رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/05/25

تشكك المغتربون وتخوفوا من الخبر الذي ذاع أمس الأول حول التمويل العقاري ثم جاء منشور بنك السودان أمس ليجدوا فيه لخوفهم وتشككهم مبررا، ولهم الحق فلقد عانوا طوال سنوات من سياسات حكومية ما أنزل الله بها من سلطان جهجهتهم، ولذا آثروا الصمت وأغلقوا آذانهم عن سماع أي نداء حكومي أو مشروع أو فكرة يدعون إليها.

أولاً لابد من الترحيب بالقرار والمنشور الذي صدر بالأمس وهو خطوة ممتازة بحاجة لتطوير بسيط وسننظر في المنشور فقرة فقرة حتى يخرج الناس من قصة رفض أي حاجة للحوار المثمر.

2

الفقرة الأولى تنص على (منح التمويل لشراء قطعة أرض سكنية أو تشييدها أو مسكن جاهز). هذه فقرة ممتازة ولطالما طالب المغتربون الدولة بحقهم في الخطط السكنية التي اندثرت ثم طالبوا بالأولوية في المخططات السكنية التي تسوقها شركات ذات صلة بالحكومة كما ظلوا يلحون على صندوق الإسكان لتوسيع نشاطاته ولكن الدولة كانت شحيحة في الإنفاق عليه، ورغم ذلك أدى الصندوق دورا مقدرا تجاه المغتربين وكثير من الفئات العمالية والصحفيين وغيرهم. ولذا فإن هذه الفقرة التي سمحت للبنوك بشراء سكن أرض أو تشييدها أو شراء جاهز أكثر من رائعة.

3

الفقرة الثانية تنص على أن يتم دفع ما نسبته 15 إلى 25 % من التمويل الممنوح كمقدم بالنقد الأجنبي بسعر صرف البنك وقت السداد. هذه الفقرة لا غبار عليها وهي عادية في أي تمويل بنكي، والملاحظة التي عليها أنها تركت تحديد نسبة المقدم لمزاج البنوك والعلاقات والذي منو.

4

الفقرة الثالثة أن يتم التمويل بالعملة المحلية.. طبيعي رغم أن المقدم والأقساط كلها بالدولار ولكن لا بأس.

5

الفقرة الخامسة تنص على: (يجب أن يكون للعميل (المغترب) بطاقة سارية المفعول وإفادة صادرة من جهاز تنظيم شؤون المغتربين بالخارج. هذا منطقي ومعقول إذ لابد من جهة ما تحدد وفق ضوابط من هو المغترب المستحق للتمويل والجهة الوحيدة المؤهلة ذات الصلة المباشرة هي الجهاز لا غيره.

6

نأتي أخيرا إلى الفقرة الرابعة التي تنص على: (يتم سداد ما تبقى من أقساط التمويل بالعملة الأجنبية وبسعر شراء المصرف عند وقت السداد)، هذه الفقرة بحاجة لتعديل لأنها ببساطة غير منطقية ومشبوهة ومن تعاطى الشبهات عمدا لا شك يتعاطى الحرام.. والشبهات في أموال المغتربين أو المعذبين في الأرض حرام شرعا.

هي غير منطقية لماذا؟ لأنها عكس السياسات المتبعة في الجهاز المصرفي منذ أن عرف السودان البنوك في عهد الاستعمار الذي أسس البنك الإنجليزي المصري (Anglo-Egyptian Bank). في 1913 ثم تحول إلى باركليز بنك في 1925 وأخيرا إلى بنك الخرطوم حتى أممه النميري في 1970 وتغير اسمه إلى بنك الخرطوم الحالي في 1975. أها منذ ذلك التاريخ إلى ما قبل منشور الأمس لم تعرف البنوك السودانية شيئا كهذا.. إن في الأمر عجب.. غايتو يا أستاذ يا سيد حازم (وريتنا جديد ما كان على بال). (هذه مهداة للأستاذ كرار التهامي.. رحم الله أيام زمان).

ثم هي سياسة لم تطبقها البنوك في أي تمويل آخر. مثلا إذا ذهبت الآن لأي بنك لأخذ مرابحة لسمسم القضارف فإنك تدفع المقدم وتسلم الأقساط بشيكات ولا يطالبك البنك بالمزيد ارتفع الجنيه السوداني أم انخفض ويورد تلك الشيكات في آجالها. بالطبع سيكون البنك حدد أرباحه بناء على دراسات وتوقعات معتمدا على نسبة الأرباح التي حددها بنك السودان (الآن المرابحات بين 10 إلى 15 % من قيمة القرض).

أما أنها مشبوهة لأن ثمن شراء البيت مجهول.. فمن يا ترى يشتري بيتا لا يعرف سعره النهائي، إلا أن يكون مغتربا مجنونا أو فاقدا عقله.. صحيح أن المغتربين جنوا زمان وهجوا من البلد ولكن ليس لدرجة أن يشتروا منازل لا يعرفون سعرها.

