رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/07/16

حتى لا يزايد علينا أدعياء النضال الجدد وسارقي ومحتكري الثورة، فقد كنا ولا زلنا من دعاة الثورة والتغيير والإصلاح وادناه مقال كتبته منذ العام 2014 بعدد من الصحف (الجريدة والتيار والاحداث) وجوهره ضرورة رحيل الرئيس المخلوع البشير كمفتاح لحل الأزمة الوطنية المتراكمة وصعود جيل قيادي في السودان لبناء مشروع النهضة السودانية المؤسس على هوادي الحرية والديمقراطية وتداول الحكم

 

(حاجتنا الى جيل قيادي جديد في السودان) 

بقلم/عثمان جلال

رشحت في الاسبوع الماضي تصريحات من احد قيادات النظام مفادها ان هنالك اتجاها قويا للدفع بالرئيس البشير مرشحا لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة 2015 واكد القيادي ان هذا الاتجاه تشكل بقوة في المؤتمرات القاعدية للحزب الحاكم ورفع كتوصية للمؤتمر العام المزمع انعقاده في شهر اكتوبر القادم وجاء التصريح من قيادي كنا نظن انه من دعاة التغيير والتجديد خاصة انه انحاز ابان مفاصلة الاسﻻميين لما يعرف بمدرسة الفكر والتنظيم بادي ذي بدء ثم عاد الى دوائر المنظومة الحاكمة وفي مظانه الحفاظ على التجربة وتعهدها بالنقد والتطوير من الداخل وهذا كان منطق كل العائدين الى العصبة الحاكمة ولكنهم انكفأوا على ذاتهم واكتفوا بالوظيفة والغنيمة ولم نرى لهم اي تاثير فكري او سياسي افضى الى تغيير بنيوي للجهاز الفكري والسلوك السياسي داخل البنية التراتبية للتنظيم الحاكم، ولعل القيادي الذي اطلق التصريحات استقرىء بحسه السياسي ان هذا هو الاتجاه النافذ بل هي رغبة الرئيس نفسه الذي اطلق بالونات هوائية اعلن فيها رغبته في الاعتزال والترجل واتضح ان هدفه عزل منافسيه والانفراد بالقيادة الكلية للحزب والتنظيم الاسﻻمي والدولة  وقد عزز الرئيس بنزوعه هذا ما ذكره الدكتور عبد الله علي ابراهيم (تسييس المؤسسة العسكرية منذ القدم) وأراد القيادي الذي اطلق التصريح التقاط القفاز ليكون ضمن الفريق الذي يسعى لترويج هذا الاتجاه للاقتراب من الحلقة التي حول الرئيس طمعا في الترقي الوظيفي وقد ظللنا نحذر من هذا التيار الطفيلي الذي تناسل وتكاثف نفوذه وتشابكت مصالحه الذاتية وربط استمرار هذا المصالح باستمرار الرئيس في الحكم مما يعني استفحال الازمة السودانية بكل تجلياتها خاصة عﻻقات السودان الدولية وسيحاول التيار النفعي اجتراح مسوغات لاقناع المؤتمر العام للدفع بالبشير مرشحا للرئاسة منها ضمان استمرار وﻻء المؤسسة العسكرية والمنظومة الامنية باعتبار ان الرئيس قائد المؤسسة العسكرية ولكن هذا ﻻ يتسق مع حراك مبادرة الحوار الوطني الحالية والتي تهدف الى بناء عقد اجتماعي مهام المؤسسة العسكرية فيه حماية الحدود الوطنية وصيانة القيم المعنوية للامة السودانية وقد يدفع ايضا تيار المصلحة داخل النظام  منطق ان البشير هو الخيار الوحيد الذي يتحقق فيه الاجماع والتراضي داخل اجهزة الحزب الحاكم واستمراره يعني تماسك ووحدة التنظيم وهذا منطق ينم عن ازمة التنظيمات المغلقة التي تفتقر الى النظام والمؤسسية والحركية الفكرية التي تولد القيادات جيﻻ بعد جيل وثمرة تلك الانماط من التوجهات احتكار القيادة دائرية في بضعة اشخاص ثم تؤول الى حكم الفرد المطلق والقائد الملهم الذي يتخلص تدريجيا من منافسيه بل من الذين صنعوه، ويحيل الحزب الى كيان هﻻمي يلجأ اليه عند الضرورة ويتكي على القبضة الامنية ووﻻء الاسرة والعشيرة وعندها تتحول السلطة الى مفسدة مطلقة، وكذلك فان الرئيس فقد كثيرا من الرصيد والوﻻء داخل الحزب الحاكم نتيجة نهجه الاحادي في ادارة الحزب وتبدى هذا النهج في التشظي والانقسام الذي طال الحزب واعتزال معظم القيادات الفكرية والتاريخية للتنظيم وانفضاض غالبية كوادر الحركة الاسﻻمية وهم عصب الكيان السياسي العام حتى غدا الحزب العمﻻق قزما وظاهرة صوتية مركزية وفقد الحزب خطابه الفكري والسياسي الصين.كذلك فان اعادة ترشيحه قد تقود لمفاصلة جديدة جديد لان ذلك ﻻ يتسق مع حراك التغيير والبعث الذي يتصدره الرئيس واقنع به كبار قادة النظام بالتنحي واكد انه سيغادر الكابينة  القيادية ريثما اكتملت عملية التغيير الوطني والتنظيمي واستمراره في الحكم يعني انه طرح مبادرة التغيير للاطاحة بالقيادة المدنية للتنظيم وتجيير وتوظيف المبادرة للانفراد بقيادة الحزب الحاكم وطرح نفسه كخيار وحيد في الانتخابات القادمة

