رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/04/21

 

 

في مساء فرح الوطن. أعود إلى ذكرياتي الشجية، المطمورة عند حوافي النهارات البعيدة التي تسربت من عمري. كنا وقتها صغارا نسكن في حي الرديف في المدينة القديمة بداية السبعينيات.. وأذكر ذات قيلولة ساخنة، اختفت أختي " سعاد"، التي كنت وما زلت أحبها كثيرا.. بحثنا عنها في المنازل القريبة ولا أثر لها.. بكيت وحزنت لفقدانها.. وذهب بي الخيال بعيدا، فتخيلت أن جنيا أعجبه شغبها وحركاتها الطفولية، فأخذها حتى يسلي بها صغاره.. بعد ساعات من الحزن، عثرنا على الشقية الصغيرة في منزل يقع طرف الحي تحتفظ صاحبته بغزال جميل صغير أكحل العينين، تحبه أختي كثيرا. في تلك اللحظة العصيبة عرفت الفرح وقشعريرته..

طوال سنوات عمري، سعدت وفرحت في مناسبات عديدة ومتقطعة، لكن قشعريرة الفرح الأولى في تلك القيلولة، لم تنتابني إلا بالأمس وشباب الوطن يفرحون فرحا كبيرا مضمخا بدماء الشهداء الطاهرة الذين رحلوا إلى الضفة الأخرى من نهر الحياة، وهم يحلمون بوطن تسوده العدالة والحرية والكرامة. ذهبوا،  وتركونا لأحلامنا المخملية، لنغزل من البنفسج أثوابا تغطي فشل الحكومات السابقة وخيبات السنين المتلاحقة، ولننسج من الياسمين أغطية نتدثر بها عند هبوب الريح أو نزول المطر.

لا يكون الفرح فرحا، إلا بعد المعاناة والبؤس والضنك والشقاء، فالمرأة تخوض لحظات ولادة عسيرة واليمة، لكنها تفرح فرحا جنونيا لا حدود له بمجرد خروج طفلها إلى النور والحياة. عانى شبابنا من العطالة ومن لحظات المخاض كثيرا وسدت في وجوههم الأبواب. حتى جاءت فرحة النصر وهي تحمل تحت إهابها الفرص الذهبية لبناء الوطن الجديد الذي حلموا به (يوماتي).. حانت الفرصة للوجوه القديمة أن تترجل وتفسح الطريق للشباب، فقد انحنت ظهورهم وتقوست طوال سنوات الانقاذ ولم يعد في العمر ما يسمح بإعادة الفشل.

في هذه اللحظة، اشتقت لأصوات الماكينات وهي تدور بقوة في المصانع ومناطق الانتاج .. حملني الحنين الجارف إلى أصوات الرجال اصحاب السواعد السمر والطواقي الحمر وهم يتغنون تحت ضوء القمر في مواسم الحصاد، فقد تأذت مسامعنا كثيرا من أصوات الرصاص والحرب. أتعشم في مساء الفرح للإنصات لصرير الأقلام فوق الأوراق وهي تكتب بمداد العزة التاريخ الحديث لسوداننا الحبيب، فنحن ذاهبون والوطن باق.

في غمرة الفرح، لا تنسوا أن للقطة تسع أرواح، كما يقول المثل الانجليزي، خاصة القطط السمان.

ونلتقي..

 

التعليقات