لنراجع هذه الحسابات البسيطة مع موظفي بنك السودان. هب أنك ترغب في شراء منزل جاهز في الحارة 57 الثورة (3000000) بثلاثة مليارات جنيه سوداني.. في هذه الحالة ستدفع لنقل 15 % من الـ(3) مليارات جنيه يعني أنك ستدفع مبلغ 450 مليون جنيه، وهذا المبلغ عليك أن تدفعه بالدولار وهو يعادل بسعر دولار البنك اليوم (29 جنيه) (15.517) خمسة عشر ألفا وخمسمائة وسبعة عشر دولارا) حسنا إلى هنا الموضوع عادي.

تتبقى عليك أقساط مضافة إليها الأرباح السنوية التي لم يذكرها المنشور، هب أن الأرباح السنوية 5 % فقط للبنك يعني ذلك أنك ستدفع 150 مليون جنيه سنويا كأرباح فإذا كنت ستسدد خلال خمس سنوات يعني ذلك أن ستدفع مبلغ 750 مليون جنيه أرباحا، أضف هذا المبلغ الـ(750 مليون جنيه) إلى الثلاثة مليارات ليصبح ثلاثة مليارات و750 مليونا أطرح منها 450 مليونا المبلغ الذي دفعته مقدما ليصبح عليك دين بمبلغ ثلاثة مليارات وثلاثمائة وخمسين مليونا. 

الآن عليك أن تسدد هذا الدين على أقساط عبر خمس سنوات، أي عليك أن تدفع شهريا مبلغ 62 مليونا وخمسمائة ألف جنيه والمفروض أن تسلمها بشيكات إلى البنك وتلتزم بسدادها وكفى الله المغتربين شر الديون والسجون.!!. ولكن هيهات بحسب الفقرة الرابعة المدهشة الـ62 الآن بسعر دولار البنك اليوم (29 جنيها) لو حولتها من الخارج للبنك فإنك تدفع حوالى 2 ألف و137 دولار. ولكن هب أن الدولار الواحد وخلال الخمس سنوات القادمة وصل إلى 60 جنيها في البنوك على أقل تقدير، وذلك ليس على الركابي ورهطه ببعيد، في هذه الحالة سيكون مبلغ الـ62 مليونا قد أصبح دولارا واحدا أو يزيد بقليل لكي تغطي المبلغ المطلوب للبنك الـ62 مليون جنيه عليك أن تضيف على دولارك ألف دولار أخرى و137 دولار. يعني ذلك بدلا من أن تدفع 62 مليون جنيه ستجد نفسك تدفع 128 مليونا و220 جنيها. لاحظ أنك ستدفع هذا المبلغ لخمس سنوات يعني ذلك أنك ستدفع مبلغ 7693200 (سبعة مليارات وستمائة وثلاثة وتسعين مليونا ومائتي ألف جنيه). يعني هذا أن البيت الذي بناه (الجاك) أو الذي اشتراه ليك البنك قد زاد خلال الخمس سنوات مبلغ 4693200 (أربعة مليارات وستمائة ثلاثة وتسعين مليونا ومائتي ألف جنيه). البيت الذي سعره الآن بالدولار 103448 (مائة وثلاثة آلاف وأربعمائة 448 دولارا) ستدفع فيه خلال الخمس سنوات 265276 (مائتين وخمسة وستين مليونا ومائتين وخمسة وسبعين دولار)، أي أنك اشتريت البيت بأكثر من ضعف سعره. أما إذا أصبح الدولار 100 ألف فما تعدش.. والحل وقتها أن تبيع البيت لتسدد ما عليك وقد لا يغطي، وفي هذه الحالة أن ترجع من غربتك لتبقى في السجن لحين السداد أو أن تبقى هناك لحين أن يأتي أمر الله وتأتي محمولا على تابوت.. شهيدا من أجل هذا البيت.!!.

7

رغم كل ذلك الحل عندي بسيط جدا يكمن في تعديل الفقرة 4 كالآتي فبدلاً من (يتم سداد ما تبقى أقساط التمويل بالعملة الأجنبية وبسعر شراء المصرف عند وقت السداد.) تعدل لتصبح (يتم سداد ما تبقى من الأقساط بسعر شراء المصرف في اليوم الذي يتم فيه تسليم شيكات الأقساط). صحيح أن هناك مخاوف لدى البنوك التي لا تريد ولا ينبغي أن تخسر، ولكن معالجة ذلك يمكن أن تتم خلال زيادة الأرباح أو تقصير المدة. فإذا فعلت ذلك تكون قد خافت الله في المغتربين وربحت بالحلال.

التعليقات