رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/10/19

 

كان ابن عمي عليه الرحمة مهندسا في الكهرباء وكان بعثيا  شديد المراس ورغم ذلك كنت كلما زرته يحدثني بانه لو كان في تنظيمنا عشرة من أمثال محمود شريف فان البلد سوف تطير بجناحين. ذات مساء زرته وكان يشرف على بعض الأعمال في محطة توزيع في الناصية الشمالية لمقابر فاروق ووجدت أمامهم صحن الفول وهم جلوس على الأرض يتوسطهم محمود شريف عليهم جميعا الرحمة فقال لي : مش قلت ليك ؟!

 

‎في احد أيام الخميس خرجت بعد العاشرة ليلا قاصدا مدينة ابوقوتة وفي الطريق وجدت فريق من كراكات نظافة الترع ولما كان احد أقربائي رئيس سائقي هذه الكراكات فقد توقفت للتحية والسلام وكان الوقت قرابة منتصف الليل فوجدت معهم البروف احمد علي قنيف والمرحوم أبوشورة والفريق الزبير محمد صالح وكانوا يتحلقون حول اضواء رتينة وسط دايرة الكراكات.

‎كثيرين في وزارتي الزراعة والري حينها كانوا يقولون مثل قول ابن عمي الراحل المهندس ابراهيم محمد عثمان ( لو كان في تنظيمكم عشرة زي ابو شورة أو قنيف فالبلد ستطير بجناحين) 

 

‎والمبدأ هنا خاطئ تماما فلو ان تنظيمنا كله كان مثل ابي شورة وقنيف ومحمود شريف لما طارت البلد الى اي مكان سوى الجحيم 

 

‎ليست مهمة الأحزاب ان تحكم نيابة عن شعوبها وانما مهمتها تحريض الشعوب على استعادة اصل حريتها في ان تمارس ٩٩٪؜ من نشاطها وتفوض ١٪؜ فقط لسلطة مركزية تكون مهمتها التخطيط القومي وتنسيق جهود توفير اللوجستيات لتمكين الأمة من الدفاع عن نفسها إذا دعا الداعي،  والسعي بذمة الأمة عند الأمم الأخرى.

 

‎لا يستطيع حزب أو مجموعة احزاب القيام بأعبااء النهضة نيابة عن أمته، لذلك فالنموذج الموسوم بالديمقراطية الغربية خاطئ اذ يؤسس على بلوكات تتغالب وتتشاكس على كرسي السلطة لانها ابتداء عرفت السلطة بانها المنظمة التي تحتكر العنف فوق رقعة جغرافية محددة . وفي الإسلام لا توجد سلطة وانما أمة تصنع التنمية والرفاه كلها لذلك لا تحتكر فيها سلطة اي وظيفة لا الدفاع ولا العلاقات الخارجية فكل وظائف الحياة الأصل فيها ان يوديها المجتمع ويفوض في بعضها تفويضا غير حصري جماعة تؤديها على سبيل مهني لا يعني الاحتكار فثمة أشخاص اكثر مهنية من موظفي الخدمة العامة ولكنهم لا يريدون ان يصبحوا موظفين وعلى استعداد لآداء بعض مهام السلطة بدرجة اعلى من الاحترافية والإتقان.

 

‎وعلى الرغم من ان الحركة الإسلامية حشدت في أولى حكوماتها بعد انقلاب الانقاذ عددا كبيرا من أميز كوادرها لإنجاز مهام مهمة في سبيل التنمية المادية مثل قنيف وابي شورة ومحمود شريف وعثمان عبدالوهاب رايد مشروع النفط وغيرهم، الا انها كانت تدرك ان مهمتها ليست إنجاز التنمية المادية نيابة عن امتها لذلك أسندت الى قيادتها السياسية المهمة الأعظم وهي إعادة تاسيس النظام السياسي على نحو يمكن الأمة كلها من المساهمة في إنجاز التنمية المادية التي هي احدى ركائز النهضة الحضارية 

‎فتم تكليف نائب الامين العام بتجميع وظائف الرعاية الاجتماعية في وزارة واحدة ثم اخراجها للجهات المعنية بها فتأسس الصندوق القومي للضمان الاجتماعي بأصول ورؤوس أموال ضخمة جدا وتأسس الصندوق القومي للمعاشات كذلك وصندوق الزكاة وكان المأمول اخراج قطاع الشباب والمرأة بعدد مماثل من المؤسسات الحرة.

وتم تكليف الامين السياسي للحركة حينها بمهمة تفتيت السلطة المركزية وإنزالها الى أهلها عبر حكم اتحادي يرد وظائف النشاط المجتمعي الى قاعدة الحكم ويرفع فقط التفويض بالتخطيط القومي لهذا النشاط للسلطة المركزية.

