رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/01/22

 

  لعل الكل يدرك إن الدواعي الكامنة وراء تطور ونهوض حركة الإسلام   في السودان أنها حركة تجديد واستنارة ووعي، فهي حركة لم تتمحور حول شيخ مؤسس أو زعيم ملهم يحذق كل شي ويفقه الجدال في كل قضية، لأنها في الأصل نهضت كحركة بعث واحياء لقيم الدين في الحياة وهادفة لانهاء  الولاءات التقليدية والتبعية العمياء، وكذلك كانت تدرك أن هذه الولاءات تفقدها خواص الاطراد والاستمرارية والتجديد، والمؤسسية وتوليد القيادات جيلا بعد جيل ،وكانت تعي ان هذه الذهنية ستحولها إلى سلسلة من الانقطاعات والتمزقات والانكفاء  بعد رحيل الزعيم الخارق والملهم ،وهذه العلل والامراض أصابت الحركة الإسلامية الأم في مصر لأن نظامها الداخلي الجامد ظل يركز  ويكثف كل السلطات  والصلاحيات عند أقلية متنفذة وفي طليعتهم المرشد الذي يمسك بكل الخيوط والمحركات والأدوات ومركز صناعة القرار  إلى مما جعل الدكتور محمد عمارة يقذف بالمقولة الاستدراكية،، لماذا يغيب الرشد عن الحركات الإسلامية إذا غاب عنها المرشد??.

إن هذا التفكير الأحادي والسلوك السياسي يكرس للطائفية والاستبداد التنظيمي الداخلي ، والانكى إن صعود مثل هذا التنظيم  المغلق للحكم ولو عبر الرافعة الديمقراطية سيؤدي إلى إسقاط هذا النسق من التفكير  والسلوك السياسي وتعميمه في كل مؤسسات الحكم والدولة وتغدو الدولة أقرب لنموذج  الاستبداد الفاشستي، ولذلك فإن هذه النزعة في التنظيم والقيادة عززت من سيادة مفهوم ان البنية الفكرية والقيادية للحركات الإسلامية لا تتواءم مع النظام الديمقراطي ومفاهيم تداول السلطة سلميا إلا زرائعيا وتكتيكا وعند الصعود للحكم عبر سلم الديمقراطية يسحبون معهم السلم إلى أعلى ويحولون الحكم إلى دولة استبداد أقرب للنموذج الثيوقراطي الأوربي في القرون الوسطى، ولذلك تم وأد وإسقاط إي تجربة للإسلاميين صعدت للحكم عبر الديمقراطية من لدن تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر ،، إلى تجربة الإخوان المسلمين في مصر .ومحاصرة تجربة حماس في فلسطين، وتبقى العبقرية أمام الحركات الإسلامية في التعاطي مع اتجاهات محاصرتها وعزلها بتمكين الديمقراطية ثقافة وممارسة داخل ابنيتها التنظيمية وفي تعاطيها مع الآخر المغاير لها فكريا وايديولوجيا من الشركاء في الدولة الوطنية.

إن الأحادية في القيادة والحكم والمتمثلة في  تجربة الإنقاذ بقيادة (الرئيس البشير ) أدت الي  تراكم الاستبداد والتسلط ، ونتائجه بادية في حالة العجز والجمود، وعدم القابلية على استنبات قيادات متجددة ومعاصرة، لأن فكرة توليد قيادات جديدة ، تتصادم من نزعة المستبد الأول، وشهوته الجامحة للاستمرار في القيادة والحكم، ولذلك يعمل على إزاحة وإقصاء كل المنافسين له على الزعامة حتى تغيب مفاهيم الاستخلاف والاحلال ، ويتوهم العقل الجمعي الملتف حول المستبد الأول ان المحافظة على استمرار القائد المستبد حتى ولو أصبح عالة على الدولة وقادها إلى الفشل كالحالة السودانية الراهنة ، وغدا عاجزا عن التفكير الخلاق والسلوك السياسي الراشد هو الأصل بل ووجوده يعني استمرار الفكرة والمشروع بعد افراغه من كل محمولاته القيمية.

إن هذه الذهنية الجامدة لا تعي انها بذلك تتجمد وتضمحل ،، ولا تفقه أن الثبات  إذا كان واجبا فإن التغيير حتمية وضرورة وكذلك فإن هذه الذهنية يختلط عليها مفهوم القائد والقيادة في الفكر المعاصر، فمهام القيادة الحديثة تتجلى في قدرة القائد أن ينير ويرسم  الطريق لانصاره.

 أن القائد في الفكر  المعاصر هو ذلك الشخص الذي يبني الرؤية والاستراتيجية والرسالة  ويلهم ويحفز أعضاء وكوادر حزبه بإمكانية تحقق هذه القيم في واقع الحياة والمجتمع والدولة، ان مهام القائد المعلصر تتجلى في بناء القدرة التصويرية والتاملية الكلية للحزب والمشروع، وغرس هكذا مفاهيم يحفز  على توليد  القيادات والمثقفين والمبدعين  الذين ينهضون بالفكرة والتجربة والممارسة، تجديدا وتطويرا وتعميقا ورسوخا لها في مؤسسات التنظيم والمجتمع، والدولة، وهذا السلوك في القيادة يبعث سنن التدافع الفكري والسياسي البناء وسط القوى السياسية الوطنية وحتما سيصب هذا الحراك في تعميق مفاهيم الغرس الثقافي للديمقراطية وتداول الحكم سلميا ، في إطار عقد اجتماعي صنعه وتراضى عليه كل المجتمع، وهدفه تحقيق الرفاه والنهضة الوطنية المستدامة.

