رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/10/22

 

ما يضاعف شُعُور السُّودانيين بالإحباط والغضب العاتب ، أنّ بنوك الدولة الصديقة المملكة العربية السعودية ما تزال مُمتنعةً عن إنجاز تحويلات السُّودانيين المُقيمين بها، بينما سبقتها في ذلك بنوكٌ أمريكية وأوروبية! 

هذا الموقف يُشعِرُ السُّودانيين بأنّ المملكة، لا تُسهم  في تخفيف الضائقة الاقتصادية عنهم، بل تُسهم في تأزيم وتشديد الخناق عليهم، ونربأ بأرض الحرمين الشريفين فعل ذلك.

على غير العادة، أعرب عددٌ من كبار الصحفيين من مُختلف المشارب السِّياسيَّة، عبر أعمدتهم الرَّاتبة في الصحف السودانية، عن استيائهم من تعامل المملكة العربية السعودية مع السودان.

 ويرى هؤلاء الكُتَّاب، أنّ المملكة لم تُقدِّر للسُّودان وقفته معها في حرب اليمن، ودفْعَه آلاف الجُنُود لحماية حُدُود المملكة العربية السعودية من المدِّ الإيراني الجائر.

 الكُتَّاب رأوا في عدم قيام قيادات بارزة في المملكة، بتسجيل زيارة إلى السُّودان، استخفافاً وازدراءً للدور السُّوداني، أو على الأقل عدم تقديرٍ له.

 -2-

لفت نظري ضمن المقالات المنشورة، المقالُ الذي اختطَّه الزميل الصديق محمد لطيف، وهو يسعى في مساحته التحليليَّة بالعزيزة (اليوم التالي)، لتفسير موقف المملكة غير المُتفاعل إيجاباً مع الأزمة الاقتصادية السُّودانية.

يُفسِّر لطيف ذلك الموقف، بأنّ "المملكة ليس في رصيدها القدر من الثقة الذي يجعلها تُسهم في دعم الحكومة السُّودانية، بذات دعمها لحكومة المشير عبد الفتاح السيسي"!

حكومة السيسي في رأي لطيف "أسهمت المملكة في وجودها على ظهر البسيطة حيَّة تُرزق، بالدعم والإسناد، ذلك لموقفها المُناوئ لتيار الإسلام السياسي، بينما حكومة الرئيس عمر البشير ما تزال تحتفظ بعلاقة قوية  بتيار الإسلاميين في السُّودان".

-3-

لطيف لم يكتفِ بذلك التفسير، بل رأى أنّ امتناع المملكة عن إلحاق الأذى بالسُّودان، يجب أن تُشكَرَ عليه، ولا يُطلَبُ منها أكثر من ذلك!

لا أعتقد أنّ ما ذهب إليه لطيف، يُقارب الصواب أو يُلامس الحقيقة؛ فالمملكة تُناوئ تيارات الإسلام السِّياسي التي لها أجندة عابرة لحُدُودها الوطنية، مثل إخوان مصر قادة التنظيم العالمي.

أمّا تجربة الإسلاميين في السُّودان، فهي تجربةٌ محليةٌ لا تحمل مشروعاً أممياً عابراً للحدود. 

الدولة التي تدفع بأبنائها للدفاع عن حُدُود دولة أخرى ضدَّ خَطرٍ قَادمٍ، لا يُمكن أن تجمع بين مُتناقضَين: المساهمة في توفير الأمن؛ وبث الخَوْف لجهةٍ واحدةٍ.

فمن يُدافع معك في خندقٍ واحدٍ، لا يُمكن أن يمثل خطراً عليك.

مُشاركة السُّودان للمملكة السعودية في حرب اليمن، امتدادٌ لمُشاركات تاريخية في عدد من الدول العربية. فقد شارك السودان في حرب فلسطين عام 1948 وحروب مصر في عامي1967و 1973، وشارك في حماية الكويت من تهديدات عبد الكريم قاسم 1961، وكان ضمن قوات الرَّدع العربية في لبنان العام 1977، ورغم سوء علاقة جعفر نميري بصدام حسين شارك السودان في الدفاع عن العراق في حربه مع إيران وفتح باب التطوع .

ذلك واجبٌ في كل الحقب يتم بكُلِّ تجرد ، بلا مَنٍّ ولا أذى ولا ابتزاز.

-4-

السُّودان لا يُطالب بمُقابلٍ ماليٍّ على ما فعل، وما هو مُستمرٌّ في فعله باليمن، لكنه يستحقُّ أن يُعامل بتقديرٍ واحترامٍ.

الاستياء الشعبي الواسع، الذي عبَّر عنه صَرَاحَةً بعض الكُتَّاب على الموقف الفاتر من المملكة العربية السعودية تجاه السُّودان، لا يتعلَّق بالجوانب المالية، لكنَّه مُرتبطٌ بالتقدير المعنوي.

أقلّ تعبير عن التقدير المعنوي، تسجيل زيارات لهذه الدولة، التي تجمعها بالمملكة صلات عميقة.

وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، طَافَ على أغلب الدول الإفريقيّة، ولم تحط طائرته بمطار الخرطوم حتى للتزوُّد بالوقود!

-5-

الرأي العام السُّوداني، يُقارن الموقف السعودي بمَوقف دولة قطر، رغم عدم مُساندة السُّودان لها في مُواجهة الحصار المَفروض عليها، ولو في حُدُود إبداء التعاطف.

عددٌ من كبار المسؤولين القطريِّين، سجَّلوا زياراتٍ مُتعدِّدة للسُّودان، قبل الحصار وبعده، والآن وزير الخارجية القطري بالخرطوم.

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، زار السُّودان مرَّتَيْن، وقَضَى في الزيارة الأخيرة سَاعاتٍ في منطقة ساخنة بدارفور، في الاحتفال بالمرحلة الأخيرة لاتفاق الدوحة، الذي أنفقت عليه قطر ملايين الدولارات.

لا يُمكن أخي محمد لطيف، أن يكون مُقابل دور السُّودان في حرب اليمن، التكرُّم بالامتناع عن إلحاق الأذى به، تلك قسمة ضيزى، السودان لم يبلغ هذه الدرجة من الضعف والهوان.

التعليقات