رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/09/23

 

ومن القنابل الموقوتة التي قد تنسف الاتفاقية ما ورد في الفصل الخامس عن قضايا السلام وتحديدها بمدي زمني (من 17 /7/ 2019 وحتي 16 /1 /2020) هذا النص يفترض حسن النية في الحركات المسلحة المتشاكسة.

 

ومن عيوبه أنه أغفل ذكر اتفاقيات الحركات الموقعة مع النظام السابق المرعية إقليمياً ودولياً

 فلم تنص الاتفاقية علي اعتماد الاتفاقيات السابقة أو توسيع مظلتها لتشمل الحركات التي لم توقّع ولا كيفية تنفيذ ما تبقي من شروطها.

 

 وإشكالية أخري تخصُّ الحركات التي وقّعت علي ميثاق الحرية والتغيير الذين من الطبيعي أن يتوقّعوا نصيباً في السلطة من حصة الحرية والتغيير 

فهل سينالوه استحقاقاً آنياً أم بعد أن يصلوا إلي اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية يتم فيها الاتفاق علي مصير القوات وسلاحها ومناطق نفوذها، إضافة للتعويضات وجبر الضرر الخ ...

 

ولديّ مأخذ علي ما ورد بخصوص النظر بعين الاعتبار للتمييز الإيجابي

 وهذا في تقديري من مثالب هذه الاتفاقية لأن الاتجاه العالمي الآن ضدّ كل أنواع التمييز (سلباً أو إيجاباً) وليس هنالك ما يمكن تسميته بالتمييز الإيجابي فالتمييز كله سلبي والأولوية تعطي لإزالة أسباب التهميش وجذوره.

 

تجربة إعفاء طلّاب دارفور من رسوم الجامعة - وهي نوع من أنواع التمييز الإيجابي - تجربة بها كثير من المرارات لأنه عندما قررت بعض الجامعات إيقافها تصدّي لهم الطلاب الذين اعتبروا ذلك الاستثناء صار امتيازاً دونه المهج والأرواح ولا يمكن وقفه. وكذا أي نوع من أنواع التمييز يتحول إلي حق لا يسهل التنازل عنه وإن انتفت أسبابه.

لذا فالأولي هو معالجة جذور الأزمة تحت إطار المواطنة المتساوية وليس تمييزاً يؤدي إلي تعقيدات مستقبلية.

 

وكذلك تطرق الفصل الخامس لإصلاح الدولة مع النصّ علي ألا يتعارض ذلك مع معايير الكفاءة أي ألا تحدث إحالات في الخدمة المدنية بسبب التوجّه السياسي لشاغل المنصب 

 

وكذلك وكّلت الاتفاقية المؤسسات العسكرية للقيام بالإصلاحات التي تراها في الأجهزة العسكرية وهذا يعني غالباً استمرار الوضع الحالي لقوات الدعم السريع وجهاز الأمن خلال الفترة الانتقالية 

 

ثم تحدث الفصل الخامس كذلك عن إنشاء آليات للتحضير لوضع دستور دائم وسن التشريعات المتعلقة بمهام الفترة الانتقالية وعقد مؤتمر دستوري

وليس معروفاً علي وجه الدقة ماذا يعني تعبير إنشاء آليات للتحضير لوضع دستور دائم؟  

ولكن يفهم منه ما هو معلوم بالضرورة وهو أن وضع الدستور الدائم ليس من مهام الفترة الانتقالية

 

 ومحتمل أن يكون المؤتمر الدستوري هو المقصود بآليات التحضير للدستور الدائم وكان يلزم عدم استخدام تعبير الآليات إذا كان ذلك هو المقصود إلا أن تكون هنالك آليات أخري تدخل ضمن هذا الإطار.

 

الحديث عن السياسة الخارجية المتوازنة مقصود به سياسة عدم الانحياز لبعض المحاور الإقليمية علي حساب الآخر خاصة في منطقة الخليج

 

وأغفلت الاتفاقية الإشارة لقضية العرب المحورية وهي الصراع العربي الإسرائيلي الذي دعمه النظام السابق بقوة ودفع ثمناً غالياً في سبيل ذلك.

وكذلك أغفلت أي إشارة إيجابية نحو الانفتاح علي الجوار الإفريقي أو القارة السمراء بكاملها حتي من باب ردّ الجميل والتقدير لدور الوسيط والوساطة الإفريقية.

 وكذلك أغفلت الاتفاقية تحت بند العلاقات الخارجية أي ذكر لقضية حلايب والفشقة المتنازع عليهما مع مصر وإثيوبيا علي التوالي علي الرغم من الطرق المتكرر في السابق من قوي الحرية والتغيير علي سودانية هذه الأراضي المحتلة وتعيير نظام البشير بعدم الاهتمام بها.

