رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/19

تضج ذاكرتي بشخصيات لا تشيخ، وأحداث مثيرة مرت عبر السنين الطويلة، وكأنها قد حدثت بالأمس القريب. من بين هذه الشخصيات، تطل حبوبة "بحرية بت الفنجري" بوجهها الأبنوسي المدور وعينيها المتقدة التي لا تعرف الخوف من الأنس أو الجن. في شبابها الناضر تزوجت من الرجال مثنى وثلاث، لكن شخصيتها القوية حرمتها دفء الحياة الزوجية، فاختارت العزلة.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، سكنت لوحدها في (قطية) قريبة من إحدى القرى الكردفانية التي تبعد قليلا إلى الغرب من مدينة الأبيض القديمة.. كانت كالراهب في صومعته لا تتكلم كثيرا أو تخالط أحدا.. تؤمن بالمثل العربي القائل: ( من ضعف عن كسبه، اتكل على زاد غيره. ومن اتكل على زاد غيره، طال جوعه).

يبدأ يومها عادة في الفجر. ولا ينتهي إلا قبل الأصيل بوقت قليل، فهي إبنة النهارات البعيدة المخبوءة بين ظلال الصباحات الندية وشموس الضحى. تحرث أرضها بيدها دون الحاجة إلى آخرين. وعند هبوط الليل توقد سراجها ثم تنام. لا تخاف الهوام أو البهام أو السوام من الحشرات.. وإذا سمعت هسهسة أو طنين بعوض، تخرج بفأسها وتدور حول زراعتها، لا يمنعها المطر العباب أو الريح العاصف.. وتعود مطمئنة إلى فراشها.

ويقال أن شخصين أرادا سرقتها ذات ليلة والنيل من شجاعتها التي تعرفها القرى المجاورة، فهبت بسيفها هبة فارس مغوار وضربتهما ضربا مبرحا حتى هربا و(غبار المراكيب يلوي).. ثم قامت في الصباح بزراعة أثر الهروب الكبير بحبات الكركدي الحمراء الغامقة، ليشهد هروبهما طائفة من الناس في وقت الحصاد.

بعد كل هذه السنوات والغبار الذي علق بالذاكرة، أتذكر رحلتنا إلى زراعتها.. بعض أخوتي وأعمامي والأشقياء من أبناء الحي.. وصلنا إليها بعد العصر بقليل وطيور القمري تسجع فوق الشجر. انتشرنا في الزراعة وتلذذنا البطيخ وقطع التبش والعنكوليب. ثم عدنا إلى الديار وضحكاتنا تهز صمت الدروب.

ما زلت أذكرها بحمارها (الأغيبش)، خفيف الجري. كانت تحمله خيرات (الدرت) لتجود بها إلى أقربائها وتخص بنت اختها "بت الأنصاري" بنصيب الأسد. لا تحب ركوب السيارات أو الدواب، تقطع المسافات الطويلة بأرجلها.. وفي المساء تعود إلى قطيتها غير عائبة.

في الشتاء، تقطع بفأسها – صديق عمرها – جذوع الأشجار الكبيرة ثم تحرقها لتصنع منها فحما تبيعه وتوزع ما تكسبه للفقراء والمساكين. وعندما أحست بدنو أجلها، حملت فأسها وعادت إلى الرهد أبودكنة. مات في منتصف الثمانينيات ، لكنها تركت خلفها حكاوي خالدة كنموذج للمرأة السودانية المكافحة والشجاعة والكريمة.

اللهم أرحم حبوبتي " بت الفنجري" رحمة واسعة..

ونلتقي

[email protected]

التعليقات