رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2019/12/10

على كُلٍّ

 

أستغرب جداً من إصرار (قوى الحرية والتغيير) على تنكب آثار الإنقاذ وقع الحافر بالحافر بعد أن قاوموها وأطاحوا بنظام حكمها الذي استمر ثلاثين عاماً، جال بخاطري هذا الأمر وأنا أتابع ملابسات الأزمة التي حدثت للدكتور جبريل إبراهيم، أمس، بعد أن تم اتخاذ قرار إثيوبي بترحيله أوقفه تدخل الاتحاد الأفريقي في اللحظات الأخيرة.

من أكبر أخطاء الإنقاذ محاولتها استيراد الحلول لأزماتها مع الفرقاء السودانيين من العواصم الأجنبية، جربت هذا الأمر في نيفاشا وأبوجا والدوحة وجيبوتي وعبر منبر أديس أبابا الذي استضاف أكثر من 13 جولة محادثات بين الإنقاذ والحركة الشعبية، وأخرى مع حركات دارفور دون أن تفضي إلى حلول.

توقعت أن تستفيد قوى التغيير الجديدة من أخطاء الإنقاذ وتسعى لـ(سودنة الحلول) وتوطينها بعيداً عن أيدي المخابرات الأجنبية ولكنها لم تفعل، ما زلت متعجباً من تحول الحوار بين المكونات السودانية بعد انتهاء نظام البشير إلى مفاوضات بين (فرقاء) ترعاها العواصم الأجنبية، حتى التفاوض بينها وبين المجلس العسكري الذي تم داخل الخرطوم لم يأخذ قيمته المعيارية إلا بعد أن جاءهم رسول من الأفارقة يعلمهم الاتفاق والحكمة وكيفية تقاسم السلطة.

لم يتعلم القوم من تجربة الحكومة السابقة وتركوا كل شيء هنا حتى الشعب الذي أورثهم الحكم، وذهبوا يتقاسمون منبر أديس لتحقيق السلام في السودان.

من قبل هاجمنا الوثيقة الدستورية التي تراجعت عنها قوى الحرية والتغيير وانتقدنا نزوعها لأن تحكم وحدها وتشكل برلمانها منفردة، واعتبرنا هذا الأمر سلوكاً  محسوباً على الحكومة الماضية يحمل إقصاءً للآخر ويوسع دائرة المعارضة، ويجعل من التغيير مرحلة جديدة من التمكين وإقصاء الآخر.

حتى خطاب الثورة لم يتجاوز قاموس الإنقاذ الذي سن المواكب المليونية، لتأتي قوى الحرية والتغيير وتدعو بذات اللغة والمفردات إلى مليونيات أخرى مثلت امتداداً للخطاب الإنقاذي الذي ما زال يعتقل قوى التغيير في قوالب مكرورة.

هيكل الحكم المقترح يمضي في ذات ما فعلته الإنقاذ وهي تجعل من الحكومة جسماً مترهلاً يبدد موارد البلد ويصعب مهمة العمل الإداري، بتوسيع مظلته على ذات النسق الذي أفشل النظام السابق، لماذا تقترح قوى الحرية والتغيير حكومة من 20 وزيراً مع 11 في المجلس السيادي، هذا على غير ما ستسفر عنه الممارسة من وظائف جديدة ووزراء دولة ووكلاء يمارسون مهامهم الآن ومفوضيات ومنظمات وصناديق وهلمجرا، إرضاءً للطيف العريض الممثل لقوى الثورة.  

على المستوى التشريعي بح صوتنا من القول بأن برلمانات الإنقاذ كانت مترهلة، كلما اشتد خناق المحاصصة على الحكومة بفعل تكتيكاتها لتغيير جلد النظام وإرضاء الآخرين، كانت تزيد عدد النواب في البرلمان، هل يحتمل الوضع الاقتصادي تعيين 31 من وزير لسيادي مع 300 نائب في المجلس التشريعي المقترح برواتب وامتيازات ومخصصات وسيارات، على حساب الشعب المسكين ومن جيب دافع الضرائب السوداني.

ما زال مفهوم المشاركة في أذهان السياسيين منذ الإنقاذ وحتى ما بعد التغيير، يرتبط بشغل المقاعد وتسنم المناصب، وهذا ما تشير إليه مفاوضات (قحت) مع الآخرين بعيداً عن تغيير المفهوم لتكون المشاركة ممكنة عبر الرأي والمشورة والإسهام في إعداد الخطط والبرامج التي تنفذها الحكومة.

ما زالت قوى الحرية والتغيير تفكر داخل صندوق الإنقاذ في رؤيتها لمن يشغل المناصب العامة، حيث يعلو منطق الجهوية والمناطقية، صحيح أنه يأتي في التفكير بعد الكفاءة ولكن ما لم نتجاوز مرحلة التصنيف القبلي والعرقي ونترك فكرة المحاصصة في تولي المهام وتوزيع المناصب، فإننا سنكون أمام إنتاج ذات المصائر التي قادت الإنقاذ إلى الفشل والسقوط.

أين ترشيح الشباب للمواقع المتقدمة في الحكومة، لماذا يصرون على استدعاء ذات الشخصية التي حاولت الإنقاذ تسليمها مقاليد مجلس الوزراء، أين الأسماء الجديدة والكفاءات الصاعدة والدماء الحارة، لماذا يدورون في فلك الإنقاذ حتى في تسمية رئيس الحكومة ويتحركون بين لافتتي الدكتور مضوي إبراهيم وعبد الله حمدوك؟.

وأخيراً ما زال السودان ملعباً لصراع المحاور بعلم قوى الحرية والتغيير ومباركتها، ما حدث في أديس أمس في التعامل مع الدكتور جبريل يعبر عن ذات المرض الذي أفقد البشير البوصلة وجعل السودان فقيراً في موائد الآخرين وتابعاً طائعاً لإرادة هذا المحور أو ذاك، فأين التغيير؟!، ولماذا تسعى قوى الحرية والتغيير لإعادة إنتاج الإنقاذ، الثورة ينبغي أن تكون لإسقاط المفاهيم القديمة لا الحكام فقط، فهل نجحنا.. أم أن الإنقاذ لم تسقط بعد؟

التعليقات