رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/11/19

بسم الله الرحمن الرحيم

حاطب ليل

(1)

نحن في السودان لا نهتم كثيراً بدقة الإحصاءات ونعتبرها تزيداً في التفاصيل، ولعلّ هذا دليلٌ على أنّ حياتنا مازالت تكتنفها الكثير من العشوائية، الأمر الذي يُنافي ما يَتّجه إليه العَالم من دِقّةٍ رَقميةٍ، وكدليٍلٍ على ذلك نُورد ما ذكره وزيرٌ سابقٌ للزراعة والثروة الحيوانية في ولاية الجزيرة أمام برلمانها وهو يُعدِّد القطيع الولائي، حيث ذكر عدد الحمام في الولاية برقمٍ مُحدِّدٍ كذا مليون وكذا ألف إلى أن وصل الآحاد، فلما رأي الدهشة على وُجُوه سامعيه!! قال لهم: "المكضِّبنا يمشي يحسب" أي رمي عبء الإثبات على السامعين، ولا شك أن هذه فهلوة لا مكان لها من الإعراب وقريباً من هذا ما ذكره مُؤخّراً مدير الطرق والجسور بولاية الخرطوم من أنّ طُرق الولاية بها (35) ألف حفرة، لم يقل سيادة المهندس "المكضِّبني يمشي يحسب"، ولكنه لم يُوضِّح لنا حتى مُجمل طول هذه الطُرق وكيف حسب الحفر فيها، علماً بأنّ كل ساعة تَظهر فيها حفرة جديدة، لدرجة أنّ بعض حُفر الولاية تَشكو من وجود فواصل الأسفلت بينها بلغة أستاذنا محمد عبد الله الريح الساخرة!!

(2)

مُناسبة الرمية أعلاه، هي أنّنا وَجدنا أنفسنا اليوم أمَام إحصائيةٍ صَادمةٍ وقريبة جداً من الواقع، حيث أنّ مُنظّمة اليونسيف قالت إنّ هناك (120) طفلاً يموتون يومياً في السودان بسبب سوء التغذية (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، لا شك أنّ مُنظّمة عالمية ومُحترمة مثل اليونسيف لها تجاربها ووسائلها الإحصائية التي تصل بها إلى مثل هذه الأرقام القاطعة، كَمَا أنّ وزارة الصحة السودانية التي أعلن وزيرها الشفّاف أنّ إنسان البلاد موبوء بالكوليرا وأنّ حيوانها موبوء بحمى الوادي المُتصدِّع، لم يَنفِ ما قالته اليونسيف!!

عليه لا مفرّ من أن نُصدِّق ما قالته المنظمة، ويُمكنني هُنا تعضيد ذلك ما قرأته قبل يومين في إحدى الصحف من أنّ مُستشفى إبراهيم مالك وحده مُتوسِّط ما يستقبله من أطفالٍ مُصابين بسُوء التغذية يومياً خمسة أطفال، كما أنّ المُعايشة والمُلاحظة العَامّة تجعل رقم اليونسيف مُتواضِعَاً، وكل الذي قامت به هو أنّها نَبّهتنا لما كُنّا غَافلين عنه أي قَامت بدور كاتب العرضحال الذي أبكى صاحب الشكوى الأصلي في القصة المعروفة. 

(3)

دعونا نأتي من الآخر، في الشهر القادم سوف نَحتفل ولمدة شهرٍ كاملٍ كَمَا أُعلن بمُناسبة مُـرُور عامٍ على ثورة ديسمبر المجيدة، فقط علينا أن نتذكّر أنه في هذا العام قد مات ثلاثة وأربعون ألفاً وثمانمائة طفل في السودان من سُوء التغذية وهذه حَصيلة ضرب 120 في 365 (الرجاء المُراجعة، فمحسوبكم قادي رياضيات)!! لا شك أنّ هذا رقمٌ مَهُولٌ وكَفيلٌ بأن يجعلنا (نشقلب) كل أولوياتنا الحالية ونضع برنامجاً جديداً هدفه دفع هذا الموت المجّاني والجماعي عن أطفال السودان، أما أنه مَجّاني فيكفي أن نقول إنّه إذا وَجَدَ أيِّ طفلٍ سُوداني نصف رطل لبن وبيضة دجاج واحدة  يومياً سوف ينجو من سُوء التغذية.. هَل هَذا أمرٌ صعبٌ في بلادٍ يُقال عنها إنّها سلة غذاء العالم؟ بالله لو الواحد ضرب رأسه بأقرب حيطة ما ليه حَــق؟! 

كسرة:

فكرة العنوان مأخوذة من قصيدة صلاح أحمد إبراهيم (عشرون دستة من البشر) التي قالها في مُناسبة شُهداء عنبر جودة!!

التعليقات