‎أما في مجال التعليم فقد قاد البروفيسور ابراهيم احمد عمر ثورة استطاعت فك احتكار الجامعات التقليدية لميزانية التعليم العالي وفتحت المجال للمجتمع ليؤسس جامعاته على قدم وساق.

 

‎كانت الحركة تعي ان تسيير معاش الناس اليومي يتطلب عزايم مهنية كبيرة فأوقفت لذلك بعض خيرة رجالها فلم يخيبوا ظنها فانجزوا الاكتفاء من القمح واستعادوا السيادة الوطنية على النفط وأسسوا لصناعات دفاعية ضخمة، فمشروع الإصلاح السياسي كان يحتاج الى اطمئنان الناس على معاشهم اليومي الذي لا ينتظر 

 

ولكن بعض ابناء الحركة ظنوا مخطيئن ان الإنجاز المادي الذي تحقق يمنحهم الحق في حكم الناس فتخاذلوا عن إكمال مشروع الإصلاح السياسي وتلكاوا فيه وعرقلوه فاحتاج الأمر الى عشر سنوات ليكتمل مشروع الإصلاح باجازة قوانين الحكم الاتحادي وقسمة الثروة والتوالي السياسي والتي ضمنت لاحقا في صلب دستور يحزمها ويحمي حرمتها ولكنهم مزقوه ودعوا اخوانهم في القوى السياسية المعارضة الى(  اكل خريف خريفين في بترولنا) فأكلوا الإنجاز المادي فلما ذهبت لبنته انكشفت العيوب وعادت الأزمة تمسك بخناقهم.

 

خرج المعارضون الذين تداعوا لنصرة اخوانهم الإسلاميين بعد ان شاركوهم اكل خرايف البترول، ولم يكتب التاريخ لهم سطرا واحداً في مشروع الإصلاح السياسي بل أقصوا حركات دارفور عن تجمعهم حينما لاحت لهم كراسي السلطة تماما كما فعلت قوى الحرية والتغيير الان وكانوا يشاهدون الجنوب يمضي نحو الانفصال دون ان يحركوا ساكنا فقد خلعوا عنهم ملابس العزيمة وعلقوها على شماعة الانقاذ وظنوا انهم بذلك اعفوا أنفسهم من المسؤولية السياسية والتاريخية. 

 

ما تحقق لحكومة الانقاذ من وحدة سياسية تغطي عجز الإرادة والعزيمة المطلوبة خلف اي حكومة وتوفر لكوادر عالية المهنية شديدة الولاء لمشروعها السياسي الموحد، لا يمكن باي حال مقارنته بما لا يتوفر الان لحكومة الجماعة التي سرقت فرصة التغيير واسم الثورة تتحدث به حديث مخاتل في كل المجالات، ولا يمكن باي حال وتحت اي مسوغات قياس اي من الكوادر التي تشاكست على كراسي كراسي السلطة وتدافعت حولها لدرجة كادت تصل حد لعبة الكراسي اذ يحوم المرشح فيهم على عدد من الوزارات إذا أقصي من احداها هرول نحو الأخرى حتى ضمن لنفسه مقعدا لا يهم مدى علمه المهني ولا معرفته به، لا يمكن قياس اي منهم الى بروف قنيف أو ابي شورة أو محمود شريف عليهم الرحمة أو صاحب الشكيمة الأقوى د عثمان عبدالوهاب، فإذا علمنا انه خلف كل واحد من هؤلاء كان يقف تنظيم دقيق وجيش من الكوادر الملتزمة، فمن السهل جدا ادراك لماذا تتعثر حكومة الدكتور حمدوك ويستلف وزرائها من اخر مخزون للإنقاذ من السلوك والمصطلحات البيئسة على شاكلة ( اكسح امسح) ولماذا دخل بعض وزرائها بذات قمصانهم التي كانوا يمارسون بها النشاط والنضال السياسي الى كراسي الوزارة فانكشفت عوراتهم المهنية بمجرد مرورهم عبر بوابات الكشف المهني في مداخل الوزارات !!! 

 

كل ما يصدر عن حكومة الدكتور عبدالله حمدوك من قرارات حتى الان لا علاقة له بمهامها الأساسية التي كلفت بها وهي الإعداد لانتخابات تمكن الشعب من تفويض من يراه مناسبا، وبالتالي فمعظم هذه القرارات باطل قانونا وسوف يقيض الله للحكومة الانتقالية اشخاصا يأخذونها الى المحاكم الإدارية ويمزقوا قراراتها السياسية النزعة شر تمزيق ويضاعفوا من محنتها وموجة السخط الشعبي ضدها، فإذا أخذنا في الاعتبار ان الحكومة في الأساس تستند الى مشروعية مسروقة فلن يكون من الصعب تصور مصيرها، فالذي يمر عبر مقابر السالفين ثم لا يحسن الوقوف امام الواعظ الأعظم في التاريخ هو شخص فقير وغير محظوظ.

