رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/03/27

.

 

هناك فرق

 

"النَّزاهة السياسيَّة ليستْ عَقاراً يُباع في الصَّيدَليات" .. الكاتبة ..!

يُحكى أن أكاديمياً مرموقاً كان قد اختار في شبابه أن يستثمر علمه في جامعة ذائعة الصيت بإحدى الدول الأوروبية، ثم مرَّت الأيام وتعاقبت الفصول على هجرته تلك حتى أدركته الكهولة. وفي إحدى زياراته للخرطوم دخل على أحد زملاء مهنته في مقر عمله، فوجده يشمر عن ساعديه وهو يهم بتناول إفطاره البلدي "عصيدة الذرة وملاح الويكاب" ..!

بعد السلام و"المطايبة" دعاه صديقه إلى أن يشاركه الطعام، فتمنَّع قليلاً قبل أن يهجم بأصابعه على العصيدة اللذيذة. دارت دوائر "الونسة" واستقر بها المُقام في أوان عودته النهائية إلى البلاد، فاختار الضيف أن يدفن مخاوفه الكثيرة، وبينما كان  يفكر في تجميل الأسباب سقطت بضع قطرات من "الملاح اللايوق" على ربطة عنقه الأنيقة – التي كانت باهظة الثمن – فما كان منه إلا أن صاح مخاطباً جليسه في حَنَقٍ عظيم "ما داير أرجع عشان جنس ده" ..! 

بعض مواقف البشر الخطائين لها أسباب حقيقية يعمدون إلى تغليفها بأسباب أخرى "وجيهة"، يفعلون ذلك خوفاً أو ربما طمعاً. تلك الأسباب لا تخضع عادةً لدقة التحليل إن هي لم تبرح إطارها الإجتماعي العفوي، لكن تصريحات السَّاسة لها شأنُ آخر مع ردود أفعال المراقبين وخُلاصات المحللين، ليس لشيء سوى أنها تتحول بعد النَّشر إلى شأنٍ عام ..!

ومن قبيل الشأن العام ذلك الاعتراف المتأخر للسيد أحمد بلال - الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي - بشراكته هو وحزبه في المسئولية عن جملة أخطاء اقترفها حزب المؤتمر الوطني طيلة الأعوام الطويلة الماضية، عزم هو على أن يتحدث عنها بعد أن فارق كرسي الوزارة، مناصحاً حزب المؤتمر الوطني على طريقة "إسمع كلام من يبكيك" ..!

ومن قبيل الشأن العام - أيضاً – ما قال به السيد صلاح كرار في أعقاب تقديم استقالته من عضوية مجلس الولايات، احتجاجاً على قانون الطوارئ، فرئيس الجمهورية – بحسبه – عليه أن "يدرع" لرؤساء الإحزاب الحكم في رقابهم، وبذلك يكون قد وجَّه إليهم ضربةً قاضية ..!

لا شك عندي - وأزعم أن لا شك عندك أيضاً -  في أن لكلٍ من الرجلين أسبابه التاريخية والمستقبلية التي لا تكاد تخفى على أحد، لكنهما اختارا أن تتدثر الدوافع الحقيقية بسرابل الأسباب "الوجيهة"، وإن بقي الغضب الساطع قاسماً مشتركاً بين ماتم التصريح عنه وما خفي وكان – بالبداهة – أعظم ..!

السيد صلاح كرار برَّر حماسته للنصح بأنه كان شريكاً للرئيس في قيام ثورة الإنقاذ الوطني. ثم  دارت الأيام وتمرحل تاريخ تلك العلاقة بين غاضبٍ ومغضوبٍ عليه، ولكن الناس لم يسمعوا للرجل صوت إدانة لأي قرار كان يراه خاطئاً، أيام تقلُّبه في المناصب، أي قبل أن يَغضب .. وكذلك السيد أحمد بلال ..!

ما هو المطلوب من هذا الشَّعب – يا تُرى – أن لا يُعمِل عقله؟! .. أن يَختزل الجفاء حين السُّلطة والإقبال حين زوالها في لحظة غضب من وقوع قطرة "مُلاح" على ربطة عنق؟! .. أن يُصَدِّق مثلاً؟! .. كلا بالطبع ..!

منى أبوزيد

[email protected]

التعليقات