رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/08/18

منذ القدم الموغل في عهود سحيقة، تلذع الشموس مجاهل افريقيا وغاباتها الوحشية.. ولقرون عديدة رتع المستعمر في مساحاتها الشاسعة الخضراء، وعندما غادرها، ترك النصال الحادة في ايادي شعوبها، ولوث الأمكنة برائحة البارود المتفجر وأنهارها وزنابقها بالكراهية وحولها إلى ساحة حرب دائمة، فصرف أبناؤها جهودهم في الاقتتال. في ليلة صيفية من شهر اغسطس عام 1993م، وفي الدوحة، غنت افريقيا الجريحة وسهرت حتى الصباح. في قاعة الحفل اختلطت الملامح. وجوه خلاسية، وأخرى بلون الأبنوس وثالثة بلون القمح النضير، تتحدث بخلائط لهجات عجيبة، فجلس السوداني بالقرب من الصومالي، فهل الفرح في وجوه الأحباش.. في تلك الأمسية الافريقية الغنائية، والتي خصص ريع دخلها لمنكوبي الحرب في الصومال ، غنى الفنان الصومالي الكبير أحمد ناجي، ثم غنت المطربة الصومالية فاطمة قاسم ، وشارك من السودان الفنان الراحل هاشم ميرغني والفنان الراحل خوجلي عثمان الذي خصني بحوار جميل نشر في جريدة العرب القطرية الأولى. رحل الفنان خوجلي عثمان مغدورا، لكنه ترك غصة في حلقي ، وعبرة تأبى أن تنزل، فوقفت في منطقة وسطى ما بين الحزن والوجع. فجأة وبدون ميعاد، خرس كمانه وجف عوده وانقطع الوتر بانقطاع انفاسه. بعد هذه السنوات الطويلة التي شارفت على ربع قرن، ما زلت محتفظا بين أوراقي بهذا الحوار الذي أعلن فيه الراحل عن امنياته وأحلامه وفي مقدمتها أن يوفقه الله في ما تبقى من عمره أن يربى ابنائه وبناته (رحاب ورباب واهداب وشهاب وايهاب ومحمد) تربية ترضي ربه، لكن يد الموت خطفته بعد عام واحد وترك الابناء والأحباب يذرفون الدموع. وترك لمرابد المدن أغنيات شجية تحلق. جرى الحوار في شقة بالقرب من حراج الدوحة، في زقاق يطل على مقهى صغير لا يعرف النوم سبيلا إلى رواده. استقبلني بكل حفاوة، تسبقها ابتسامته الوضيئة. وفي بداية اللقاء سألته عن بداياته حيث قال: " أنا - والحديث عن النفس صلف وكبرياء- من مواليد عام 1948م وكانت بدايتي الحقيقية عندما فزت كناشئ في المهرجان الأول للثقافة عام 73م وتدرجت منطلقا منذ ذلك الحين، وقد تخلل هذا المشوار الطويل رحلات فنية كثيرة للدول العربية الشقيقة وبعض الدول الافريقية ، وزرت المصطفى بالأراضي المقدسة وبجانب هذه الرحلات الفنية كانت هناك بعثات حكومية. وكلما يتقدم بي العمر واتقدم بفني احس بوجودي في الساحة الفنية الحافلة بالتجديد واحس بأنني قادر على العطاء اللامحدود، كما هناك شعور يلازمني دائما بأني لم أبدأ بعد.. " بالطبع - لم يخل الحوار عن سؤال حول رأيه في قانون المصنفات الجديد وقال.. قانون المصنفات هو قانون ليس بجديد فهو قانون قديم جدا ولم يطبق وينفذ الا هذه الأيام (عام 1993)، من وجهة نظرى، يحفظ هذا القانون للفنان حقه في الأداء والالحان كما يحفظ للشاعر كلماته وهو قانون يضع اللمسات الحقيقية