رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/15

 

عقب استيلاءالإسلاميبن علي السلطة قام اليساريون بالتعاون مع التمرد الجنوبي بتحريض سكان الريف  من القبائل الزنجية بأنهم مضطهدون عنصرياً وأنّهم مهمّشون 

وكان لدكتور جون قرنق القدح المعلّي في ذلك 

ودعمه  اليسار الليبرالي العلماني الموتور  الذين كانوا يسعون لإنهاء سيطرة الإسلاميين علي مقاليد الأمور بأي ثمن ولو بسقوط الوطن صريعاً مضرجاً بدمائه لا يهم كثيراً  فالمهم عندهم أن تزال دولة الإسلاميين  

لذا رفدوا الذراع السياسي لجيش التمرد  بكوادرهم المنظمة وجعلوا من  فكرة السودان الجديد هدفاً جذّاباً لكثير من القبائل السودانية في الهامش  شمالاً  وجنوباً .

حتي وقت قريب لم بكن واضحاً ما ذا يعني جون قرنق بالسودان الجديد - ولكن بعد تحريض مجموعات من شباب الفور اليساريين وشباب الزغاوةرمن غضابي الإسلاميين وغيرهم وضح أن جون قرنق كان يلعب علي البطاقة العنصرية لتحقيق مآربه ولإضعاف نظام الإسلاميين وأتبع ذلك بمطالب إلغاء مواد القانون الجنائي المستقاة من الشريعة الإسلامية

 احتفي الحزب الشيوعي والأحزاب العلمانية بهذه الإملاءات أيّما احتفاء وفي المقابل حدث اصطفاف شعبي داعم للقوات المسلحة ومناهض  للعلمانية والصليبية المتصهينة والأفريكانية المتعنصرة العضوض.

ولا تخلو دولة في العالم من اختلال في توزيع الثروة والخدمات إما بسبب تركة التاريخ أو بسبب تباينات بنيوية في هيكل الدولة وتوزيع الثروة والنفوذ في داخلها

 فإذا أخذنا إنجلترا كمثال يسمون التباين في الخدمات والثراء فيها بالpost code lottery أي أنّ هذا التباين المبني علي الرمز البريدي كأنما هو تذكرة يانصيب تجعل من أحدهم مليونيراً بالحظ المطلق وبدون أسباب منطقية 

فنجد جنوب مناطق شرق إنجلترا  قريباً من العاصمة لندن  أشدّ ثراءاً وأكثر نفوذاً وأفضل من ناحية الخدمات مقارنة بمنطقة الشمال أو الشمال الغربي 

ولكن لا يسمي أهل الشمال أو الشمال الغربي بالمهمّشين ولا يرفع أبناء يورك السلاح حتي تصير مدينة هَلْ ضاوية كلندن وبرادفورد بضة كإبْسوِش وتصير إدنبرة غضة كبرايتون.

وإذا سلَّمنا بأن هنالك تهميشاً علي ظهر الأرض  فلعمري هو تهميش دول علي دول وتكويش دول علي ثروات دول أخري 

فدول الشمال الاستعمارية الإمبريالية الغنية في أوروبا وأمريكا الشمالية تستغل  دول الجنوب الفقيرة المتخلّفة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية - وساهمت في إفقار هذه الدول العالم واستغلال مواردها واحتلالها عنوة ومناصرة النخب المتسلطة بعد الاستقلال  وتسليطهم علي  شعوبهم بالحديد والنار والاستبداد وفي المقابل يمكِّن هؤلاء دول الغرب الثرية المتآمرة  من موارد بلدانهم وثرواتها

 ولن تستطيع هذه الشعوب المغلوبة علي أمرها أن تثور ضد المستغلِّين المهمِّشين (بكسر الميم الثانية) لأن أولئك هم أهل الشوكة وصانعوا السلاح والتكنولوجيا والمتصدقون عليهم بفتات الطعام والله غالب علي أمره.

ونحن نستشرف عهد الثورة السودانية الثالثة نرجو أن تجتهد الحكومة المنتخبة في عدالة توزيع الخدمات علي المناطق النائية وربطها بشبكة الطرق الحديثة والعمل علي إنشاء مشاريع التنمية التي سوف تساهم في رفع المستوي الاقتصادي لهذه المناطق ولا ندعوا لإعمال أي نوع من التمييز الإيجابي لأن أي تمييز مبني علي العنصر أو اللون أو الدين هو فعل مرفوض بغض النظر عن محاولة تلطيفه وتوصيفه بالإيجابي أم لا 

 فأي تمييز  بالزيادة يصير بالتقادم حقاً مكتسباً لا يمكن نزعه حتي وإن انتفت أسبابه.

وكذلك نرجو من الحركات العنصرية التي قامت بمحاربة النظام السابق بغرض إسقاطه واستخدمت  دعاوي  التهميش أن تكفَّ عن هذه الدعاوي الباطلة فالتمثيل النيابي العادل والحكم الاتحادي الولائي كفيلان بضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين مع العمل علي معالجة جذور التهميش التي تتمثّل في ضعف مشاريع التنمية وعدم عدالة توزيع الموارد والخدمات

 فقد آن الأوان لتصمت البندقية ويتحدث القرطاس والقلم والمذياع والتلفاز فقد ساهمت هذه الحركات في زعزعة الاستقرار والأمن ونزوح المواطنين وعدم انتظام الخدمات في الريف والهامش الذي قاموا لنصرته مبتدئاً ولكنهم ساهموا في تناسل أزماته وتوالي خيباته

عندما حاول النظام الماضي أن يخلق توازناً في تمثيل قيادات الريف البعيد (الهامش) - سمّي بعض كتّابهم هذه المعالجات والترضيات بالترميز التضليلي واعتبروه رشوة للقيادات حتي تكفَّ عن تحريض البسطاء

 ولكن ما زالت هذه القيادات تزعم لنفسها استحقاقات قيادية في الوظائف المركزية ولا أدري إذا كانت لا زالت تسمّي هذه الحظوات المركزية  ذلك بالترميز التضليلي أم صار هذا بعد الثورة استحقاقاً مباركاً مهدياً ومرضياً وتمييزاً تفضيلياً غير ترميزي أو تضليلي؟

هل سوف تزول آثار التهميش بتولي قيادات الحركات مناصب في المجلس السيادي أم تزول بوجود هذه القيادات وسط أهلهم في ولاياتهم مبشّرين ومنذرين ومعلّمين شعوبهم كيف يزيلوا جذور التهميش

 ويقدمون القدوة  والتحفيز لرجال الأعمال من الإقليم وقادة الخدمة المدنية وأساتذة الجامعات وأبنائهم المقيمين في العاصمة أو  المهاجرين في حواضر العالم الأول في قِبَل الدنيا الأربع أن يعودوا إلي ولاياتهم التي ينتمون لها من أجل تطويرها والارتقاء بها والأخذ بأيدي ضعفائهم من أجل التطوير والتأهيل والاستنارة

التعليقات