رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/06/27

 

تتشكل الذهنية الفرعونية نتيجة تراكم الفساد والاستبداد والاحادية في الحكم (فاستخف قومه فاطاعوه) والنتيجة الحتمية لهكذا عقلية هي فسادا سياسيا( أن فرعون علا في الأرض ) ،وفسادا اجتماعيا وهوياتيا( وجعل أهلها شيعا ) وفسادا اقتصاديا ( أوليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)، والمحصلة النهائية، فسادا عقديا ( فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى)، وعندها لابد لناموس التغيير والتدافع التاريخي أن يتحرك  لمعالجة هذا الاختلال الكوني، والفساد الكلي في الحياة ،لكن عبر سنة التغيير السلمي والفكري طمعا ان تتحول هذه الطاقات السالبة في مسيرة اوبة وتوبة دينية ووطنية ( اذهبا إلى فرعون أنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) ولكن الذهنية الفرعونية هي هي عبر التاريخ، تتعاطى مع عمليات التغيير والإصلاح بالاستخفاف والاستعلاء ( ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين)، بل وتبعد النجعة في طغيانها وعنادها ( ولئن اتخذت الها غير لاجعلنك من المسجونين) ،ولأن سنن التدافع بين قيم الفضيلة والشر مستمرة ينبغي لقوى التغيير والإصلاح أن تسفر عن مشروعها وهواديها في التغيير ( أولو جئتك بشي مبين) وكما تعلمون فإن مشاريع الاستبداد عبر التاريخ لا تقوى على المنازلة الفكرية ومنطق السياسة والعقلانية حتى لو انعطف بعض العقلاء والانتجلنسيا من حراس مشروع المستبد نحو التغيير والإصلاح ( لن نوثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما انت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)، والعلة تكمن ان النظام الاستبدادي يرى أن حركة التغيير الراشدة والناهضة هي في حد ذاتها فساد عظيم ينبغي زوالها ووأدها بالقوة، وهذا قمة الإنكار والعزلة الشعورية( ان هذا لكبيركم الذي علمكم السحر ) ،وإزاء هذا التصلب والتكلس، تنسد أبواب الحوار والتدافع السلمي، ويلجأ المستبد إلى العقلية الأمنية المنكفئة ، ولكن لابد لمشروع التغيير أن يمضي حتى نهاياته الحتمية والاخلاقية ،زوالا واسقاطا لمشروع الاستبداد الفاسد، وقياما لدولة العدل والقانون، وتبقى مع المستبد مجموعات مصالح وانتهازيين وهكذا هم عبر التاريخ وفي تراتبية قرآنية ( ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) 

 

ولأن الفرعونية حالة ذهنية وسلوكية تتكرر جيلا بعد جيل

 فقد جرت السنن التاريخية ألا تتحول ذهنية  الظاهرة الفرعونية ويتغير سلوكها ايجابا عبر الحوار البناء لتوظف ذات الطاقات السالبة إلى محمولات قيمية وسلوكية إيجابية، وفي ثوب قشيب ومتجدد لقيادة ثورة التغيير الشامل وصناعة الحياة على هدي الدين وقيم وثقافة المجتمع والمحددات الوطنية، رغم أن هذه الآلية تعد الانجع والمثالية في صناعة التغيير وتقود إلى حالة هبوط آمن تعصم الدولة والمجتمع من الفتنة الجانحة والمدمرة، ولكن شهوة الفرعون التسلطية ونزعته الجامحة للاستمرار في الحكم وربط مصير الأمة والدولة والمجتمع بمصيره، وتزيين الانتهازيين له بأن تنحيه أو تصديه لقيادة حراك التغيير  والإصلاح بوعي استراتيجي يحقق به التحولات الوطنية والقيمية الكبرى في كل مساقات الحياة ،ومسارات مؤسسات الدولة، تعني ذهاب عضم الدولة وانهيارها وهنا تتيبس الذهنية الفرعونية وتتلبسها الحالة القروسطية ( تسألونني عن الدولة وأنا الدولة) وهنا تبلغ الذهنية الفرعونية ذروتها في الفساد والاستبداد والطغيان

 

 وعندها لابد من نهوض قيادة جديدة تتصدى للمهام التاريخية في التغيير ،وهكذا هي ثورة التغيير التي من شأنها إنهاء حالة بطركية متراكمة، وأحداث تحولات بنيوية عميقة  فهي لاتنفجر نتيجة الظلم الذي يأخذ شكل انتفاضات وهبات صغيرة ثم تتلاشى، بل تنهض نتيجة الوعي بالظلم وضرورة أن يتنزل ويتعمق هذا الوعي راسيا وافقيا في كل طبقات وفئات المجتمع، وضرورة نهوض وبروز قيادة فكرية وسياسية بمواصفات شخصية وكارزمية ملهمة ومحفزة للمجتمع،تحركه وتدفعه في تلاحم ،وكتل بشرية نحو غايات التغيير ، وعندها تتشكل اللحظة التاريخية للتغيير وفيها يتجاوز عزم وإرادة الشعوب أدوات نظام الاستبداد والقهر ، وفيها لا يركن المجتمع مجازا على لسان المثقفين وموحيا في ذهنية نقاد الأنظمة بل تغدو الثورة واقعا عينيا لها تجليات وحراك ولونية مائزة ولها دم وعرق ، لان الطريق لتحقيق الغايات الأخلاقية والقيمية والوطنية ليس مفروشا بالورود، ولأن مشروع دولة الفساد والاستبداد الفرعوني، قد توطن وترسخ بالدم والقتل والقهر وهذه أدواته في مواجهة مشروع قوى التغيير والخلاص، ولذلك لابد من لحظة مواجهة ونزال حاسم مع هذا المشروع التسلطي ، وهنا تتجلى العبقرية في ابتداع واجتراح مشروع تغيير وطني وسلمي شامل، يتحقق فيه الإجماع،ويحشد الطاقات، ويحاصر أجهزة الاستبداد في أضيق دائرة فوقية معزولة عن نبض وحس المجتمع، ويجتذب كل المجموعات والمؤسسات التي تسربت من نظام الاستبداد ويوظفها في مشروع الخلاص الوطني، وذلك لتخفيف حدة المواجهة والمنازلة حتى لا تقود إلى فوضى ماحقة تستأصل شافة الدولة، وتحول دون الانزلاق في أتون الفوضى والاحتراب المجتمعي، وحتما كما تلاشى مشروع الفرعون الأكبر ستتلاشى كل مشاريع الفراعنة الجدد والمعاصرين لأنها مشاريع تتناقض مع البدهيات الكونية والأخلاقية والعدالة الربانية

التعليقات