وبدلا من الشكوى بان حكومته تعمل حتى الان بلا برنامج وأنه لا يزال ينتظر من قوى الحرية والتغيير برنامجا الفترة الانتقالية، فان على الدكتور حمدوك ان يتجه لإنجاز مهمته الأساسية وهي الإعداد للانتخابات وهي مهمة جليلة وصعبة وتحتاج منه الى مجهود كبير جدا لضمان تعاون جميع القوى السياسية ومؤسسات الدولة معه في اجراء تعداد سكاني دقيق وتقسيم الدوائر الانتخابية الجغرافية وإعادة تاسيس المفوضية القومية للانتخابات وإجراء حوارات جادة ومسؤولة حول قانون الانتخابات وخيارات الحر المباشر والتمثيل النسبي وأنواع ونماذج كل منها ودعم القوى السياسية بتوفير المنابر والمساعدة ببرامج التدريب السياسي وتوسيع مساحات الحرية وتحرير موسسات الإعلام المسماة رسمية بإعادة تأسيسها كمؤسسات حرة مستقلة عن السلطة التنفيذية.

أما اعادة تعيين مديري المؤسسات والوزارات وإطلاق أيدي الوزراء الناشطين لإدارة معارك دونكوشتية وتهديد الرأي الآخر المخالف لهم باستخدام السلطة لتكميم المنابر والأفواه، فتلك ممارسات لم تسعف الانقاذ ولن تسعف غيرها من السلطات والحكومات مهما ادعت (مشروعية ثورية) فغاية القصور في الثورة ان تعرض الثورة في القصور. 

اكرم للدكتور حمدوك ان يقابل الحكم العسكري الرابع الوشيك ويديه مستغرقتان بالكامل في اداء وظيفته التي انتدب لها على ان يجده غارقا في تنفيذ مشاريع وقرارات تحركها دوافع واحلام البعض استعادة عروش سلبتها منهم الانقاذ فالإنقاذ نفسها قضت اغلب عمرها في صراع للمحافظة على رئاسة النادي النخبوي المركزي وأديرت عن الإقبال الشعبي الكبير واتخذت لنفسها مكانا قصيا ( كيانا خاصا) في بلد يبني فيه الأفراد ديوان الضيوف قبل حجرات نومهم !!  

 

ظللنا في دايرة خبيثة منذ الاستقلال تقوم ثورة شعبية ضد حكم عسكري ثم لا تلبث فئة ان تقف على باب الثورة وتنصب شباكا للتذاكر فتشترط في شروط كفاءة مدير جامعة ان يكون مؤمنا بميثاقها السياسي هكذا !! ثم لا تلبث ان تشرع في تعيين منسوبيها السياسيين والاجتماعيين في وظائف لم نتفق في الأساس على حاجتنا اليها، ولا تزال كذلك حتى تفاجئها الفئات الأخرى التي أقصتها ببيان اول يلبس فوق كتفه ازبليطة نجوم وسيوف فيتنفس الشعب الصعداء ، فالشعب يدرك ان غياب النخب السياسية واختفاء صراعاتها الصغيرة يمنحه الفرصة لتفعيل ميكانيزم مؤسساته وعلاقاته الاجتماعية لاجبار العسكري القادم على التودد اليه فيبدا عهده بان يخلي بين الشعب وأنشطته الاجتماعية فلا يهدده بتنظيم منابر المساجد أو مقاضاة أئمتها!!! كما ان العسكري لا يبحث عن امجاد بيوتات ورثت الحكم والمصالح عن المستعمر دون شعبها واعتبرت بحقها الإلهي في ذلك. ولا يزال العسكري كذلك حتى يقع في روعه انه قد تأهل لعضوية النادي الصفوي فينشغل عن مداهنة موسسات المجتمع بتقريب النخب السياسية ويحصن نفسه عن علاقات المجتمع الاجتماعية الكثيفة بعلاقات نخبوية تدور حول المصالح فيهب الشعب بوجهه .

واخشى ان حكومتك بدأت من ذات المكان الذي وقفت فيه حكومة سلفك لذلك فهذه النصيحة لا علاقة لها بتأييد الحاكم العسكري الرابع لبلدنا، ولكنها قراءة من رجل يدعي معرفة دهاليز العمل السياسي وامتلاك رصيد يؤهلني لتحليل الواقع وفق أدوات تحليل اجتماعي صحيحة.

التعليقات