رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/11/12

الصيحة 

"نحنُ أدْرَى وقَد سألنا بنجدٍ أطويلٌ طريقُنا أم يَطولُ .. وكثيرٌ من الُّسؤالِ اشتياقٌ وكثيرٌ من رَدِّه تَعليلُ" .. أبو الطيب المتنبي ..!

لوالدي - حفطه الله - حكاية طريفة يعود تاريخها إلى أيام عمله في مهنة للتدريس بمدينة عطبرة، لا يبخل علينا بتكرارها كلما سنحت لذلك سانحة. كان لوالدي الذي قَدِم إلى مدينة عطبرة من قرية "أوربي" بشمال السودان، صديق وزميل مهنة وشريك مسكن، كان قادما هو أيضا من قرية تقبع في الضفة الغربية لنهر النيل. وكان المُعلِّمان الشابان قد اتفقا ذات يوم على شراء زجاجة عطر من محل "الطير الأبيض" الذي كان متجراً ذائع الصيت بمدينة عطبرة. ولأن أهل القرى في بلادنا كانوا يطلقون كلمة "بخاخ" على كل صنوف العطر فقد طلبا من صاحب المحل أن يبيعهما "بخاخاً"، ففعل الرجل - بكل سرور - ..!

 في الصباح، وهما يستقبلان يوماً صحواً سارع والدي وصديقه إلى إكمال هندامهما بنفحاتٍ من ذلك العطر الجديد، ولم تُثنهما تلك الرائحة النفاذة التي كانت تختلط ببعض العبير عند "البخ"، فظلَّا ينثران الرذاذ المُعَطَّر على ملابسهما حتى خَرَّ بعض الذباب صريعاً تحت أقدامها. وحينما تساءل صديق والدي عن نوع ذلك العطر الذي يقتل الذباب حَمَل والدي علبة البخاخ وما أن ألقى نظرةً فاحصةً عليها حتى صاح ضاحكاً، ثم ناوَلها صديقه الذي ضحك – بدوره – وهو يقرأ جملة "قاتل الحشرات المُعطَّر" التي كانت مكتوبةً عليها بحروفٍ إنجليزيةٍ أنيقة..!

تذكَّرتُ كيف شَغَلَ التفكير الرَّغائبي - باقتناء زجاجة عطر - والدي وصديقه عن قراءة المكتوب على علبة البخاخ تلك، وكيف صرفهما اعتيادهما على إطلاق كلمة "بخاخ" على كل زجاجة عطر عن التفكير باحتمال أن لا يفهم البائع مقصدهما فيبيعهما شيئاً آخر – تَذَكَّرْتُ هذا – وأنا أقرأ ما تواتر في صحف الخرطوم الصادرة ليوم أمس عن إشادة رئاسة الجمهورية بمبادرة تشكيل "حكومة الكفاءات الانتقالية" التي دفعت بها جامعة الخرطوم عبر منبرها للحوار والسياسات، بُغية إيجاد "حلول ومعالجات للوضع الراهن الذي تشهده البلاد" ..!

أما لماذا تذكَّرتُ زجاجة البخَّاخ – والذكرى تنفع المؤمنين - فلأن لنجاح حكومة الكفاءات ظروفاً موضوعيةً لا تخفى على أحد، أوَّلها وأوْلاها أن لا تختلط سموم الدولة العميقة بعطر حكومة الكفاءات في علبة "بخاخ" واحدة، كلَّما رَجَّت سوائل سلطتها وتطاير رذاذ قراراتها تساقطت مشاريعها الإصلاحية تحت أقدام مصلحيها الأكفاء  ..! 

وأما لماذا – أيضاً - فلأن  ذات السبب يكمن في الإجابة على السؤال التاريخي الآتي: "لماذا قدَّم رئيس الوزراء التونسي السابق "حمادي الجبالي" استقالته قبل سنوات مضت بعد فشله في تشكيل حكومة كفاءات"؟! .. لأن الأغلبية العظمى من الشعب التونسي اعتبرت مبادرة حكومة الكفاءات تلك حيلة لصرف الأنظار عن قضية مقتل السياسي المعارض "شكري بلعيد"، التي تقاعست السلطات عن إعلان أي نتائج مشجعة للتحقيق فيها. فضلاً عن خسارة الجبالي لصراعه مع صقور حزبه الذي ظل مهيمناً على الائتلاف الحاكم .!

والآن، أرجو أن تَتَّفق معي على أننا نحتاج دوماً لقراءة ثانية لذات الجمل المكتوبة على "عُلَب البخَّاخ"، عَلَّنا لا نرى ما كنَّا نَتَوهَّم – أو نتوَسَّم - أننا نراه، بوازعٍ من تفكيرنا الرغائبي. أعظم المشاريع.

الوطنية تهزمها بعض سواعد التنفيذ، ويطيش صوابها لؤم بعض المعاول، فهل – يا ترى – من مُذَّكِر ..؟!

[email protected]

التعليقات