وكذلك أغفلت الاتفاقية أي إشارة لدولة جنوب السودان المنفلقة عن السودان ويجدر ذكره أن أحد فروع الحزب الحاكم بدولة الجنوب في دولة السودان قد وقّع علي ميثاق الحرية والتغيير وكثير من القوي المعارضة في التحالف الثوري كانت تملأ الأسافير ضجيجاً باحتمال وحدة السودان عقب إسقاط نظام البشير.

وفي المجمل لم تتحدث الاتفاقية عن تمتين العلاقات مع دول المحيط الطبيعي للسودان عربياً وإسلامياً وإفريقياً بالرغم من المناشدات بالاتفاقية للاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في الفصل السادس طالبين تقديم العون المالي والاقتصادي والإنساني!

ومن البنود الملغومة كذلك وضع تدابير وإجراءات العدالة الانتقالية وتنفيذها

 وهذه من المعممات التي لا يعرف كنهها أحد لأنّ العدالة نفسها لا يمكن أن توصف بالانتقال فالعدالة هي قيمة ترتجي ثابتة وراسخة ومطلوبة

 وكان من الأولي التأكيد علي أنّ كلّ من حاقه ظلم في العهد الماضي لن يسقط حقه بالتقادم وسوف يناله وإن تطاول المسير.

وأما ما المقصود بكلمة "تدابير" هذه فليس معروفاً علي وجه الدقة ما هو المقصود بها كما أسلفنا في تعريفها سابقاً. 

ماذا يعني تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989 البائد؟

 هل يقصد بذلك هدم كل المؤسسات التي أقامها النظام السابق؟

 أم تفكيك المؤسسات الأمنية والعسكرية التي استثناها الفصل الخامس من أن تطالها إعادة هيكلة أو إلغاء إلا بما تراه هذه المؤسسات المسلحة والنظامية نفسها وليس لأي مؤسسة عداها نشأت بموجب هذه الاتفاقية الحق في الحديث عن هيكلتها.

 وإن كان المقصود بالتفكيك تلك المؤسسات الحزبية التابعة للمؤتمر الوطني فهذه قد تمّ تفكيكها منذ أيام الثورة الأولي.

وتبقي بعد ذلك الشركات الحكومية أو شبه الحكومية والتي رضعت من ثدي الدولة حتي ارتوت واكتنزت شحماً ولحماً فهذه يمكن مراجعتها ومعرفة جدواها الاقتصادية ومن ثمّ البت في أمرها إن كان ثمّة سمنٌٍ بَقِيَ في عتاقيها بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة 

منظمات المجتمع المدني الخيرية محمية بقانون العون الإنساني الذي لا يتيح لأجهزة الدولة التدخل فيها سواءٌ أقيمت في العهد السابق أو قبله أو بعده.

أما بناء دولة القانون والمؤسسات فهذا هدف نبيل نرجو أن يتحقق وينعم به أبناؤنا.

ولقد لفت نظري في هذه الاتفاقية مناشدة الطرفين للمنظمات والدول الشقيقة والصديقة أن تسعي لدي الدول والمنظمات الإقليمية والدولية للمساعدة في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

 وعجبت من ذلك ومصدر عجبي أنّ قائمة الدول الراعية للإرهاب هي قائمة أمريكية خالصة يمكن التفاوض حولها مع الكونجرس الأمريكي والحكومة الأمريكية عبر القنوات المعلومة ومعرفة الشروط المطلوبة لذلك - فهل فات علي الطرفين هذا الأمر؟ 

ولكن ربما يجدي ذلك النداء الحثيث في إعفاء شيء من الديون التي سبق أن وعدنا بإعفائها عقب اتفاقية نيفاشا إن قبلت حكومتنا وقتها بانفصال الجنوب وتأسيس دولته المستقلة وما زالت مرارة تلك الوعود المحنوثة في حلوقنا.

وفي الختام يقول المثل السوداني "الكحة ولا صمة الخشم" - ومضمون هذا المثل قد لا يتفق معه اختصاصيو أمراض الرئة والدرن - ولكن في المجمل أن هذه الاتفاقية لا تبدو لأكثر المتفائلين قابلة للعيش والبقاء بهذه البنود الحانفة عن معظم تطلعات أبناء السودان والتجانف العجول لمحاصصة في لحم الثور الأبيض 

وتعج الاتفاقية بالقنابل الموقوتة مع غياب تامٍّ للثقة بين طرفيها وتربص أحدهما بالآخر ونشوز بعض قوي الحرية والتغيير وتعبئة الشارع ضد الاتفاقية 

وهاهو الحزب الشيوعي السوداني قد شمر عن ساعدي الجد وفغر فاهه علي أشدِّه متوقعاً سقوط النبق فيه وقد أعدَّ لذلك كل إلتباجة ممكنة 

وفي الختام لربما رأت زرقاء يمامة السياسية السودانية شجراً يسير ولكن لا أظنها استبانت إن كان ثمة لون كاكي يتحرك تحته أم لا؟

وذاك تبين عسير حتي علي زرقائها.

التعليقات