رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/08/16

صدر في وقت متزامن في كل من واشنطون ولندن تقريرين منفصلين بشأن مستقبل علاقات السودان مع الولايات المتحدة و المملكة المتحدة. صدر التقرير الاول من منظمة ( كفاية ) ، المعادية وأعقبه مقال نشره الناشط جون بريندرقاست في ( يو اس نيوز) شرح فيه توصيات تقرير كفاية التي تتخلص في عدم ازالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب في المرحلة الثانية من الحوار مع واشنطون الا بتحقيق شروط قاسية تؤدي تلقائيا الي إرخاء قبضة النظام علي الحكم وتوفر الشروط الموضوعية لسقوطه كثمرة ناضجة في أيدي المغامرين.

وركز قي المقابل التقرير البريطاني الصادر من المجموعة البرلمانية بقيادة البارونة كوكس في تقديم حزمة توصيات للحكومة البريطانية بإبطاء عملية التطبيع مع الخرطوم  التي بدأت بخطوات تدريجية مع انطلاق الحوار الاستراتيجي بين البلدين. وتبنت لندن ما أسمته التعاطي الممرحل phased engagement وتشابهت توصيات تقرير منظمة كفاية للإدارة الامريكية والكونغرس مع توصيات المجموعة البرلمانية بقيادة البارونة كوكس للحكومة البريطانية. سبق لهاتين المجموعتين في واشنطون ولندن ان قدمتا اعتراضات قوية ضد إسقاط العقوبات الاقتصادية الاحادية الامريكية ضد السودان بتبريرات ساذجة تقوم علي المزاعم لا الحقائق مثل استمرار  القصف في جبال النوبة واستهداف المدنيين في دارفور وغيرها. لكن الدافع الحقيقي هو ان منظمة ( كفاية) في واشنطون تعتبر جزء من آليات المنظومة اليهودية الحقوقية المعادية للسودان بالتحالف مع اليمين الديني الافانجليكي مثل القس فرانكلين قراهام وكذلك المجموعات الليبرالية الديمقراطية التي ظلت تقدم الدعم والسند للحركة الشعبية في جنوب السودان حتي انفصال الجنوب . ووجدت في دارفور وجبال النوبة قضية جديدة لمواصلة مشروعها المعادي للسودان مع التزام قاطع بدعم مشروع المعارضة المسلحة. وتجد في صفحات الشكر والتقدير في التقريرين اسماء من ساعدوا في اعداده مثل سليمان بلدو والحاج وراق ومحمد حسين ادم وعمر قمرالدين وغيرهم. ووجود هذه الاسماء في التقرير يكفي عنوانه عن المتن.

يعترض تقرير ( كفاية) وجون بريندرقاست في مقاله المنفصل علي اي محاولة لإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب. ويتطرف وصف كفاية لطبيعة الحكم في السودان بأنه ( نظام للصوصية العنيفة) وهو وصف اقرب للشعارات والهتافيات من حقيقة الاوضاع علي الارض بدافع العداء والموقف الايدلوجي المتجذر.

و اقترح قاست فرض عقوبات موجهة ضد الأفراد واستخدام الوضع الاقتصادي الحالي لاستقطار مزيد من التنازلات السياسية من الحكومة من اجل تغيير سلوكها السياسي .

في المقابل يستخدم تقرير المجموعة البرلمانية البريطانية ذات الأدوات ويحث الحكومة البريطانية علي استخدام أدوات ضغط جديدة خاصة في المجال التجاري والاقتصادي لمخاطبة قضايا حقوق الانسان.

يعترف التقرير ان بريطانيا غيرت سياستها تماما من العصا الي الجزرة لكن مع التعبير عن القلق بشأن حقوق الانسان والحريات الاساسية و عدم تقديم دعم مباشر للحكومة في اطار التحول من العون الانساني الي العون التنموي.

علي ضوء هذين التقريرين الصادرين من اكبر مؤسسات العداء التاريخية ضد السودان مجموعة البارونة كوكس في البرلمان البريطاني ومنظمة كفاية في واشنطون فإن الاعتراف بالحقائق الجديدة اخذ وقتا طويلا مع وجود جيوب مقاومة لتوجهات الادارة الامريكية والحكومة البريطانية تجاه السودان. 

مقابل هذه التقارير العدائية السالبة نهضت مؤسسات بحثية اكثر انصافا مثل مجلس الاطلنطي وحتي المعهد الامريكي للسلام ، لكن شكلت تقارير مركز الأزمات الدولية ومقره بروكسل تحولا نوعيا من خانة العداء للتفهم والدعم وهي تنظر للتطورات الإقليمية ودور السودان في دعم الاستقرار الإقليمي خاصة في جنوب السودان اضافة لقضايا التعاون في مكافحة الاٍرهاب والاتجار في البشر والهجرة غير الشرعية. 

لم يمنع ادارة الرئيس ترمب كل صرخات واحتجاجات (كفاية) والناشطين في رفع العقوبات ولتطور رؤية واشنطون في تعميق التعاطي الايجابي مع السودان للتعاون في القضايا المشتركة خاصة الاستقرار الإقليمي و مكافحة الاٍرهاب. كما لم تمنع اعتراضات البارونة كوكس الحكومة البريطانية في إرسال مبعوثها الخاص تروتس الي واشنطون لحث وزارة الخارجية لرفع العقوبات ، وكذلك لم تتوقف الحكومة النرويجية عن دعم موقف السودان في واشنطون رغم احتجاج منظمة العون المسيحي.

 

لا شك ان مصالح هذه الدول في التعاطي الايجابي مع السودان واستبدال العصا بالجزرة تجاوز وربما  أغفل أصوات الاحتجاجات من المنظمات والجماعات المعادية في الماضي لكن سيستمر تأثير هذه المنظمات ليس في وقف التعاطي الايجابي لكن في استخدام تكتيكات للحصول علي مزيد من التنازلات السياسية.

وللاسف فإن مصداقية التقارير الصادرة من هذه المجموعات والمؤسسات آخذ في التدهور اكثر من الماضي لاعتمادها اضافة للغرض السياسي الذي يحدد منهجية التحليل وتوظيف المعطيات للخروج بنتائج وتوصيات معلومة سلفا، اعتمادها علي شبكة من المخبرين والمحللين من انتلجنسيا الحركات المسلحة التي اخذت منها الغبائن الشخصية والعداء السياسي اي نزعة موضوعية او أنصافا للحقائق علي الارض مما يجعل مقارباتهم اقرب لمنافستو الثورات ولخيال الشاعر اكثر من المحلل السياسي الذي يعتمد علي الحقائق المجردة لا التمنيات الرغبوية. لذا فأن اصحاب تلك النزعة في الطرفين حكومة ومعارضة يجعلهم جزء من المشكلة لا الحل.

اما جون بريندرقاست والبارونة كوكس فلن يهدأ لهم بال حتي يَرَوْن جثة السودان طافحة علي النهر وقد خاب رهانهم لأكثر من عقدين ونصف من الزمان..ولكن!؟.

التعليقات