رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/09/18

   المرجعية للعمل السياسي الديمقراطي هي الدولة الوطنية وهي نتاج مجتمعات غير المجتمعات الدينية والطائفية والهوياتية انها أمة المواطنين بكل تناقضاتهم الدينية والاثنية والعرقية، ولذلك فإن العقد الاجتماعي المؤسس للمشروع الوطني الديمقراطي هو  ملك لكل المواطنين ولا يجب احتكاره في كتل دينية وايديولوجية بل يجب أن تذوب هذه الأبعاد في إطار المشروع الوطني الذي يسع الجميع، أن التركيز على البناء الوطني هو البداية الواثقة لبناء الأمة السودانية تحت شعار نحن الأمة السودانية ضد الاستبداد التاريخي المتراكم، ومع صيانة النظام الوطني الديمقراطي وهذا مدعاة لحراسته من غاشيات الثورات المضادة الداخلية وتحصينه من الاختراقات الخارجية التي تسعى لتوظيف المتناقضات الداخلية لوأد المشروع الوطني الديمقراطي والذي يجب أن يكون من الثوابت الوطنية الكبرى.

العالم العربي في تأثره وترابطه ظل جسما موصلا للثورات منذ ثورة مجتمعاته الأولى ضد الاستعمار،فالحركات والهبات التي انفجرت في مرحلة ما بعد الاستقلال تحت شعارات القومية والاشتراكية الاممية والناصرية والإسلامية كان هدفها وأد الموجة الثاني من ثورات الشعوب  وبواعثها تأسيس نظرية الحكم وإدارة الدولة وصناعة النهضة والحضارة على فلسفة قوامة المجتمع، فبدلا من ان تتوافق هذه التيارات الفكرية والايديولوجية المتناقضة على عمليات البناء الوطني بادي ذي بدء كأولوية وطنية قصوى لتحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي، طفقت في اختزال كل الوطن ومجتمعاته داخل ايديولوجياتها الاحادية، فكانت ثورة يوليو 1952 في مصر، وثورة عبد الكريم قاسم في العراق 1958 ثم انقلاب البعث بقيادة عبد السلام عارف 1963 والثورة الجزائرية التي قادت الاستقلال عام 1962 وثورة القذافي ضد الملكية السنوسية 1969 وانقلابات سوريا منذ انقلاب حسني الزعيم حتى انقلاب البعث عام 1963 وانقلاب النميري في السودان عام 1969 كل هذه الثورات نهضت باسم الديمقراطية والحرية وقوامة الشعوب في الحكم لكنها انتهت إلى أنظمة استبدادية طائفية وفردية مطلقة لأنها ركزت الأولوية على الأيديولوجيا العابرة للحدود  بدلا من التركيز على عمليات البناء الوطني الداخلي، ولذلك كانت هذه الثورات محض ثورات زائفة متجاوزة لإرادة الشعوب وانتهت إلى قهر الشعوب وصناعة دول فاشلة، وتبقى العبرة أن الثورة الوطنية الديمقراطية العميقة يجب أن ينهض بها كل المجتمع فهي ثورة لا دين ولا ايديولوجيا ولا عصبية لها وتكمن العبقرية في توظيف هذه التناقضات لبناء ايديولوجيا الثورة وهي الحرية والديمقراطية ودولة القانون، ولذلك فإن الاندماج في العمل السياسي واتباع قنوات التعاون والتواصل والحوار والتنافس مع تيارات سياسية وفكرية في إطار نموذج ديمقراطي مستنبط من شعارات ايديولوجيا الثورة الوطنية، هذه التفاعلية حتما ستؤثر في الأيديولوجيا الأحادية حتى تتلاشى في المشروع الوطني الديمقراطي الذي يسع الجميع.

ان المشروع الوطني الديمقراطي لا يتشكل من رحم الثورة مباشرة بل من عملية إصلاح وتغيير صبورة ودؤوبة ومستمرة وطالما أن الثورة كبروسيس صناعة توافقية من كل المجتمع والقوى السياسية الوطنية يجب أن تكون هوادي الشراكة والتوافق والإجماع الوطني طويل المدى المرجعية لإدارة المراحل الانتقالية اي الانتقال من نظام وثقافة الاستبداد إلى ثقافة ومأسسة الديمقراطية في المجتمع والأحزاب السياسية وذلك لإنهاء علل وأمراض الاستبداد المتراكمة وتحصينا للمشروع الديمقراطي من خطر الثورة المضادة

 أن غرس المشروع الوطني الديمقراطي يلزمه بناء أحزاب سياسية مرتكزة على هوادي الفكر والبرامج وتداول القيادات وان تكون متحررة من ولاءات الأيديولوجيا العابرة للحدود والطائفية الدينية والسياسية، وان تتفاعل الأحزاب السياسية مع بعضها فكريا وسياسيا لتعميق المشروع الوطني الديمقراطي المستدام

ان المشروع الوطني الديمقراطي يجب أن يستوعب مرتكزات تأسيسية تفضي إلى بناء عقد اجتماعي يستمد مشروعيته ورسوخه  وصيانته من كل المجتمع، وهذا مدعاة لإنهاء الدورة الشريرة التي مازت الحركة السياسية في السودان منذ الاستقلال، وهذه المرتكزات يجب أن تتصدى لغرسها وتعميقها كل القوى السياسية الوطنية وتتبدى في ضرورة غرس ثقافة الوعي الديمقراطي وسط المجتمع لإزالة غياب الوعي المعرفي والعملياتي عن ماهية النموذج الديمقراطي الملائم لواقعنا، ضرورة بناء الموارد المادية والمعنوية الداعمة للمشروع الديمقراطي، واستخلاص البراديغم الديمقراطي الأنسب والهادف لتغيير الثقافة البطركية الموروثة في السياسة السودانية وذلك بغرس ثقافة الوعي الديمقراطي من ادنى وحدة في المجتمع إلى أعلاها.

التعليقات