رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/04/25

 

-1-

لزياد بن أبيه مقولةٌ مُقاومةٌ للنسيان: (كذبة المنبر  بلقاء ومشهورة). 

المنابرُ في أزمنة ابن أبيه، والحجاج بن يوسف، ودولة بني أمية، هي منابر الخطابة المسجدية.

مفهوم المنبر الآن يتَّسع ويمتدُّ إلى منابر الإعلام التقليدي والحديث، من فضائيات ومواقع تواصل اجتماعي.

لم تَعُدْ هناك مساحةٌ للكذب، العالم أصبح غرفة زجاجية، كل ما فيها مُتاحٌ للنَّظر ومُمتنعٌ عن الإخفاء. الأنفاسُ محسوبة والأخطاءُ مرصودة .

-2- 

في ذات الحلقة، التي علَّقنا عليها قبل أيَّام، والطاهر حسن التوم، يستضيف وزير الطاقة، والأخير ينفعل ويتوتَّر، ويخرج عن النص والمضمون، وتجري على لسانه جملةٌ سارت بها ركبان الأسافير ساخرة ومستهزئة: (مكانا وين... مكانا وين).

كان الطاهر وعناصر فريق إعداد برنامجه (حال البلد)، يُتابعون ملفَّ تلوُّث مياه بئر بمنطقة السلمة جنوب الخرطوم.

كان على ضفَّة البرنامج، نموذجٌ آخرُ لمسؤولين لا ينفعلون ولا يثورون، يتحدَّثون بثباتٍ ولباقةٍ وثقة، تجعلك تعتمد ما يقولون دون نقاش أو تردُّد.

ولكن سرعان ما تكتشف ما بين سؤال وإجابة، وسهو الخاطر، وزلَّة اللسان، أنهم لا يقولون الحقيقة، بل يُزيِّنون ويُزيِّفون الواقع بادِّعاءات برَّاقة ومزاعم عريضة .

-3-

المسؤول عن المياه بالولاية، وعد مُقدِّمَ البرنامج في حلقة سابقة بالتحقيق في شكاوى مواطني السلمة، وتمليك الحقائق للمُشاهدين .

بعد أسبوع من ذلك الوعد المُتلفز، اتَّصل مُقدِّم البرنامج بمسؤول المياه مستفسراً: (ماذا حدث بخصوص بئر السلمة؟). 

كانت الإجابة مُطوَّلةً دون أن تُضيف جديداً، بين النفي والإثبات.

-4-

المُهمُّ في نهاية المُكالمة، ومع مُلاحقة الطاهر، ادَّعى المسؤول عدم وجود مشكلة في الأساس ولا تُوجد بلاغاتٌ من المُواطنين .

الطاهر فاجأ المسؤول بمُكالمة مع مُواطن من المنطقة، تحدَّث عن تواريخ وأماكن تسجيل البلاغات، واستمرار الوضع على ما هو عليه: (مياه بطعم ورائحة كريهة).

المسؤول بدأ مُسلسل الاعترافات، وأقرَّ بكُلِّ بساطةٍ، بوجود رصاص في هذه البئر، وأنهم عالجوا الأمر (وكل شيء تمام) .

-5-

المُواطن أصابته الدَّهشة، وهو يحمل كوب المياه في يده: (يا أستاذ المويه لسه فيها طعم ورائحة).

المسؤول ينتقل، تحت ضغط الحقائق، من الاعتراف إلى الاعتذار: (حقَّكم علينا، إن شاء الله نعالج موضوع البئر خلال أسبوع).

لو أن بأجهزة الدولة مراصد للتحقُّق من صحَّة أقوال المسؤولين، لما تجرَّأ أحدهم بالكذب.

لو أن كُلَّ مسؤولٍ لقي جزاء تقصيره، حساباً ومعاقبة لانصلح حال البلد، واستقام العود والظل.

نحن بين نموذجين: نموذج لا يستطيع التعبير عن نفسه، والدفاع عن مؤسسته، ونموذج قادر تجميل الواقع . 

-أخيراً-

ثقتي أن المسؤول (العامل فيها حريف ومنضمة)، لن يكون أمامه من خيار الأسبوع القادم، سوى إغلاق هاتفه أو حظر رقم البرنامج؛ فما عجز وتراخى عن إصلاحه خلال أشهر، لن يفلح فيه خلال بضعة أيام .

التعليقات