رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/10

 

للصباح في مدينتي القديمة رائحة، كرائحة الزهور اليانعة وهي تمخر في عباب نهر الياسمين. للصباح في الأبيض القديمة، إغفاءة بتول، تهدهد الظلال والأنوار وتصفق للأمنيات والأحلام. للصباح صوت كهمس المطر للأرض اليباب، أو كبكاء الغيوم وهي تتزاحم في السماء قبل اتخاذ القرار الأخير بغسل الشوارع والخطايا والحنايا. الصباح موسيقى عذبة يعرفها أبناؤها، كما يعرف الرضيع أمه من ابتسامتها على حد قول " فرجيل" شاعر الإلياذة في روما القديمة. الصباح حزمة من الأسرار لا تبوح بها المدينة إلا لعشاقها وأهلها الطيبين.

يبدأ الصباح في العادة بهمهمة جدي عبدالقادر الأنصاري – طيب الله ثراه- وهو يسبح باسم ربه الأعلى أو يتلو أوراده. بينما التف أنا وأخوتي حول موقد أمي الغالية وهي تعد بابتسامتها الدافئة قهوة الصباح وشاي الصباح ولقيمات لذيذة يقمن أصلابنا الصغيرة ، وقبل أن نتفرق في دروب المدينة إلى مدارسنا لا تنس أمي أن تعطر بالحب والصندل أنفاسنا اللاهثة.

" لو بإيدي كنت طوعت الليالي" كما غنى الراحل وردي – اسماعيل حسن في رائعتهما المستحيل.. لو بإيدي كنت رجعت ساعة واحدة إلى تلك الصباحات البعيدة حتى اسمع أصوات المدينة، وأبدأ من جديد تعلم التأتأة والحبو وسف التراب حتى اشبع. وأكتب السطور الأولى من حياتي بالطريقة التي تعجبني. وأنام طويلا تحت شجرة الليمون وسط الدار القديمة. التقط أنفسي مجددا لمواجهة الثالوث المقيت  (الغربة الطويلة، الموت الفجائي، العودة النهائية). لو بإيدي كنت اختار العودة الطوعية  لأبكي ساعة أخرى على أرصفة شوارع الأبيض ومقاهيها وميادينها الفسيحة وأسواقها الشعبية، وأمسح بمنديلي الأبيض ما التصق من دمع هتون.

بعد كل هذه السنوات الطويلة، ما زلت أذكر مطاعم المدينة وهي تقدم الفول (المضنكل).. أذكر مطعم "مايسترو فول" وسط سوق مدينة الأبيض، والذي كان يقدم لزبائنه حبيبات الفول بزيت السمسم الطازج من المعاصر والطبق بستة قروش. وهناك مطعم آخر في محطة "أجيب " على مقربة من رايات نادي المريخ وهي ترفرف في شموخ وإباء قبل أن يسيطر هلال التبلدي على الموقف. ومطعم عمك (مجالس في بداية الثمانينات من القرن الماضي. ما زلت أذكر أصوات العساكر وهم يأدون التدريبات بعزيمة وقوة قبل الانصراف إلى فسحة الفطور. أو الموتى الذين ينتقلون إلى الضفة الأخرى من الحياة في الصباح ويدفنون على عجل في مقبرة دليل بالقرب من مدرستي الابتدائية.

في مرات كثيرة، يأخذني الشوق إلى صباحات أيام الجمع قبل انقشاع عتمة الليل. وكأني لحظتي هذه أعيش تلك الأجواء واسمع أصوات الرجال بملابسهم البلدية وهم يستعدون لرحلات الصيد إلى الغابات الكردفانية. كان ميدان زريبة المواشي القديمة، الذي تحول إلى مدرسة أسماعيل الولي الثانوية في نهاية السبعينيات قد امتلأ عن آخره، باللواري في الصباح لنقل أهل الرحلات بكلابهم الشرسة ومعداتهم وآمالهم إلى البوادي والوديان، والعودة بهم قبل هبوط الليل، وهم يحملون صيدهم من الأرانب والغزلان و" جداد الوادي" وقليل من التعب وكثير من المرح.

يتلون الصباح في الأبيض القديمة بألوان الفرح الزاهية وبألوان الطيف وهي تتدرج في جمال تحت الظلال ، تنسرب منها تارة وتتفيأها تارة أخرى. في الأعياد تنزل الرحمة من متاهة الفضاء البعيد، فتغشى البيوتات الحنينة، تمنحها البركة والسعادة التي تستحقها. تتحول المدينة إلى بيت كبير راقص وسيرك مفتوح تجيش فيه العواطف. واختتم بما قاله الكاتب الكبير توفيق الحكيم: " كثير من الناس يعيشون طويلا في الماضي، والماضي منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء".

ونلتقي..س

[email protected]

التعليقات