رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/10/19

فيما أرى

 

 

1

قدمت ندوة شاتام هاوس منتدها الأخير المنعقد في الخرطوم تقريرها الختامي لجهودها المتواصلة في التقصي حول أوضاع الاقتصاد السوداني، وقد شارك خبراء من مشارب ومدارس اقتصادية مختلفة بتقديم أطروحاتهم ورؤاهم حول كيفية الخروج من المأزق الاقتصادي، وكان ذلك قبل سقوط نظام البشير، وامتد الجهد إلى ما بعد تلك الفترة واختتم بندوة الثالث من أكتوبر الحالي والتي انعقدت في الخرطوم.

سأحاول خلال هذه المقالات مناقشه ثلاث قضايا تناولها التقرير تستحق التوقف عندها، إلا أن ذلك لا ينتقص من قيمة الجهد الكبير الذي بُذل والمعلومات التي قدمت والنقاشات الثرة التي شهدتها المداولات.

2

 القضية الأولى التي تناولها التقرير في أكثر من زواية هي قضية الدعم قائلا: (نظام الدعم القائم حالياً يُمثِّل استنزافاً كبيراً للعائدات العامة، ويستفيد منه المواطنون الأثرياء وهو يُشجّع الفساد، في حين أنه أيضاً وسيلة غير كفؤةٍ لمساعدة أفقر أفراد المجتمع، بالدعم يُقلّص الموارد المتاحة للإنفاق الاجتماعي والاستثمار في المستقبل كما يحفِّز الصادرات غير الرسمية إلى البلدان المجاورة. كذلك ستكون هناك حاجة إلى عملية تدريجية لإصلاح الدعم من أجل التخفيف من تأثير صدمات الأسعار الناجمة عن إلغائه؛ وقد تكون إحدى الطرق الممكنة للمضيّ إنشاء نظام تسعير من مستويين للمواد الغذائية الأساسية مثل الخبز، بهدف حماية الفئات الأكثر ضعفاً، رغم أن هذا يحتاج إلى مزيد من الدراسة التفصيلية. ويتعيَّن على الحكومة السودانية، كإشارة على نواياها، أن تبدأ بفرض تدابير تقشفية على نفسها – عن طريق تقليص المكافآت الوزارية وتكاليف السفر والاحتفالات العامة الباهظة، على سبيل المثال – في أثناء تحويط الإنفاق التنموي). وأشار التقرير في زاوية أخرى إلى الضغوط السياسية المتوقعة حال التخلي عن دعم السلع.

3

الحقيقة أن مسألة الدعم التي حيرت الجميع؛ بحاجة لجهد أكثر إبداعا مما قدمه التقرير فلقد حاول النظام السابق تجريب كل ما طرح من حلول في التقرير ولم تجد، فالبرنامج الخماسي جرب سحب الدعم تدريجيا وبالفعل ارتفع سعر الرغيف وتراجع وزنه وفي ذات الوقت كان الدعم الحكومي يزداد يوميا وذلك بسبب تدهور قيمة الجنيه السوداني. حاول النظام السابق ممارسة خدعة بإعلانه أن الأموال المسحوبة من الدعم ستذهب إلى الإنتاج مباشرة الشيء الذي لم يحدث بسبب عجز الميزانية المتسع سنويا، حاول النظام السابق أيضا بيع فكرة التقشف فقام بإجراءات شكلية في تخفيض البعثات الدبلوماسية وتخفيض عدد الوزارات وكل ذلك لم يحدث أي تغيير والسبب ـ إلى جانب عدم الجدية ـ يعود إلى تدهور أوضاع الاقتصاد الكلي والعجز بالموازنة. الآن لم يتغير شيء ولن يتغير قريبا فلا يمكن تجريب السياسات المجربة الفاشله ذاتها. أما فكرة سحب الدعم وإبداله بدعم مباشر فهي فكرة حالمة وخادعة وغير قابلة للتحقق إلا أن تكون مدخلا للتخلي عن الدعم بطريقة ملتوية ستكون نتائجها وخيمة.

التقرير يقر ضرورة رفع الدعم ولكنه لم يحدد وقتا مناسبا بينما حدد السيد وزير المالية الفترة بستة شهور. من الأفضل للحكومة الجديدة الآن التخلي عن فكرة سحب الدعم على الأقل لمدة عام أو عامين لحين استقرار الأوضاع الاقتصادية كلها ثم التفكير في مخرج، إنه من الجنون السياسي اتخاذ أي خطوة لرفع الدعم الآن. في الختام لم أفهم لماذا تجنب كاتبو التقرير تحديد حجم الدعم الذي تقدمه الحكومة للسلع.!!

التعليقات