رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/06/27

حاطب ليل

(1)

رحم الله صديقنا الشاعر الموهوب والكاتب الدرامي المُتفرِّد والصحفي المُتميِّز/ سعد الدين إبراهيم والذي كان قبل كل عيد يكتب مُستحلفاً الزملاء الصحفيين ألا يكتبوا في أيام العيد بيت المتنبي (عيدٌ بأيِّ حال عُدت يا عيد بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد)، وحجّته في ذلك أنّ مُعظهم لا يضعها في موضعها الصحيح، فالمتنبي عندما قالها كان ينعي حاله، إذ أنّه كان وحيداً, تائهاً وهارباً في بيداء دُونها بيد، يومه كأمسه، وأمسه كغده، ولكن مع ذلك استشعر خُصُوصيّة يوم العيد فبكى نفسه، مِمّا يشي بأنّ العيد حقيقة ذاتيّة تنبع من داخل الفَرد مثلما أنّه حقيقة موضوعية يَرَاهُ الإنسان في الناس والدنيا من حوله، بينما مُعظم  الذين يستدلون بالبيت تجد الواحد يكتب عن سعادته بالعيد وليس لديه أي معاناة. 

(2)

ليسمح لنا صديقنا الراحل المقيم سعد الدين إبراهيم أن نصدر موضوعنا عن هذا العيد الذي بين أيدينا ببيت المتنبي، لأننا في السودان اليوم في مثل حالته تماماً، بل أسوأ، فإن كان المتنبي عندما قال البيت يسير في المجهول، معرضاً لمخاطر لا قبل له بها، فإنّنا كذلك في السُّودان نسير نحو المَجهول في نَفقٍ مُظلمٍ تَلُوح الكَثير من المدلهمات أمامنا، وسياسِيّونا الذين ولاّهم الله أمرنا مازالوا مُتخندقين في مواقفهم، وكُلٌّ يرى الصواب في موقفه والخطأ كُل الخطأ في موقف الآخر, مَضَى شهران ونحن ندخل الثالث ولا ندري هل نحن في حالة ثورة أم في حالة انقلاب, شهران ودخلنا الثالث ونحن نتحدّث عن فترة انتقالية لتعقبها حالة الاستدامة, شهران ونحن ندخل الثالث ونحن لا نعرف اسماً للحالة التي فيها، فهي ليست مُستدامة وليست  انتقاليّة، فهل هي تمهيدية؟ فإن كانت كذلك سنكون قد قدمنا للبشرية درساً في التّلكؤ والجرجرة وعدم استشعار المسؤولية و(السَّايقة واصلة) و(حبل المَهلة يربط ويَحل)، فهل يَحق لنا أن نغضب بعد ذلك إذا ضَحِكَ علينا الآخرون ونمطونا بالكسل واللا مبالاة..؟

(3) 

يَحدث كل هذا وحالنا زي الزّفت, نُعَاني نقصاً في كُلِّ شيءٍ، في الغذاء، وفي الوقود، وفي الدواء, الخريف على الأبواب ولم نَستعد له بِأيِّ مدخلٍ من مُدخلات الإنتاج وهذا يعني أنّنا مُقبلون على مجاعة حتى ولو حبانا الله بكل مطر الدنيا, بلادنا مُكتظةٌ بالسلاح والمليشيات والعشائر المُسلّحة وأيِّ انفراطٍ لن يعرف القاتل من المقتول، وسوف يتفرتق السُّودان حِتّة حِتّة, خزينتنا خاوية، وجنيهنا أخف من الريشة في مهب الريح، وأيِّ انفراطٍ، القوي سيأكل الضعيف، وستكون وسيلة الكسب هي الكلاش, كل هذه المخاطر والسِّياسيُّون الذين ولاّهم الله أمرنا يتصرّفون وكأنّهم في إيطاليا، حيث يُمكن أن تعيش البلاد سنوات بدون حكومة والأمور تمضي في أمان الله. 

(4)

كل الذي تقدّم يثبت أنّ حالنا أسوأ من حالة المتنبي عندما قال بيته الذي سرت به كل الدنيا ومنذ قرون وإلى يوم الناس هذا، فالمُتنبي إذا قال شعراً (أصبح الدهر مُنشداً)، ولكن مع ذلك دَعُونا نَسأل الله تعالى مع تَبَاشير هذا العيد أن يهدئ سر سياسيينا ويجعلهم في جلستهم المُتوقّعة اليوم أو غداً أن يستشعروا خُطُورة الأوضاع في البلاد، ويقدموا مصلحتها على المصالح الفئوية والحزبية الضيِّقة، وذلك بأن يكملوا اتّفاقهم على شكل ومضمون الفترة الانتقالية لنُعيِّد مثل بقية خلق الله.

فاللهم أحفظ السُّودان وأحفظ أهل السُّودان.

التعليقات