رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/06/24

على كُلٍّ

 

 

 

 

انتصار الثورات ضد الحكام لحظات فارقة في حياة الشعوب، وتمكن اعتصام السودان من إزاحة رئيسين خلال يومين تطور جدير بأن يُكتب بماء الذهب على سفر البطولات وكتب التاريخ، لكن التحدي الحقيقي يظل في قدرتنا جميعاً على حفظ معادلة الأمن والاستقرار لبلاد تحيط بها المخاوف الآن إحاطة السوار بالمعصم.

حينما تلا الفريق أول ركن عوض بن عوف بيانه الأول انتقدناه في هذه المساحة وقلنا إنه لم يستجب لمطالب المعتصمين ولم يرتفع إلى درجة غليان الشارع، وتنبأنا بأنه سيزيد نار الاحتقان اشتعالاً. بالأمس استمعت إلى بيان رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فوجدته قد تجاوز البيان الأول للفريق ابن عوف بسنوات ضوئية، وارتفع إلى مستوى المطالب بطريقة ينبغي أن تنتقل بالمشهد إلى مرحلة جديدة، قوامها الثقة التي تجذرت بين الجيش والمتظاهرين خلال تجربة موكب واعتصام السادس من أبريل.

اتسم بيان البرهان بحساسية سياسية عالية افتقدها ما جاء به خطاب سلفه ابن عوف، وقد أضر به التعميم والغموض، حرص البرهان على توفير إجابات لكافة هواجس وأسئلة الشارع، ولبى إلى حد كبير مطالب الحراك الذي عزل رئيسين في يومين وفرض واقعا جديدا على المشهد السياسي، كان دليلاً على قوته حسم المواجهة مع الحكومة المخلوعة بشعارات سلمية خلال خمسة أيام.

 

كان واضحاً أن البرهان ومن خلال خطابه يحاول التأكيد على قومية توجه المجلس العسكري الانتقالي  وتفنيد تهمة انتمائه سياسيا أو تعاطفه مع الإسلاميين، أبدى وضوحا وصرامة لازمة في الحديث عن ممارسات الفساد والقتل، وتعهد بتفعيل الإجراءات اللازمة لمواجهة كل من تورط في جرائم بحق الشعب والوطن.

 

ألغى البرهان حظر التجوال، ووجه بإطلاق فوري لكل المعتقلين، أنهى تكليف ولاة الولايات وسلمها لقادة المناطق العسكرية، وأمر بتشكيل مجلس عسكري  لحماية  الدولة، جبت قراراته الكثير مما جاء به ابن عوف في بيانه الأول، واستجابت لرأي الشارع السوداني وحملت عمقا سياسيا بائنا، والبيان يتعهد بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والانخراط في الحوار مع الأحزاب وحاملي السلاح.

يبدو أن صياغة البيان جاءت مستصحبة لآراء القوى السياسية كذلك، وقد تضمنت نقاطا كثيرة مما تدعو إليه، ومن الواضح أن مشاورات سبقت كتابة البيان انتهت إلى تعهدات والتزامات مشجعة على بناء الثقة بين المجلس والقوى الفاعلة في حراك الشارع (الحرية والتغيير)، فقد تابع كل العالم نزول البرهان قبل تعيينه إلى ساحة الاعتصام والتقائه بعدد من القيادات أبرزهم إبراهيم الشيخ الرئيس السابق لحزب المؤتمر السوداني.

أبرز ما جاء في البيان أنه لبى مطلبا ملحا وهو البند الخاص بالسعي لإقامة حكم مدني بعد الفترة الانتقالية، مع التعهد خلالها بحكومة انتقالية مدنية فيها تمثيل لما ستنتج عنه مشاورات المجلس مع القوى السياسية. 

استجاب البيان كذلك لأبرز مطالب الشارع المتمثلة في مكافحة الفساد وتفكيك واجهات الحكومة، مع العمل على توفير الخدمات التي تعين المواطنين على العيش الكريم.

كل ما تقدم يجعل من بيان البرهان معقولا ومقبولا على أن تستكمل مطالب القوى الفاعلة في تحريك المشهد السياسي من خلال الحوار الذي ينبغي أن يتم في أجواء تسهل عملية تطبيع الحياة السياسية، وفي حال لم يتم تنفيذ التعهدات فإن وقود الشارع ما زال يسمح باستمرار الثورة واستئناف الاعتصام.

دعونا نمضي بالوطن خطوة إلى الأمام ونعينه على تجاوز جراحات أرى أن بيان البرهان جدير بتطبيبها مع حرصنا على ضرورة حراسة الحقوق التي ينادي بها الشارع حتى يتم تنفيذها، ولكن عبر آليات جديدة تستصحب حساسية الظرف السياسي والأمني.

=====

التعليقات