رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/19

 

كان الوقت بعد العصر بقليل، والشمس تتكئ اتكاءه أخيرة قبل الرحيل.. وكان والدي – بلً الله تربته – يتكئ على يده اليمنى ويحكي لي حكايات مضت. نجلس سويا تحت ظل " تبلدية " مسنة، تمتد جذورها إلى أغوار جبل كردفان عند بوابة المدينة. من خلفنا " الأبيض القديمة" بصخبها وضجيجها وحركتها التي لا تهدأ. وأمامنا، طفلة من قرية قريبة، تغرس أصابعها المتشققة في الرمال، ثم تعدل طرحتها حتى لا تشرد ضفائرها وتعود مرة أخرى لتكمل مهمتها في استخراج ماء "المشيش" الزلال.

هي مساحة من الذكريات، لا أرغب في مغادرتها، لأنها ببساطة تتحدث عن الإنسان السوداني، عبقريته، خصوصيته، تميزه، وطينته النادرة التي تلطخت وتدنست في هذا الزمن بأمر ولاة الأمر. رحل أبي، وما زالت أصداء حكايات تلك العصرية في مخيلتي. كان (أبو حامد) يتحدث عن عظمة السوداني وعزته وكرامته.

قال لي: " ذات مرة.. زمن خريف.. كنت مسافرا إلى زرع لي في مشروع هبيلة.. كنا نركب (لوري) قديم يئن حديده، كلما دخل إلى أحد الخيران.. السماء من فوقنا داكنة بغيومها وحولنا البعوض والحشرات الزاحفة التي تحمل السموم.. وعندما أقبل الليل علينا، هطلت الأمطار حتى غمرت المياه أطراف الوادي، وتعطل اللوري" .

ومضي أبي في الحكي حتى دمعت عيناه وأضاف : " نزل ركاب اللوري، النساء والأطفال والرجال، اتفقوا على المكوث حتى الصباح. أما أنا فقد حملت حقيبتي وعصاتي وانطلقت في الظلام. أدخل في الماء الراكد ثم أخرج وأواصل المسير في الطين والوحل ، وهكذا حتى انقضى الهزيع الأخير من الليل. وأثناء سيري، مررت بقرية صغيرة، فتوقفت عند باب أول بيت، ضربته بعصاتي، فخرج لي رجل رحب بمقدمي، وحمل حقيبتي إلى داخل حوش بيته المتواضع ثم جهز لي فراشا وجلب لي طعاما وتركني لأنام".

" عندما اصبح الصبح، جاءني وايقظني للصلاة، ثم استأذن لفتح دكانه، فأهل القرية يأتون لشراء احتياجاتهم الصباحية.. بعد فترة احضر عصيدة لذيذة ولقيمات ساخنة، وقهوة مضبوط سكرها، اكلنا سويا وتبادلنا الحديث، وعندما أزفت ساعة الرحيل، شكرته، فإذا به يسألني عن اسمي ومن أين أتيت وإلى أين أذهب." يا الله..!! ... يا انسان السودان، أدخل أبي إلى بيته وسمح له بالمبيت على بعد خطوات من أهله وأكرمه ولم يكن يعرف عنه شيئا.. إنها الرجولة الحقة التي يتمتع بها السوداني الأصيل.

وفي واقعة أخرى، حكي لي الفنان التشكيلي الكبير الأستاذ ابراهيم الصلحي – أمد الله في عمره- أنه عندما ذهب في الخمسينيات لنيل دبلوم الفنون الجميلة من جامعة لندن، كان في حاجة الى مسكن واسع بغرفة اضافية ليستخدمها كاستديو، وجد اعلانا لسيدة انجليزية اسمها مسز بلاك فذهب إليها، وبمجرد مشاهدتها لسحنته الأفريقية اعتذرت وقالت له بأن المسكن قد تم استئجاره وهمت بقفل الباب، فوضع رجله  داخل  بيتها مانعا قفل الباب وقال لها أن البرد والمطر في الخارج وطلب منها أن تعرفه كإنسان.. عندما عرفت أنه سوداني، سمحت له بالدخول وكانت العلاقة الطيبة واصبحت من أعز أصدقائه. الحكايات كثيرة التي تؤكد ما ذهبت إليه، وما زالت حكاية الراعي السوداني الأمين تتناقلها مجالس أهل الخليج، وغيرها من الحكايات والمواقف الرجولية التي تحملها أخيلة الناس ولا تجد طريقا إلى الاعلام.

" عم عبدالرحيم"، أو الشخصية السودانية، نالت من اللكمات ما لم تنله أي جنسية عربية أخرى، أرهقته الحياة، فوهن عظمه وانكسرت نظرته وتكسرت نظارته حتى ترنح على أبواب السلطان ولم يجد ما يستحقه من احترام وتقدير. افيقوا يا قوم واتركوا له ما تبقى من سمعة طيبة.

ونلتقي

[email protected]

التعليقات