رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/18

 

 

في مساءات الشتاء الطويلة، تلفني الذكريات بغبارها الكثيف، وتحملني على أكفها مخفورا إلى تخوم المدينة القديمة.. انيخ راحلتي ويبدأ الدوار، فتنثال العبرات على خدي كما الندى على الشرفات الحزينة. في هذا المساء تحديدا ومع دخول العتمة الأولى في لجة الليل، تعود بي الشجون القديمة إلى حي "تقي" العتيق بمدينة الأبيض.. يقع الحي وسط المدينة، ليس بعيدا عن أسواقها الصاخبة والضاجة بالحياة.. كان للحي ناد رياضي وفريق كرة قدم يلعب لاعبوه الكرة بقلوبهم قبل أقدامهم، أو يسيرون حفاة على الجمر، إذا دعت الضرورة، حتى اصبح النادي مضرب الأمثال في الحماس واللعب الرجولي وصار المثل (الشقي يلاقي تقي)..

 

في ليلة من ليالي الحي العتيق قبل سنوات طوال، جاء إليهم نفر عزيز من مدينة "شندي" لحضور عرس تبارت فيه الحسناوات بجمالهن وحسنهن البديع. علا الغبار المكان، وتزاحم الضيوف وسط الحفل، ثم تعروا من ثيابهم وركزوا للبطان، وقبل أن يخبو الدخان، دخل إلى الحفل مجموعة من الشباب كانوا في طريقهم إلى أطراف المدينة بعد حضور عرض سينمائي.. ودون استئذان رقصوا رقصة "القطر" والتي كانت سائدة في ذلك الزمان، وهي أن يضع كل شاب يده على كتف الآخر، ثم تدور المجموعة في دائرة كالقطر، ما اعتبره ضيوف "شندي" ميوعة وخذلانا.

 

سمع أهل العرس تعليقات الضيوف اللاذعة، فأغضبتهم.. فانبرى صديقي الشاعر الجميل "ناصر قاسم عثمان بريمة" ونظم في اللحظة قصيدته الطويلة العصماء (قطر.. حلتنا) التي لا تسمح المساحة بكتابتها  فاخترت لكم بعض أبياتها :

 

مرحــــب بالكرام من شندي يا أحبابنا

ومرحب بالرجال الوقفو دقو في بابنا

فوق راسنا بنشيلكم لو عزّ ليكو ترابنا

وسلام لي شندي فوق الفيها باقي عَقابنا

 

فرســــان دار جعل نزلتو فينا صِحابنا

ومـــن تال الفراسه ماخدنو نحنا نصِابنا

بس يافوزي خوي بالحيل كلامك أصابنا

وفي عــــِز الــــفرح عظـــــّمت ليـــــنا مصـــابنا

 

كلامك قلتو شين في مرارتو كان علقم

وقبيـــــل كان قالو غيـــــــرك والله مابـــسلم

بس شان رابط صِلاتنا وشان الرحم والدم

قلمـــــــــنا أبا الكتـــــــابه وأظِــــــــنو إتــــــــلجـــــم

 

منو القال ليك عاد بنخافو نحنا بطان ؟

ومنو القال ليك ولادنا بتخوفهم سيطان

ديـــــــل من سِـــــــكتهم بــــتخارج الشيطان

وبفـــــــــتحو صدورهــم للمدفع الرطان

 

وبالحيل يافوزي خوي بالحيل كلامك أصابنا

وفي وسط الفريق في حريمنا في أحبابنا؟

ماتـــزعل من كلامـــي لو جاك هــــسه عـــِتابنا

وإنــــت الإبتـــــديت واللـــيــــله تقـــــــرا كــــتابـــــنا

 

ويــــوم درت البُطان ملوهوها ليك الدَاره

الــــشـــــُفع بشــــّروا وفــــوق حــــلّقـــن صقاّره

إتعـــــــــرّت ضهـــــورنا ودرنـــاها جد الـــحاره

وسمحين لي ضيوفنا بس ما بنرضي حقاره

 

والقطر الشفتو أنت ده ما قطر حِلتنا

وركابـــــو الكانـــو فيـــه لافـــينا لا مِلتنا

ديل عابرين طريق بس نزلو في حِلتنا

وطاب ليهم الغُنا ورقصولنا في حفلتنا

 

وداكا قطرنا شوفو مابتلقي فيه مُخنس

وضعيفنا الهوان بالصوت والبطان بتونس

مافــــينا الجبـــــــان ال للكــــتال بتـــحـــنس

وحاول يوم ركوبو بس أوعي ما تتجرس

 

بعد أن صدح "ناصر" بالبيت الأخير من قصيدته، دب الحماس في القلوب واشتعل اللهيب في الأفئدة الجريحة.. ساد الصمت فجأة ثم تعالت الأصوات واختلطت بزغاريد النساء وأنين الرجال الخفوت كأنين الصواري في بحر الظلمات.. تدافع الجميع إلى وسط الحفل وفي المقدمة النساء، يطلبن فيها جلدهن في سابقة لم يعرفها موطن البطان (ذاااااااااتو)... لم تهدأ النفوس في تلك الليلة إلا بعد أن أدمت السياط ظهور الرجال وابتلت الثياب بالدماء..

 

هي عشية من عشيات المدينة القديمة أردت أن أوثق لها في هذه المساحة

 

ونلتقي..

[email protected]

التعليقات