في اداء الافراد بدليل أن هناك بند مهم جدا ينص على عدم التعدي على حقوق الاخرين حتى لا تعطى الفرصة للمسترزقين وأن يكون لكل مغن ومطرب فنه وغناؤه وجمهوره وصحيح أن كل الفنانين تأثروا بمن سبقوهم في مرحلة من مراحل الهرم الغنائي، ألا أن الحق يبقى لصاحبه وهو بنفس القدر يحمي الفنان المبتدئ المتولدة فيه الموهبة، ويصقل هذه المواهب الحقيقية ويمد لها جسور التواصل مع الشعراء والملحنين . قلت له: " الأدب العربي مليء بالطرائف ويقال أن ابو دلامة له عباءة يتسابق اتباعه في ارتدائها عند غيابه.. وانت من ارتدى هذه العباءة في غياب الفنانين الكبار.. كيف يجيء الرد؟ قال ضاحكا: " من الأهمية بمكان التأكيد على قومية الفنان السوداني. للسياسة رجال وللفن والابداع رجال والسياسي في مجاله مبدعا وبارعا ومؤثرا ومحتلا مكانة كبيرة ومرموقة والمبدع بريشته والوانه وكلماته مؤثرا في مجتمعه. وتتفاوت المقدرات بحكم الموهبة وانا كمطرب يمكنني ان اؤثر بأعمالي الفنية بشرط أن لا تكون هذه الاعمال محصورة في بوتقة واحدة لان في تلك الاعمال ما هو موجه لشحذ همم الشباب وفيها من هو للوطن وحبه. فغنائي للطفل السوداني هو جزء من الغناء للوطن للكبير. واكرر يجب أن يكون الفنان قوميا واكتفي بهذا القدر من الاجابة على هذا السؤال". حدثنا قليلا عن انتشار الغناء والفن السوداني عربيا؟ " الفن السوداني فن متطور والفنان السوداني كان دائما سفيرا لبلده منذ زمن طويل، وسيد خليفة واحمد المصطفى وابراهيم عوض وعثمان الشفيع، وعبدالعزيز داؤود هؤلاء اثروا الساحة العربية بأغنيات جميلة وعانوا وبذلوا جهودا عظيمة في سبيل توصيل هذا الفن الخالد لإخوانهم العرب، ومثلوا السودان كثيرا ونحن من بعدهم وجدنا تلك البصمات، ووجدنا التسهيلات كما أن الاذاعات لها دور كبير في انتشار الغناء وايضا قوة البث الاذاعي ولا يمكن لأمة من الامم أن تتعرف على فن وغناء امة أخرى الا عن طريق هذه الأجهزة والغناء السوداني جميل وخفيف على الأذن واناشد المسئولين في الدول العربية أن يزيدوا الجرعات الغنائية السودانية في اذاعاتهم وتلفزيوناتهم". سألته عن جديده فقال: " لي عدة اغنيات جديدة ولكن اكثرها شهرة اغنية (ما بنختلف)، كلمات الشاعر الصديق حسن الزبير وتقول بعض كلماتها: ما بنختلف درسني بس قانون هواك بحفظ حروفه حرف حرف سامحني مرة اذا نسيت ما تبقى صارف ومنصرف لو حتى حق الريدة هان انا لي عليك حق الولف انا عندي ليك سر من زمان داير اقولو ومنكسف كل ما اقول قربت ليك تلقاني بادي من الآلف." واضاف مردفا: " كمطرب مسئول مسئولية تامة عن العمل الذي اقدمه للجمهور، وأقوم بالتأكد من سلامة نص أية أغنية اغنيها، وقبل أن الحن هذه الكلمات وجدت القصيدة هادفة وحلوة اما بخصوص الشاعر فله حكايته ولكن الذي يهمني أن تلاقي استحسان الناس" . رحم الله الفنان خوجلي عثمان.. ونلتقي مع شخصية مبدعة جديدة [email protected]

التعليقات