رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/03/18

  في بعض صباحات الغربة الكئيبة، احتاج إلى موسيقى تبتلعني، وتأخذني إلى فضاءات حالمة، اسبح فيها حتى تتعب أطرافي.. في هذا الصباح كنت اسمع لرائعة الفنان محمد وردي " مرحبا يا شوق" وعندما وصلت إلى مقطع ( يا حبيبا، بت أشكو حرقة الوجد إليه) ومض هاتفي برسالة فيسبوك تقول: (اليوم عيد ميلاد مضوي حامد).. 

يا الله..... 

أحسست في تلك اللحظة بوخزة في القلب وبأني قد وقعت داخل هوة سحيقة.. فشعرت بصدمة الغياب الأخير، تئز جسدي الواهن. ذرفت دمعة وحاولت مكابدة أحزاني ولملمة بقايا الذكريات، والإمساك بصدى ضحكاته لكنني كنت ضعيفا.. 

في دقائق معدودة، مر من أمامي شريط اللحظات الأخيرة من تلك الليلة الحزينة، ووالدي مسجى في بيت (الغالية) ورجال الإسعاف يحاولون إعادة الحياة إلى قلبه الذي عمره بحب الناس وخلق من عروقه أطواق زهر لا تعرف الذبول وقلائد من نور وبلور.. مع غروب شمس ذلك اليوم، الثاني من مارس عام 2015م ، غربت حياته وبقيت أحاديثه وكلماته تعطر مساءاتنا الطويلة. 

رحل " أبوحامد " فجأة.. دونما استئذان، وانطفأت برحيله القناديل وجذوات الأمل ومصابيح الليل في دروبنا.. تراقصت أوراق الأيام فوق الشجرة ثم سقطت..واندلقت قوارير العطور وقناني الياسمين في الدار البعيدة.. وعندما تقرع أجراس الموت، تنفض من حولها أسراب البشر، لكن والدي استقبل الموت في هدوء شديد وسلمه السيف كفارس مغوار، بعدما خاض حروب الحياة بكل شرف، وخرج منتصرا في جميع معاركها.. 

كنت، عندما تلهبني الدنيا بسياطها المؤلمة والجارحة، أهرب إليه ولا أتركه إلا وقد انقشع الضباب ولاح الضياء. كان يشفق على أطفالنا، ويداعب أخيلتهم الصغيرة والبريئة بقصص الحمائم والعصافير وغرائب الخرافات، فأحبوه وافتقدوه.. كان بسيطا حتى في موته، لم يشخ أويرتخي عوده أو يشكو الشيخوخة، وكانت ملامحه تطفو دائما بالسماحة والطيبة. 

أعلم أن الجزع لا يرد ميتا، ولا يدفع حزنا وأن الحزن ينضو عن ابن آدم، كما ينضو صبغ الثوب، ولو بقى على ابن آدم قتله، كما قالت العرب، لكن سلوانا في الصغار.. ويقولون أيضا: (ما مات من ترك خليفته) فما زلت بين كل فترة وأخرى أزور قبره بمقبرة أبوهامور بمدينة الدوحة بمعية أصدقائي، أقرأ الفاتحة وما تيسر من الذكر الحكيم، وأدعو الله أن يحسن مقامه في جنانه الطيبة..

عيد سعيد يا أبي وصديقي..

ونلتقي..

[email protected]

التعليقات