رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/04/22

حاطب ليل

(1)

كان يُمكن ألا يكون الاقتصاد السوداني مدولراً بهذه الدرجة وهذه من الدولار، بمعنى كان يُمكن ألا يكون الدولار اسماً في حياتنا كما هو اليوم، فالدولار اليوم أصبح سيدنا وسيد سيدنا، يَشَرِّق بنا ويَغَرِّب بنا ويفعل بنا الأفاعيل (أصبحت أقدارنا في إيده)، بينما إلى مطلع الثمانينات لم يكن الدولار مُشكِّلاً أيِّ دَورٍ في حياتنا، ومُعظم أهل السودان لا يعرف له أيِّ سطوة..!

ويبقى السؤال، كيف ومتى أصبح هذا الدولار المُتحكِّم فينا؟؛ بالطبع لا يُمكن الإجابة على هذا السؤال في هذا الحيِّز الضيِّق، ولكن المُؤكّد أنّ هذا الدولار لم يغزونا بالسلاح، إنّما خطل وبؤس السِّياسات الاقتصاديّة التي اتّبعناها هي التي سلمت ذقننا لهذا الأخضر الأصلع وهذه بدأت من العام 1975 عندما قبل السودان أول روشتة لصندوق النقد الدولي وتزامن مع ذلك غزو الرغيف الى قلب المائدة السودانية بعد ان كان على طرفها مثل الفاكهة، وتزامن مع ذلك تراجع أسعار الصادر السوداني (القطن) وعدم اللجوء لبديلٍ، ثُمّ ارتفاع أسعار النفط العالمية مع ظهور الاغتراب كمصدر للدخل القومي والخاص، ولو حبانا الله يومها باقتصاديين حقيقيين، لكانت هناك سياسات تُقاوم تلك المُستجدات، ولكن أفنديتنا سلّمونا للصندوق إيّـاه!

(2)

أهَـا جَـات الإنقاذ وكمّلت النّاقصة، فبعد أن كانت الدولرة تَسِير بمُتواليةٍ عدديةٍ، أصبح سيرها بمُتواليةٍ هندسيةٍ لسببين موضوعي وإجرائي، فالموضوعي أن الإنقاذ أهملت الإنتاج الزراعي والحيواني وعن قصدٍ وهذه قصة أخرى، واتّجهت الى التعدين، فكان البترول ثُمّ الذهب، ولم تسخّر عائد البترول لتطوير إمكانَات البلاد الزراعية، إنّما  بعزقته عن قصدٍ وهذه قصة ثانية، تسبّب فيها السبب الإجرائي، وهو أنّ الذين تَولّوا أمر الاقتصاد في الإنقاذ كانوا صَيارفة ولم يكونوا اقتصاديين، فأصبح الدولار هو الهَدف وهو الآمر والناهي.!

فالتمكين عن طريق الدولار هو الأسرع، وفي نفس الوقت هو الأسرع كذلك في الإفقار فكَـان ما كَـان! 

(3)

أهَـا اليوم العلينا دا، تمكّن الدولار من خَنق وتَفطيس جنيهنا السُّوداني وأصبحت قيمته في مَهَـبّ الرِّيـح, فأيِّ تَعَافٍ لا بُدّ من أن يبدأ من هذا الجنيه المنكوب، وأيِّ عملٍ غير ذلك يُعتبر حرثاً في البحر، إلا قُـل لي بربك ماذا تُفسِّر ميزانية سنوية يبدأ انهيارها من أول يوم في تطبيقها؟ فميزانية عام 2019 التي مضى عليها شهرٌ وثلاثة أيّام لَم يَعد لَهَا وُجُودٌ من أوّلِ يَومٍ، لأنّ سعر الدولار الذي أقَـرّته آلية السُّوق 47 جنيهاً ونصف، أصبح ذكريات فارتبكت كُل الحِسَابَات فتوقّف الصّادر، وأصبحت المَحاصيل الناتجة من الخريف النّاجح تَئنُ في مَخَازِنَها، لا بَل بعضها ظَلّ في سنبله وتضاعف منصرف الدولة وبالتالي زاد العجز وتضاعف دَعم الدقيق والوقود وزادت سُرعة دوران الدائرة الخبيثة! 

(4)

في تقديرنا، إنّه لن يكون هناك إصلاحٌ اقتصاديٌّ أو ميزانيةٌ ثابتةٌ أو تخطيطٌ لمدة أربعة وعشرين ساعة ما لم تنقطع الدائرة الخبيثة لتمضي الأموال في خَطٍ مُستقيمٍ وهذا يبدأ بتعافي هذا الجنيه وخُرُوجه من غُرفة العناية المُكثّفة، ويَنبغي أن يَتوجّه كل جُهد لهذا الأمر.!

وهنا تترى الأسئلة وتبرز التساؤلات ما هو المطلوب لتعافي هذا الجنيه؟ هناك بُعدٌ سياسيٌّ دُون شَك يتمثّل في الإصلاح الداخلي والعلاقة مع الخارج، أما اقتصاديّاً ينطرح السُّؤال هل هُناك إمكانيةٌ لودائع مليارية؟ ثُمّ ندلف للداخل لماذا لم تعمل الحكومة لخفض منصرفاتها؟!

ثَمـة سُـؤال مُهـم، الأموال السُّودانية في الخارج التي تُقدّر بمليارات الدولارات هل من سَبِيلٍ لعودتها إلى حظيرة الداخل؟ ولعلّ هذا هو بيت القصيد، لا بل هو المَخرج الأسرع.. وأنا ما بفسِّر وإنتَ ما تَقَصِّر..!!

التعليقات