سيدفع التيار الانتهازي داخل النظام منطق ان الرئيس يحظى بالقبول من الشعب السوداني وهذا ايضا منطق معلول لان الرئيس فقد كثيرا من السند والرصيد الجماهيري نتيجة الاخفاقات السياسية والتخريب الاقتصادي الذي اوصل الاقتصاد السوداني شفا الانهيار حدث هذا التخريب والرئيس في قمة الجهاز التنفيذي للدولة ومحاولة تعليق شماعات الفشل لمن هم دون الرئيس هي محض هروب الى الامام وتغاضي عن الحقيقة واغتيال معنوي للرموز المدنية للحركة الاسﻻمية ، ايضا خف وزن الرئيس في الوجدان الجماهيري جراء النعوت التي وصف بها المتظاهرين خلال الانتفاضة الاخيرة والتي تفتقر الى القبس التربوي.

وقد يقذف التيار النفعي الذي يدور حول الرئيس منطق ان البشير تزعم مبادرة الحوار والمصالحة الوطنية خاصة اذا افضت المخرجات النهائية الى التوافق الوطني والدستوري لذلك فان هذا الانجاز الوطني مدعاة لطرحه للشعب ونيل ثقته ،ولكن الأجدى في رأي ان يدفع الرئيس بتحويل هذا الانجاز التاريخي لصالح التنظيم الحاكم كمنظومة مؤسسية مستمرة في الحياة السياسية السودانية كما يفعل الان الرئيس الامريكي اوباما والذي يسعى من خﻻل انجازاته السياسية والاقتصادية والامنية لتمكين الحزب الديمقراطي من الفوز في الانتخابات الامريكية القادمة وذلك بطاقم جديد من القيادات ومن شأن هكذا مبادرة توليد قيادات شابة والدفع بها للشعب السوداني لان المجتمع سئم الوجوه القديمة ،والتجديد مدعاة لاجتذاب شريحة الشباب وهي الطاغية الى دائرة الفعل والتأثير السياسي بدلا عن حالة الاعتزال والمجانبة الماثلة لهم.

واعتزال الرئيس من شأنه ان يبعث الامل في وحدة الاسﻻميين، وحفز قيادات القوى السياسية السودانية على الترجل وصناعة قيادات بديلة حتى تسترد الحياة السياسية السودانية معافاتها وحيويتها وقد يحاول التيار الذي يحوم حول الرئيس تحريك العمق الايديولوجي والعاطفة الدينية وسط الاسﻻميين وذلك بإيهام البعض بان ترشيح البشير للرئاسة استجابة لروح التحدي والمواجهة والعزة بتصويره الرمز المصادم لتوجهات النظام العالمي الجديد ولكن علينا القذف بسؤال استراتيجي ما هي نتائج السياسة الخارجية الصدامية سواء اقليميا او دوليا؟؟ الاجابه البديهية عزلة سياسية واقتصادية ووضع السودان ضمن المنظومة الارهابية الدولية عاما بعد عام حتى وصلت حد المطالبة برأس النظام امام المحاكم الدولية وهنا اصل المشكلة لذلك فان مبادرة الحوار الوطني الحالية لن تكتمل الا بتأييد وضمانات دولية تحصن الهرم الاعلى للنظام من المساءلة وهذا ﻻ يتأتي الا بمبادرة تصافي وتعافي وطنية اشبه بسيناريو الكوديسا في جنوب افريقيا.

