رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/11/19

 

الطاهر ساتي 

 

:: قبل الحديث عن لجان المقاومة، يجب تذكيركم بقصة الشاعر علي بن جهم.. غادر البادية إلى المدينة - لأول مرة - ليمدح الخليفة المتوكل بالأبيات الشهيرة: (أنت كالكلب في حفاظـك للـود وكالتيس في قراع الخطوب)..وغضب من كانوا بمجلس الخليفة من الوصف، ولكن الخليفة لم يغضب، بل أمر للشاعر بقصر على شاطئ دجلة، يجاوره بستان وجسر عريق، فأقام ستة أشهر، ثم أنشد أعذب ما قيل في الوصف: (عيون المها بين الرصافـة والجسـر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري) ..!!

 

:: وشباب الثورة، بسلميتهم نقلوا ثورتهم إلى مرحلة الدولة التي تحكمها الحكومة الانتقالية.. وكما تعلمون فإن هذه الحكومة الانتقالية من مراحل الثورة (المهمة)، وهي المرحلة الآمنة، والتي منها تنطلق مرحلة السلام و البناء والتعمير وحكم القانون.. وشباب لجان المقاومة هم من نقلوا البلاد من مخاطر الثورة إلى (بر الأمان)، ولولا وعيهم ويقظة وحكمة قيادتهم - تجمع المهنيين - لما وصل قطار الثورة إلى هذه (المرحلة الآمنة)، ولذلك كل فرد فيهم يستحق نصباً تذكارياً يُجسد معاني الوعي ..!!

 

:: استشهدوا، أصيبوا، اُعتقلوا، جاعوا، عطشوا، استنشقوا الغاز وسهروا على المتاريس وتحدوا كل المخاطر أيضاً، ثم سلموا المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير سُلطة كاملة الدسم.. وما على السادة بهذه السُلطة إلا العمل المخلص والدؤوب لتصبح أهداف الثورة واقعاً في حياة هؤلاء الشباب.. فالوقوف في محطة الثورية لن يكون مجدياً.. ليتهم يتعظون من تلكؤ حكومة الديمقراطية الثالثة، وذلك بالانتقال – عاجلاً – من محطة الثورية إلى حيث دولة الدستور والقانون والمؤسسات..!!

 

:: نعم، أهدرت حكومة السيدين عمرها – ثلاث سنوات – في محطة الثورية و(كنس آثار مايو)، حتى تم (كنسها، هي ذاتها) قبل أن تترك أثراً إيجابياً في حياة ثوار ذاك الجيل.. ومنعا لإنتاج فشل تلك التجربة، مع محاسبة المسؤولين على جرائم القتل والفساد وغيره، فإن كل جهد حكومة الشريكين - قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري - يجب أن يكون لصالح (الحاضر والمستقبل)، وهذا لن يتحقق ما لم يتم بناء دولة المؤسسات التي تحمي الحرية والسلام والعدالة..!!

 

:: نعم، فالمؤسسية هي التي تنهض بالأوطان، وليست (الأمزجة الثورية).. وما لم تحل المؤسسية محل (الأمزجة الثورية)، فلن تصلح أحوال البلاد حتى ولو غيّرت لجان المقاومة إدارات كل المحليات والمشافي والمدارس وغيرها، أو كما تسعى لذلك حالياً.. ولكي يصبح التغيير نحو الأفضل (شاملاً)، ولكي يصبح إصلاح ما أفسده التمكين (مثالياً)، ولكي لا يهرب أي فاسد من المحاسبة أو يقبع فاشل في منصبه، فعلى الحكومة الانتقال إلى مرحلة (دولة المؤسسات)..!!

 

:: وعليه، فإن أنشطة لجان المقاومة – كما أشعار علي بن جهم – بنت بيئتها.. أي إنْ وجدت بيئة سياسية مستقرة ودولة تحكمها مؤسسات وتتم فيها صناعة القرار بمهنية وعلمية، وتسود فيها أحكام القانون، فإن لجان المقاومة طاقة شبابية قادرة على العطاء والمساهمة في عمليات البناء والتعمير.. وإن لم تجد لجان المقاومة دولة المؤسسات التي تنظمها وتوظفها، بحيث تكون طاقة إيجابية، فإن الطبيعة التي لا تقبل الفراغ قد تحول هذه اللجان إلى طاقة سالبة وذات مخاطر.. !!

[email protected]

التعليقات