات، وتُنتج اقتصادات السوق مستوى مرتفعا من عدم المساواة في توزيع ثمارها. بل شهدت الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى، على الرغم من ثراء هذه الدول، زيادة هائلة في التفاوت في مستوى الدخل خلال الثلاثين عاما الماضية، إذ تعاني شرائح واسعة من سكان هذه الدول من الركود في نمو مداخيلهم، بل إن شرائح بأكملها من المجتمع قد تحرّكت هبوطا في مستواها.

 

قد تفسّر التهديدات المتصورة للوضع الاقتصادي للناس صعود النزعة القومية الشعبوية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم. لقد تعثّر مستوى معيشة الطبقة العاملة الأميركية، التي تم تعريفها على أنها تتكوّن من أشخاص لديهم تعليم ثانوي أو أقل، في العقود الأخيرة، وهذا لا يترجم فقط من خلال الركود أو الانخفاض في المداخيل وخسائر الوظائف، بل أيضا من خلال الانهيار الاجتماعي. بالنسبة للأميركيين الأفارقة، بدأ هذا المسار الانحداري في عقد السبعينيات، بعد عقود من الهجرة الكبرى، عندما انتقل السود إلى مدن مثل شيكاغو وديترويت ونيويورك بحثا عن وظائف في قطاعات مثل صناعة تعليب اللحوم أو صناعة الصلب أو صناعة السيارات. مع انتكاس هذه القطاعات الصناعية، بدأ الرجال يفقدون وظائفهم، مما تبعه سلسلة من الأمراض الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة، وآفة الإدمان على الكوكايين، وتدهور الحياة الأسرية، مما ساهم في توريث الفقر من جيل إلى جيل.

 

على مدى العقد الماضي، انتشرت عدوى مماثلة من الانحدار الاجتماعي بين الطبقة العاملة البيضاء، كما أدى تفشي آفة الإدمان على المواد الأفيونية إلى تجويف مجتمعات الطبقة العاملة الريفية البيضاء في جميع أنحاء الولايات المتحدة. في عام ٢٠١٦، أدى الاستخدام الكثيف للمسكنات الأفيونية إلى أكثر من ٦٠،٠٠٠ حالة وفاة من جراء تناول الجرعات الزائدة، أي ضعف عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السير كل عام في البلاد. انخفض متوسط ​​العمر المتوقع للرجال البيض بين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤، وهو تطور غير متوقع في بلد متقدم كأميركا. وارتفعت نسبة الأطفال البيض من الطبقة العاملة الذين نشأوا في أسر ذات عائل وحيد من ٢٢% في عام ٢٠٠٠ إلى ٣٦% في عام ٢٠١٧.

 

لكن قد يكون أحد أهم الدوافع وراء القومية الجديدة التي وضعت ترامب في البيت الأبيض (وقادت المملكة المتحدة للتصويت لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي) هو تصور الطبقة العاملة أنها أصبحت "غير مرئية"، حيث صب المواطنون في الطبقة الوسطى المستاؤون من فقدان مكانتهم جام غضبهم على كل من النخب الأعلى منهم، لأنهم لا يأبهون بهم كما يعتقدون، وعلى الفقراء الذين هم أدنى منهم، إذ يشعر هؤلاء المواطنون الغاضبون بأنه يتم تفضيل الفقراء بشكل غير عادل على حسابهم هم! هنا، غالبا يتم تصور التدهور الاقتصادي على أنه فقدان للهوية أكثر من كونه خسارة للموارد، ففي نظر البعض، يجب أن يمنح العمل نوعا من الكرامة إلى العاملين. لكن العديد من الأميركيين البيض من الطبقة العاملة يشعرون بأن كرامتهم غير معترف بها، وأن الحكومة تعطي مزايا غير مستحقة للأشخاص الذين لا يرغبون في العمل وفق القواعد.  

 

 

 الغضب من الهجرة لا يمكن أن يفسر وحده جاذبية اليمين القومي في السنوات الأخيرة لدى الناخبين الذين اعتادوا دعم أحزاب اليسار

رويترز

 

إن فهم هذا الرابط بين الدخل والمكانة يساعدنا في تفسير السبب في نجاح الدعوات القومية أو الدينية المحافظة بشكل أكثر فعالية من النداءات التقليدية القائمة على القضايا الطبقية. فالقوميُّون يقولون للمواطنين الساخطين بأنهم كانوا يوما جزءا من أمّة عظيمة قبل أن يأتي الأجانب والمهاجرون والنخب ويتآمروا لإفشالهم. يقولون لهم: "بلدكم لم يعد ملكا لكم" و"إنكم لا تنالون الاحترام حتى وأنتم في بلادكم". ويتبنى اليمين الديني سردية مماثلة فيقول: "أنت عضو في جماعة كبيرة من المؤمنين الذين تعرضوا للخيانة من قبل غير المؤمنين.. هذه الخيانة أدت إلى إفقاركم وهي خطيئة ضد الله".

 

إن انتشار مثل هذه السرديات هو السبب في أن الهجرة أصبحت قضية مثيرة للجدل في العديد من البلدان. فمثلها مثل نمو التجارة، تعزز الهجرة من إجمالي الناتج المحلي، لكنها لا تفيد جميع الفئات داخل المجتمع، وغالبا ما تعتبر الأغلبية العرقية أنها تشكل تهديدا لهويتها الثقافية، خاصة عندما يتدفق الناس عبر الحدود بأعداد كبيرة كما حصل في العقود الأخيرة.

 

ومع ذلك، فإن الغضب من الهجرة لا يمكن أن يفسر وحده جاذبية اليمين القومي في السنوات الأخيرة لدى الناخبين الذين اعتادوا دعم أحزاب اليسار، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، بل يعكس الانجراف نحو اليمين أيضا فشل الأحزاب اليسارية المعاصرة في إقناع أولئك الذين تدهورت أوضاعهم نسبيا نتيجة العولمة والتغير التكنولوجي. في الحقب الماضية، كان التقدميون يجتذبون الناس من خلال التركيز على التجارب المشتركة من الاستغلال والاستياء من الرأسماليين الأغنياء، وهو ما تجسّد في شعار "يا عمال العالم، اتحدوا!". في الولايات المتحدة، دعم الناخبون من الطبقة العاملة بشكل كبير الحزب الديمقراطي بعد حقبة "الصفقة الجديدة" في الثلاثينيات، حتى زمن صعود رونالد ريغان في ثمانينيات القرن العشرين. هذا فيما صعد نجم الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية من خلال العمل النقابي والتضامن العمالي.

 

لكن خلال حقبة العولمة، غيّرت معظم الأحزاب اليسارية من إستراتيجيتها. وبدلا من السعي إلى التضامن بين مجموعات كبيرة مثل الطبقة العاملة أو أولئك المستغلين اقتصاديا، بدأوا بالتركيز على مجموعات أصغر وجدت نفسها مهمشة بطرق محددة وفريدة من نوعها. هكذا تم مسخ مبدأ الاعتراف العالمي والمتساوي بالحقوق إلى دعوات بالاعتراف المحدود والمخصّص. بمرور الوقت، انتقلت هذه الظاهرة من اليسار إلى اليمين.

التعليقات