رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2018/04/25

قدر لي ان اتغرب عن وطني وان أعيش مثل كثير من أبناء بلدي متنقلا في بلاد الغربه، تارة بحثا عن العلم و المعرفه، و اخرى سعيا وراء الرزق. كانت كل تجربة خضتها تحمل طعما مختلفا و نكهة مميزه. لكني ظللت احمل هم الوطن، حاولت كثيرا المقارنه بين المجتمع الذي أعيش فيه و المجتمع الذي خرجت منه. ظل السؤال الذي يشغل بالي منذ غادرت ارض الوطن : "أين الخلل؟ لماذا نجحت الامم من حولنا، وكان نصيبنا التراجع و الفشل؟".

لا اُذيع سرا ان قلت ان تجربة العيش و الدراسه و العمل في امريكا هي التجربة الأميز بين كل التجارب التي خضتها. هذه البلاد تضع بصمتها فيك (شئت ام أبيت)، لكنها تجبرك على إحترامها. تأتي اليها وأنت مبرمج على نظرية المؤامره التي تربينا عليها، لا يخالجك أدنى شك انها سبب البلاء الذي اصابنا، وأنها تتربص بِنَا ليل نهار. لكنك مع مرور الأيام تتبدى لك حقائق اخرى، حقائق لا يستوعبها من لم يعش التجربه. هذه الحقائق الجديده تجعلك تعيد حساباتك و تفتح لك آفاقا جديدة للتفكير و التأمل. 

لم يعد سؤال "أين الخلل" هو فقط ما يستحوذ على تفكيري، لقد أخذت القائمة في التوسع، حتى اصبحت مشغولا بسؤال "كيف اكتسب هؤلاء قيم العمل و العدل و احترام الاخر؟ هل هي عطية ربانيه، ام انها خصال مكتسبة”. عنّ لي ان أدخل في حوار مع مختلف قطاعات المجتمع سعيا وراء فهمه و تحليله، أخذت  اقضي أوقاتا طويله في استاربكس (القهوة المشهوره التي يعشقها الامريكان، و يرتادها كبار السن من المعاشيين للمسامرة و القراءه) أحاور و أناقش كبار السن، مستفيدا من خبراتهم و معارفهم، و مستغلا الفراغ الذي يعيش فيه معظمهم.  كما انني عملت سائقا لسيارات الأجره (تاكسي درايفر) فترة دراستي فوق الجامعيه، وهو ما أتاح لي ان اتعامل مع كثير من شرائح المجتمع. كنت حريصا كل الحرص على تجاذب أطراف الحديث مع زبائني و طرح الأسئلة و الاستفسارات عليهم (و غالبا ما كانوا يتجاوبون معي و يستمتعون بأسئلتي و ملاحظاتي، بل ان كثيرا منهم كان يعبر عن سعادته بالحوار من خلال البقشيش المحترم الذي كانوا يضيفونه الى تكلفة المشوار). ربما لن يصدق القارئ كمية و نوعية الحوارات التي أجريتها، أتيح لي ان أحاور اساتذة جامعات، رجال اعمال، رجال دين، سياسيين، نجوم هوليود، رياضيين، ربات بيوت، ملحدين، يهود، شواذ، بل ان القائمة تشمل تجار مخدرات و بعضا ممن يمارسون أنشطة يمنعها القانون. لاشك انني ممتن جدا لكل هؤلاء، لقد استفدت كثيرا من حواراتي معهم، لم يكن بوسعي لولا انفتاحي عليهم ان استوعب ملامح المجتمع و أتبين ثقافته و اكتشف أمزجته.  

في خضم محاولاتي إيجاد خيوط لفك طلاسم المجتمع الغربي، وقفت على حديث نبوي شريف، مثل لي هذا الحديث مفتاحا جوهريا لما ورد فيه من وصف دقيق لأهل الغرب. ورد في صحيح مسلم وغيره عن موسى بن علي عن أبيه قال قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال له عمرو أبصر ما تقول، قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.

من واقع تجربتي الشخصيه، تبين لي ان ساستنا و علماءنا و مفكرينا يعرفون القليل عن المجتمع الامريكي، و ان ثقافتهم هي ثقافة سماعيه لا تستند الى دراسة ولا تتسلح بتحليل، وهو ما يدفعهم للتساهل في إصدار الأحكام و تعميم الانطباعات السالبة عن الحكومه الامريكيه على كافة قطاعات المجتمع (وهذا منهج عوام).

 في الحلقات القادمة سوف استعرض معكم تجربتي مع المجتمع الامريكي، محاولا تلخيص حواراتي المطلوله و تأملاتي الذاتيه.

هيوستن

التعليقات