رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/10/20

للعطر افتضاح

* كان بمقدور المجلس العسكري أن يحقق مكسباً سياسياً محدوداً، يُقلِّص به خسائر مهولة، نتجت عن قرار حجب خدمة الإنترنت، لو استبق المحكمة، وأمر بإعادة الخدمة قبل صدور الحكم القضائي الذي أجبره على إلغاء قرارٍ كارثيٍ، يصعب حصر خسائره الفادحة.

* تضررت خزائن الدولة (الفارغة) أولاً من الحجب، بفقدانها ترليونات الجنيهات من عوائد الضرائب المفروضة على قطاع الاتصالات، وتكبدت الشركات الثلاث خسائر مضاعفة، لأنها وجدت نفسها ملزمة بشراء الإنترنت من شركاتٍ عالميةٍ بملايين الدولارات أولاً، قبل أن تضطر إلى رميه في سلة مهملات الفضاء العريض، بسبب حجب الخدمة عن المشتركين.

* أجمل ما في هذه القضية أنها أعلت قيمة القانون من جديد، وأنصفت ملايين المواطنين بأمر القضاء السوداني العادل، ممثلاً في مولانا عواطف عبد اللطيف، قاضي المحكمة العامة (الخرطوم الجزئية)، التي ردت الحقوق إلى أهلها، وطبقت العدالة كاملةً، من دون أن تخشى في إحقاق الحق لومة لائم.

* ذاك المكسب الوحيد لقرارٍ أعادنا به المجلس العسكري إلى العصر الحجري، ولم يحصد منه شيئاً مفيداً.

* أما مصائب القرار فهي عديدة وتستعصي على الحصر.

* أولها تأكيد أننا نعيش في دولة بالغة التخلف، لأن مثل هذه الإجراءات المتعنتة لا تُتخذ عادةً إلا في دولٍ تعيش على هامش الحاضر، وتحكمها أنظمة مستبدة، لا تقيم وزناً للقانون، ولا تهتم بمصالح مواطنيها.

* لو كان حجب الإنترنت مفيداً لأنجى النظام السابق من السقوط، ولأبقى أنظمةً عتيدةً، رأت في فضاء السايبر بعبعاً يُهدد سلطتها فقمعته وقطعته، ولم تسلم.

* ثاني كوارث القضية أنها شهدت تضارباً مخلاً، في إفادات رسمية تم تقديمها إلى القضاء من جهاتٍ سيادية عليا، بفعلٍ غير مسئول، يدل على الاستهانة بالنظام العدلي الذي يحكم الدولة، ويشير إلى عدم منح القضاء ما يستحقه من توقيرٍ واحترام.

* بتاريخ (25) يونيو أرسلت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية خطاباً لمدير جهاز تنظيم الاتصالات، حوى قراراً بإيقاف خدمة الإنترنت الفردية، وتم تعليل القرار بالحفاظ على الأمن القومي، وترجيح المصلحة العامة.

* بتاريخ (29) رمضان الماضي، أرسل مدير عام جهاز تنظيم الاتصالات خطاباً لشركات الاتصالات، أشار فيه إلى صدور قرار من (المجلس العسكري)، يقضي بقطع خدمة الإنترنت عن المشتركين كافة، إلى حين إشعار آخر.

* التاريخ المذكور شهد فض اعتصام القيادة بمجزرة دموية بشعة.

* عندما تحول الأمر إلى القضاء، أنكرت رئاسة الجمهورية، ممثلة في الإدارة القانونية صدور قرار الحجب من المجلس، وقدمت تلك الإفادة الكذوبة كتابةً إلى قاضي المحكمة العليا، لتنطبق عليها مقولة (الشينة منكورة).

* (نكرتو حطب)، مع أن الفريق شمس الدين الكباشي، المتحدث الرسمي باسم المجلس، أقرَّ على الملأ، وفي مؤتمر صحافي محضور، بأنهم قطعوا الإنترنت، لأنهم رأوا فيه مهدداً للأمن القومي!!

* كيف يتحدث قادة البلاد عن احترامهم للقانون، وسعيهم لتشييد أركان دولة العدالة، وهم يهزأون بالقانون، ويستخفون بالقضاء، ويقدمون له إفادات مضللة عن قرارٍ يعلم القاصي والداني أنه صدر منهم؟

* توافرت تلك الخطابات المتضاربة أمام المحكمة، فلم تتردد في نقض القرار.

* سيفتح القرار أبواباً لقضايا لاحقة، تطالب فيها الشركات المتضررة من القرار، وملايين المشتركين بتعويضات ضخمة، لتغطية الخسائر التي تكبدوها خلال فترة حجب الخدمة.

* لا تمت صيانة الأمن القومي، ولا تحققت المصلحة العامة، ولا جنت الدولة شيئاً مفيداً من الحجب، بقدر ما فقد اقتصادنا المنهار مكاسب ضخمة كان في أمسّ الحاجة إليها.

* أكد الحكم العادل القوي أن القانون موفور وموجود وسيسود، طال الزمن أم قصر، وبالقانون.. حقاً لا ادعاءً!

التعليقات