وكذلك فان النظام في حاجة الى تغيير الجهاز الفكري وانماط التفكير لابتداع مبادرة في العﻻقات الخارجية شبيهة بمبادرة الرئيس الايراني السابق خاتمي الذي جاء بنظرية حوار الحضارات بدلا عن اوهام الصدام والمواجهة والنظرية الخاتمية تركز على العقﻻنية والمقاربة بين الثقافات والحضارات خدمة للمصالح المشتركة بين الشعوب وهذا يقتضي تغيير في السلوك السياسي والدفع برئيس متين في بناءه الفكري والثقافي والمعرفي لذلك فان الدفع بالرئيس البشير مرشحا للرئاسة يعني اعادة انتاج واستمرار للازمة السودانية بكل تجلياتها الحالية.

لذلك في اعتقادي ان هنالك شعور جمعي بضرورة التغيير في اوساط كل الكيانات السياسية المنظمة وشرائح المجتمع السوداني خاصة الشبابية وعلى النخب السياسية التي تتداعى الان في مؤتمر الحوار الوطني والتي ظلت مكنكشة في القيادة لآماد طويلة استكناه هذه الحقيقة وادراك انها وصلت مرحلة الكهولة السياسية وقناعة ان مهامها الحالية تتجلى في سكب خبراتها لوضع مواصفة قياسية للحكم الدستوري المستدام ثم الترجل بمحض ارادتهم والمبادرة بطرح قيادات بديلة تلبي اشواق وحاجيات المجتمع لان السودان في المرحلة القادمة في حاجة الى جيل قيادي جديد متحرر من خصومات وحساسيات الماضي جيل يؤمن بالسقوف الوطنية الكلية وﻻ يسعى للقفز فوقها بمماحكة او صراع من اجل مصلحة ذاتية او حزبية او انتصار لايديولوجية زائفة وبالية، جيل قيادي ذو عقلية تنموية اقتصادية يصمم الخطط لانتشال السودان من المأزق الراهن وصوﻻ الى مرحلة الكفاية وتحقيق الرفاه الاجتماعي، نحن في حاجة الى جيل قيادي منفتح على العالم الخارجي متحرر من القيود الايديولوجية الدغمائية لفك طوق العزلة الخارجية واجتذاب المستثمرين ورؤوس الاموال الخارجية وبناء عﻻقات خارجية مؤسسة على فقه المصالح المشتركة، نحن في حاجة الى جيل قيادي جديد ينهي حالة الاحتراب والانقسام الوطني، جيل متحلل من العصبية القبلية يتطلع بهمة وطنية لتأسيس اركان الهوية الوطنية السودانوية ويصون اهداف الامة العليا، وبه تتحقق قيم الدولة الراشدة (العدالة والحرية والسلام) نحن في حاجة الى جيل قيادي جديد يؤمن بتداول السلطة والتدوير والاحﻻل في القيادة دون ان تكون حكرا على قائد ملهم او طبقة طائفية برجوازية، نحن في حاجة الى جيل قيادي تهوي اليهم افئدة المجتمع جيل عميق الايمان بالحرية كقيمة كلية في الحركة الانسانية يؤمن بها قوﻻ وممارسة سلوكية من ادنى وحدة في المجتمع وهي الاسرة الى اعلى مستوى مؤسسي في الدولة، نحن في حاجة الى جيل قيادي جديد مستمد شرعية العهود السياسية من المجتمع الواعي والمستنير ومصوب كل افكاره وطاقاته لمصلحة المجتمع (اصل المشروعية) 

بهذا الجيل الجديد والذي محور الانسان يمكننا صناعة امة سودانية في ثوب جديد ان شاء الله.

التعليقات