 على النقيض من هذه القيادة البناءة تقبع القيادة الاستبدادية التي تطاولت في الحكم والمتمثلة في تجربة الإنقاذ بزعامة الرئيس البشير والذي حول القيادات التي كانت تديره أيام وهج الثورة إلى حيران واتباع  يحذقون التلقي والتلقين  والتفاني في تنفيذ الأوامر  لرمز الاستبداد الاول دون تعطيل أو تأويل فهم بعد تسليمهم للتنظيم السياسي والحركي للرئيس البشير  صاروا أتباعا لا اقرانا واندادا وبالتالي لا ينفعلون بقيمة الحوار والعصف الفكري،،  بل يركزون في ما يصبو إليه القائد المستبد ويتهافتون في تنفيذه وغايتهم التزلف والتمحور حول القائد اتباعا وحيرانا ، وهذه الحالة المأزومة تتجلى وقع الحافر على الحافر في شخصية الأستاذ علي عثمان محمد طه الذي كانت تعده الحركة الإسلامية ليكون قائدا لها في مرحلة التحول الديمقراطي ولكنه اختار الهبوط في وادي فرعون وضربت عليهم الذلة والمسكنة.

إن نتائج سلوك البشير في القيادة أدى إلى حالة البينونة بينه وبين الاتباع في الحزب ، وهذه الحالة من التعازل تضخمت نتيجة الكنكشة في الحكم ، ورسمت صورة من  الهالة والعظمة الكذوبة التي رسخها سلوك الاتباع، وكرسها رمز الاستبداد الأول عن ذاته، وإزاء هذه الحالة انسدت نوافذ التواصل البناء والتفاعل الشفاف والحر داخل مؤسسات الحزب الحاكم ، وتلاشت لغة الحوار والجدال، وسادت لغة السيطرة والقمع والقهر للمخالفين والاذكياء الذين انزوا وتسربوا من الحزب،وصعد إلى هرم مؤسسات التنظيم من تنطبق عليهم صفة (بلاغة الفدم) كما ترونهم في الوسائط المحلية والدولية وصعد أيضا أصحاب المصالح الذين لا يصمدون إذا ازفت لحظة التغيير الحاسمة.

 إزاء هذه الحالة من الردة والانتكاسات التي أوصلت المشروع إلى حالة الموات فبدلا من صعود أصوات العقلاء والحكماء وأهل المروءة الفكرية والسياسية لتصحيح المسار، تتواصل ذهنية معاندة التاريخ ومعاندة التاريخ حمق وقلة عقل وهكذا طفق أصحاب المصالح يتحدثون عن البيعة مدى الحياة وإطلاق وتفويض القائد المستبد ليغدو هو المرجعية والعمدة في كل شؤون الدولة والحياة الحزب وهذه الحالة من الأحادية المطلقة في الحكم لابد من التصدي لها وتغييرها لاستعادة معادلة قوامة المجتمع في الحكم. 

في اعتقادي أن السودان يمر بمرحلة مفصلية تتساوى فيها حالة النهوض والهبوط في أتون الفوضى لا زالت هنالك فرصة أمام الرئيس البشير لقيادة مبادرة استراتيجية للتغيير والإصلاح الوطني وليست تمويها وتضليلا لامتصاص السخط الجماهيري أو أحداث تغيير هامشي وليس جذريا، فالاصلاح الجذري يقتضي العودة للاصول وتشكيل منصة تأسيسية جديدة للحكم واعتبار النظام وبنيته ومؤسساته القائمة محض تفسيرات للأصول لأنها وصلت حدا من الجمود والتقادم الذي يلزم إصلاحها وتشكيل رؤية وأطر جديدة مشتركة بين النظام وخصومه السياسيين، وفكرة الإصلاح لا تلغي الأسس التي يقوم عليها النظام بل إن الإصلاح يعتبر البني السياسية المعطوبة تفسيرا خاطئا تقتضي مقاربة جديدة مشتركة بين النظام ومن يدعو لاصلاحه ، والإصلاح الجذري يجنب الدولة السودانية الثورة التي ترى أن الإصلاح شبه مستحيل في إطار النظام القائم ولابد من تغييره بالكامل ولابد من قيام نظام جديد على أسس جديدة وبنية موسساتية جديدة وهذا السيناريو أما أن يقود إلى حرب أهلية أو استبدال استبداد .باستبداد  

إن الفرصة لا زالت مؤاتية أمام الرئيس البشير للإعلان عن مؤتمر أشبه بالمائدة المستديرة وبمشاركة كل القوى السياسية الوطنية المعارضة ، المدنية والمسلحة وذلك لمناقشة أزمة الحكم في السودان، والتوافق على تدابير وترتيبات انتقالية  وتشكيل حكومة انتقالية محددة الأجل،وبقيادة انتقالية متوافق عليها من كل القوى السياسية وترأسها شخصية قومية تحظى بالإجماع والقبول الوطني، وذلك لإنجاز برنامج اللحظة الوطنية والمتمثل في محاصرة الأزمة الاقتصادية وإدارة حوار وطني حر وشامل لتحقيق الوئام الوطني ، وتعزيز اللحمة الوطنية وتمكين القوى السياسية من بناء مؤسساتها التنظيمية والتواصل الحر مع المجتمع، وفك الارتباط التام بين جهاز الدولة البيروقراطي والحزب الحاكم وضرورة وقوف مؤسسات الدولة على مسافة واحدة بين كل القوى السياسية، وان يتم التوافق والاجماع على قانون انتخابات ثم الذهاب لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، لتأسيس اللبنات المتينة لدولة الحرية والمواطنة والعدالة والديمقراطية والقانون.والتنمية والنهضة التي قوامها الإنسان الحر، فحرية الشعوب هي الأصل في صناعة التنمية والنهضة.

التعليقات