رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/09/18

 

عثمان جلال

فلسفة التحرير الاقتصادي ترتكز على معادلة أن الإنسان والمجتمع هما  الأصل في صناعة الحياة بكل ضروبها السياسية والاقتصادية والثقافية والنهضوية والحضارية وعمودها الإنسان الحر ، والوعي الديمقراطي في العالم الغربي ترسخ مع نهضة الاقتصاد الخاص للمجتمعات الحرة والمشاركة بفاعلية في بروسيس البناء الوطني ، والثورات السياسية الكبرى في الغرب قادتها المجتمعات ذات الكسب الحر والمجتمع الارشد هو الذي يحصر وظائف السلطة فوقيا في ما لا سبيل إليه إلا من طريقها ويوسع ويعمق وظائف المجتمع بكل ما يمكن  لان ذلك ينم ان الحياة يديرها وينظمها ويصنعها المجتمع.

 والتحرير الاقتصادي  في الغرب نهض في مناخات الحرية والتنوير وانتفاضات الشعوب الأوربية ضد الاقطاع والسلطة البطركية الأبوية، ولكن معادلة الحكم  في العالم الثالث ظلت على اختلالها منذ خروج الاستعمار حيث صعدت للحكم أنظمة استبدادية كرست لبناء مؤسسات الاستبداد السياسي والاقتصادي والأمني لحماية أنظمتها ، وتنافرت العلاقات بين المجتمع ومؤسسات الحكم ولكي تضمن هذه الأنظمة الاستبدادية استمراريتها في الحكم لجأت إلى إسكات مجتمعاتها بتوفير الخدمات ومشاريع التنمية ولأن المعادلة المختلة في فلسفة الحكم والاقتصاد ستؤدي إلى نتائج مختلة، أفضت معادلة الاستمرار في الحكم مقابل الخدمات إلى تدجين المجتمعات وتخريب الاقتصاد نتيجة تناسل الطبقات الطفيلية الفاسدة وتفاقم تناقضات المنظومات الحاكمة واي اتجاهات لمحاربة الفساد وإصلاح التخريب الاقتصادي الذي حاق بأبنية مؤسسات الدولة والحكم من داخل ذات العقلية والمنظومة الاستبدادية التي اوصلتنا لهذه النهايات  التراجيدية تعني تفاقم للأزمة وتوليد لطبقة طفيلية فاسدة مرة أخرى ولذلك فإن المطلوب ليس تحريرا في سعر الصرف يؤدي إلى إصلاح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني بل المطلوب هو تحرير سياسي يفضي إلى عقد اجتماعي جديد ينظم أصوله السياسية والدستورية والاقتصادية المجتمع الفاعل والانسان الحر المتحرر من إي قيود 

وسياسات التحرير الاقتصادي التي تنادي بها حاليا النخبة الحاكمة في السودان لا تهدف إلى إنهاء حالة الهيمنة التاريخية لمنظومة مؤسسات الاستبداد الوطئة باثقالها على المجتمع وتكريس هيمنة مؤسسات المجتمع، لان تنزيل هذه الرؤية بوعي استراتيجي تعني تمكين المجتمع من الحكم ، وانهاء نظام الاستبداد ،، وهذه كانت رؤية الحركة الإسلامية في التغيير السياسي ولكن كعب الاخيل ان هذه الرؤية لم تنهض في ظل ثورة حقيقية أساسها الإنسان والمجتمع ثم تطورت وتنزلت هواديها في بنية الحياة واطر المؤسسات وفق سنة التدافع مع شركاء الوطن بكل تناقضاتهم الفكرية والسياسية ولم تتفاعل في ظل مناخات الحرية والديمقراطية،  ثم ترسخت في مؤسسات الدولة والحكم كرؤية ونظرية وطنية متماسكة ومستمرة في الحكم  ، ولكنها جاءت كرؤية أحادية ضمن معادلة الانقلاب العسكري في يونيو 1989 ،، والاستدراك الاستراتيجي لهذه الرؤية كيف يمكن تحقيق قوامة المجتمع في الحكم وفق رؤية أحادية وفي ظل نظام استبدادي قهري هدفه الاستراتيجي تأمين ذاته من ذات المجتمع الذي يهدف إلى تمكينه في معادلة الحكم لإنهاء ما يعرف بدولة وموسسات الهيمنة التاريخية والتي أفرزت ما يعرف بالدولة الوطنية المتفاقمة النمو لأنها ظلت في حالة تناقضات داخلية وتعازل وبينونة مستمرة بينها وبين المجتمع أفرزت كل الأزمات السياسية والاقتصادية والهوياتية الحدية وأفضت إلى ( صراع الضعفاء المثال حاليا) ونتائجه كما تعلمون أنظمة سياسية متعاقبة هشة وضعيفة لا توظف أدوات الدولة القهرية إلا ضد شعبها وانسانها. فأي تحرير اقتصادي في ظل نظام أحادي استبدادي يعني إعادة تدوير لأزمات نظام الاستبداد

وعودا على بدء فإن رؤية الحركة الإسلامية في التغيير السياسي والاقتصادي تلاشت وتم وأدها من ذات الذهنية السياسية الحاكمة حاليا انا أعني ذهنية بنية ومنظومة متكاملة وليس شخصا بعينه لأن هذه الذهنية كانت تدرك أن إنفاذ هذه الرؤية يعني ذهابها وفق سنة التدوير وقانون التداول السياسي للحكم 

إن الذهنية السياسية الحاكمة في تعاطيها مع فلسفة التحرير الاقتصادي لا تهدف كما ذكرت إلى تمكين وتعميق قوامة المجتمع في الحكم والنهضة وصناعة الحضارة بل تهدف إلى تحصين ذاتها في الحكم وتقوية مؤسساتها الأمنية والاقتصادية والاستبدادية وإضعاف وانهاك وقهر المجتمع، وبناء ذهنية ثقافية لهذه المؤسسات القهرية تجعلها في حالة صراع وصدام مستمر مع المجتمع، والمعادلة النهائية لهكذا صراع يعني تدمير المؤسسات القهرية وتدمير المجتمع وتفكيك وانهيار الدولة ولذلك فإن استمرار هذه الذهنية والبنية في الحكم يعني تعميق أزمة البناء الوطني ، لذلك ينبغي ان يكون الشعار الوطني الاستراتيجي المرفوع  هو التحرير السياسي أولا تحريرا هدفه إنهاء الذهنية الأحادية  في الحكم وبناء دولة التعاقد الاجتماعي والعدالة، تحريرا سياسيا يصنعه المجتمع ويبني كل مؤسساته المجتمع الحر والطليق ، فالحرية والاستقرار السياسي هما الشرطان الاساسيان للتنمية والنهضة الحضارية.

 

التعليقات