رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/07/16

 

في الليل، تومض الذاكرة، فتحملني مخيلتي على بساط الريح فوق نخيل بلادي واشجار التبلدي وتحت (ضل الدليب) في أوقات العصاري . يأخذني البساط إلى دروب القرى البعيدة التي تنام على وقع الأغاني وحفلات السمر وسهرات (دق العيش) في ليالي النفير المقمرة، وتصحو في نهارات ساخنة ومملة.

هكذا كانت تمضي ليالي الغربة، قبل الثالث من يونيو الماضي.. لكن الأحداث الدامية جعلتني أخاف الليل، فعند دخوله في المساء، اشتم رائحة رماد البارود والدماء وتتراءى أمامي مشاهد جنازات الشهداء وهي تحمل على عجل تحت زخات المطر إلى مدافن المدن الكئيبة.

أجلس حزينا في بيتي، لا أبرحه إلا لماما.. أنظر إلى السقف وهو يتدلى عند قدمي، ثم يعود سريعا إلى مكانه في حركة استفزازية.. وفي لحظات أخرى من الليل المخيف أحصي مربعات سراميك البلاط دون أن ينال مني التعب. وعندما ألملم أطرافي وبقايا جنوني، أشاهد مباريات كرة القدم في بطولة كأس أمم أفريقيا والتي تستضيفها مصر هذه الأيام.

يزداد حزني، كلما رفرفت فوق السرايا أعلام الدول المشاركة أوعزفت أناشيدها الوطنية.. فجند الله قد سكنوا في ثكناتهم وصقور الجديان قد فرقتها اصوات الرصاص، وافزعتها مطامع القوم. ولم يعد لنا مكانا في عرس الساحرة المستديرة واللعينة في نفس الوقت. باعتبارنا أحد مؤسسي الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.

في الوقت الذي كانت تسارع فيه الدول الأفريقية إلى تطوير الرياضة واعداد الشباب لقيادة المستقبل، كانت الأقبية المظلمة في بلادي تكتظ بالشباب الباحث عن الحياة الكريمة.. حدثت طفرات رياضية كبيرة في جميع الدول إلا في بلادي التي ما زالت غاطسة (لحدي الليلة في الوجعة) كما يقول الشاعر الدوش في رائعة وردي (بلد رايح).امتلأت الملاعب الأوربية والآسيوية بالنجوم السمر والبيض من القارة السوداء، وخلت من أبناء بلادي ، لأن السلطة الرياضية تنام في سبات عميق.

الغطس في الوجع والأحزان، أمر يدعو إلى الضجر، لكنه السبيل الوحيد للوقوف مع النفس لتصحيح المسار.. منذ سنين طويلة والسودانيون يحلمون بمدينة رياضية وملاعب عملاقة مجهزة تجهيزا حديثا، لكن الثلاثي المقيت (الفساد والطمع والتخطيط السيء) أوقف الحلم ...وآن الأوان بعد الثورة الظافرة للالتفات إلى الشباب والرياضة.. فأمامنا عمل شاق اذا ارادنا اللحاق بالركب

ونلتقي..

[email protected]

التعليقات