رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/10

بالأمس، كانت الأزهار عنوانا للبوح، وقيثارة لعزف الفرح.. وكانت الفضاءات البعيدة مسرحا للأحلام والأمنيات.. كنت شابا مسكونا بالحنين إلى الديار.. أبحث في صخب مدينة الدوحة عن ضحكة أمي ساعة الضحى.. أبحث عن طعم قهوة الصباح المنعشة وضل النهار الهارب من عتمة أزقة الحواري النابضة بالحب والحياة.. فالعمر رحلة نافت سنواتها الاربعين ومحطات يختلط فيها الشوق المعتق بلحظات الحرمان المر.. وما بين أمسي ويومي، تطل شخصيات سودانية جميلة من أقبية الذاكرة المظلمة. شخصيات مرت من هنا، لكنها تركت حضورا طاغيا وجذوة متوهجة بالحب. العم (ابراهيم الصلحي).. مر بذاكرتي وأنا أسجل للزمن.. ما خطته يدي قبل ربع قرن والذي استضفته في حوار لجريدة الشرق القطرية عام 1991م، بعيدا عن السياسة وهمومها، والمهنة ومحنها. كان الحوار عن تجربته في الغربة . فهو فنان فلسفي وتشكيلي، التحق بكلية الفنون الجميلة بكلية غردون التذكارية من عام 1948م الى عام م1951 وبعدها بالمعهد الفني، ثم التحق من عام 1954م الى عام 1957 بجامعة لندن ونال دبلوم الفنون الجميلة ودرس لمدة عام واحد في جامعة كولومبيا وله دورات قصيرة في ايطاليا واكاديمية العلوم الإدارية السودانية. عمل خبيرا اعلاميا في وزارة الثقافة القطرية عام 1977م ثم خبيرا اعلاميا للجنة العلاقات الاعلامية الدولية وقبل أن يغادر الدوحة في تسعينيات القرن الماضي أمضى سنواته الأخيرة مترجما في الديوان الأميري القطري. وإلى وقت قريب كنت احتفظ بكلمته التي خطتها يده وتلاها في الحفل الذي أقامته الجالية السودانية بفندق رمادا عام 1993م بمناسبة أعياد الاستقلال.. لكن الأنامل الصغيرة في بيتي والتي رزقت بها في هذه الألفية سطت على مكتبتي، وأضاعت مستندات في غاية الأهمية. في اللقاء الذي جرى بمنزله بمنطقة المنصورة بادرته قائلا: حدثنا عن الغربة وهل تحس بأنك مغترب؟ أجاب قائلا: لا أحس بغربة في هذا البلد، لأن هناك أشياء كثيرة مشتركة وتراثنا مشترك وعاداتنا ايضا رغم الاختلاف الشكلي، فعند سماعك للأذان فأنت قريب من وطنك والتحدث باللغة العربية يعطيك احساس المواطنة.. قلت له: متى اغتربت وكيف كانت تجربتك..؟ قال: " ابتعثت عام 1954م إلى انجلترا لأنهل من الحضارة الانجليزية بجذورها الاغريقية الرومانية ولم أكن مبهورا لأنني ذهبت بعين نافذة وتعرفت على هذه المجتمعات عن قرب ولماذا هم منتجون ونحن نبكي على الأطلال، وكانت المشكلة التي واجهتني آنذاك، كيفية المحافظة على التقاليد والقيم التي أحملها في داخلي بجانب أشياء عزيزة ومن التجربة عرفت أن التجارب والتأقلم مع ذلك المجتمع هي عملية أخذ وعطاء. واغتربت في امريكا عام 1962م وكان اغترابي معقدا بعض الشيء لأن ذهابي إلى أمريكا على مستوى مهني، حيث كانت هناك منحة من منظمة اليونسكو وأخرى من مؤسسة روكفلر وكانت لي دراسات فلسفية في المرئيات والتصوير الفوتوغرافي وأمريكا اصعب من أوربا للمغترب الشاب، لأنها تملك امكانيات يمكنها أن تذيب كل ما عند الفرد من قيم وهو في حالة تحد مستمر وصراع مع النفس ". قلت له: ما حكاية المنح؟ قال: " في عام 1961م فازت أعمالي بالمرتبة الأولى في مسابقة للإنتاج الفني السوداني من قبل منظمة اليونسكو ، وكانت امتياز المنحة، أن يختار الفائز أي بلد في العالم لقضاء فترة زمنية فيه يتعرف فيها على ثقافات ذلك البلد فاخترت امريكا لأنني كنت اسمع عنها الكثير وبعدها ذهبت إلى المكسيك وبيرو والبرازيل وعدت الى اوربا. أما منحة روكفلر فقد تم منحها لي بعد تقييمهم لأعمالي الفنية عام 1964م كانت منحة دراسية لمدة عام في جامعة كولومبيا." سألته عن نظرة الانجليز له كمغترب شاب قادم من مستعمرتهم فقال لي؟ كانت نظرة الانجليز الينا فيها شيء من الاحترام عام 1954م لأننا نعامل كطلاب علم ولكن حدث التغير في هذه النظرة عام 1957م بعد جلب أيد عاملة من جزر الهند الغربية وجامايكا، وكنا نحسب من مواطني نيجيريا أو من هذه الجزر. نظرة الانجليزي لهؤلاء الجدد نظرة من يتحداهم في أكل عيشهم فكانت تحدث مشاكل ولكنها بسيطة. هل ذكرت لنا حادثا بسيطا واجهك في اغترابك؟ قال لي: " أذكر عندما كنت في جامعة لندن لنيل دبلوم الفنون الجميلة أن سيدة اسمها مسز بلاك اعلنت عن وجود مسكن وكنت في حاجة الى مسكن واسع بغرفة اضافية استخدمها كاستديو وعند ذهابي اليها ومشاهدتها لي بادرتني قائلة: المسكن قد تم استئجاره وهمت بقفل الباب، فوضعت رجلي داخل بيتها مانعا قفل الباب وقلت لها البرد والمطر في الخارج أرجو السماح لي بالدخول وانسى حكاية المسكن واعرفيني كإنسان رغم معرفتي لرأيكم فينا كأفارقه من العالم الثالث.. خجلت من كلامي وسمحت لي بالدخول فأفهمتها بأن حضوري لبلدهم من أجل الدراسة وحكيت لها عن اصالتنا كسودانيين وبترحيبنا للغريب، واصبحنا بعد ذلك اصدقاء.. وكانت من أعز اصدقائي وقطعت عهدا على نفسي ان اصحح جميع المفاهيم الخاطئة سواء كان بلساني أو بإنتاجي الفني. هناك محطات يلتقط فيها المغترب انفاسه بعد لهاث طويل فمتى كانت آخر زيارة للسودان؟ كانت العام الماضي (1990) ولكنها لفترة قصيرة لأنني كنت اجمع مادة فنية لعرضها في معرضي الذي اقسم في المانيا. وما الشهادة التي تعتز بها من بين جميع الشهادات التي حصلت عليها؟ اعتز بشهادة دخولي سجن كوبر عام 1975م وكانت فترة تحول في حياتي.. لأنني تحولت من مسلم بالميلاد إلى مسلم باليقين وهو الاسلام الحقيقي واهتديت بحق وعرفت بالدليل القاطع أن الله سبحانه وتعالى اقرب إلي من حبل الوريد ومن تلك الفترة حافظت على فروضي وعباداتي وعرفت كنه المسلم الحقيقي المسالم والصلح والاحسان. متعك الله عمي ابراهيم الصلحي أينما حللت، فأنت نموذج للسوداني الأصيل.. الحكاء برشيق الكلام، فيذهب بروحك إلى مدارج الصفاء والسماح. وإلى شخصية أخرى..

التعليقات