رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2021/05/07

  • 2020/12/22 الساعة AM 09:25
الحظ السيء يتحالف ضدها.. أسرة الحاجة فاطمة في مهب الريح

قصة ترويها - رحاب عبد الله

ما أقسى الواقع لولا وجود الأمل.. هكذا تخفف الحاجة "فاطمة" على نفسها  من وطأة الضائقة المعيشية، خاصة أن شبح المعاناة طال ابنها الذي يواجه خطورة السجن، ما قد يضطرها لترك الخرطوم بعد طردها من مسكنها الذي تقيم فيه بالإيجار، لتراكم المتأخرات.

أحمد ابن الحاجة فاطمة، حاله ليس بأفضل من حال والدته، حيث فقد عمله الحرفي بعد أن حصل على تمويل صغير من أحد البنوك، وجاءت جائحة كورونا لتهدد مشروعه الذي اسسه من القرض، ما جعله يتعثر في سداد القسط الشهري للبنك بسبب تراجع القوة الشرائية والإغلاق الكامل لجائحة كورونا، وبات الان مهددا بالسجن تحت مادة (يبقى الى حين السداد).

ويبدو أن الأقدار السيئة تحالفت ضد اسرة الحاجة فاطمة، فهاهي ابنتها ابتسام ينال منها الحظ السيء، حيث تم فصلها من عملها كمضيفة أرضية في إحدى شركات الطيران الخليجية، بداعي  تخفيض العمالة بعد كورونا. اما انتصار، الابنة الاخرى فقد اضطرت لترك عملها بعد تصاعد تعريفة النقل الداخلي، لأن راتبها لا يغطي تكاليف ترحيلها ، اما "الام نفسها "فاطمة" والتي كانت تعمل في مجال بيع الأطعمة والساندوتشات، فقد فشلت في الاستمرار بسبب أزمة الخبز التي تعيشها البلاد وصعوبة الحصول على الخبز .

الاوضاع الاقتصادية بالسودان

ويعاني السودان من صعوبات اقتصادية بدأت منذ الحظر الاقتصادي الذي كان مفروضا عليه ووضع اسمه في قائمة الدول الراعية للارهاب حتى الاسبوع الماضي، فضلاً عن انفصال جنوب السودان وذهاب 75 %  من النفط ما يعادل 55 % من ايرادات الدولة ، وبلغ معدل التضخم مستويات غير مسبوقة  في شهر نوفمبر الماضي 230 % مقابل 212 %في اكتوبر ،كما يعاني السودانيون من ندرة سلع اساسية مثل الدقيق والوقود وغاز الطبخ الامر الذي يضطرّهم للوقوف لساعات طويلة في صفوف حلزونية. ويعتقد اقتصاديون بان تراكم ديون السودان وفوائدها انهكت الاقتصاد السوداني ، حيث بلغ حجم الدين الخارجي للسودان 60 مليار دولار، وفي فبراير الماضي اعلن برنامج الاغذية العالمي عن ان 9.1 ملايين سوداني يحتاجون لتلقي مساعدات انسانية عاجلة.

وأثرت الضغوط المعيشية التي وقعت على الشعب السوداني بصورة كبيرة على الشرائح الضعيفة والصغيرة ومحدودي الدخل او ذوي الدخل الثابت  وهؤلاء يشكلون نسبة كبيرة جدا من المجتمع لا تقل عن 80 %.

الاسباب

ويشير المحلل الاقتصادي دكتور محمد الناير الى ان هنالك عدة اسباب ادت لذلك بدءاً بسياسة التحرير الاقتصادي وهي احد العوامل الاساسية التي بدأت منذ وقت مبكر حيث  طُبقت في العام 1992 بطريقة غير صحيحة معتبراً في حديثه لـ(الاحداث نيوز) ان ما حدث ليس تحرير اسعار بل فوضى الاسعار لجهة انه لم تكن هنالك ضوابط ولم تقم الدولة بواجبها تجاه المواطنين في ضبط وتنظيم الاسواق في ظل سياسة التحرير الاقتصادي ولم تقم الدولة بواجبها في تفعيل الصناديق الاجتماعية التي كان يفترض ان تخفف الضغط عن المواطنين ، العامل الثاني هو التدهور المستمر لقيمة العملة الوطنية ما انعكس على ازدياد اسعار السلع والخدمات وبالتالي ارتفاع معدل التضخم ،وهذا كله ناتج عن ضعف الانتاج والانتاجية وارتفاع حجم الواردات مقابل انخفاض الصادرات وبالتالي عجز الميزان التجاري حوالي خمسة مليار دولار سنوياً وهذه تؤثر سلباً على سعر الصرف وارتفاع المستوى العام للاسعار والتضخم، ويقول  هذه جميعها عوامل أثرت على معاش الناس والاقتصاد السوداني، علاوة الى الوسطاء والسماسرة وهذه فئة استشرت في جسد الاقتصاد السوداني بصورة شبيهة بـ(السرطان) ولم تعمل الدولة على استئصالها باعتبارها هذه فئة طفيلية تقوم على السمسرة والوساطة  ، فضلا عن بطء القرارات الاقتصادية وضعف اداء حكومة الفترة الانتقالية وهو احد الاسباب الرئيسة باعتبار ان الملف الاقتصادي لم يحدث فيه اي تطور او تقدم على مدى عام ونصف منذ بداية الفترة الانتقالية من تشكيل الحكومة .

واشار المحلل الى ان هذه جميعها اسباب جاءت عليها الفيضانات والسيول وتسبب في فقدان مواطنين منازلهم وارواحهم في ظل ضعف دور الدولة في مجابهة ذلك وقد زاد المشهد تعقيدا تفشي جائحة كورونا الموجة الأولى والثانية والاغلاق الكامل دون ان تقوم الدولة بدورها المتمثل في توفير السلع الضرورية للمواطنين كما فعلت الدول الاخرى بتوفيرها ومجاناً ، لكن الدولة السودانية أعلنته دون تدابير مما اثر على شرائح كبيرة جدا منها بائعات الشاي والاطعمة والذين يعملون اعمال حرة في المباني والحرف وهي الان تضررت بشكل اساسي ، والان الدولة بين امرين اما ان تُغلق مرة اخرى بسبب الموجة الثانية او تستمر دون اغلاق مع الاشتراطات الصحية ،ولكن اذا انفجر الامر سيكون الإغلاق حتمي وسيؤثر مرة اخرى على هذه الشرائح ، بالاضافة الى قضية تحرير المحروقات وزيادة اسعار الدواء المنتج محليا بنسبة 100% وعدم قدرة الدولة على توفير نقد اجنبي للاستيراد.

اعتراف الحكومة

الأزمة الاقتصادية التي طالت غالبية السودانيين وتركت انطباعاتها السالبة في وجوه كثيرين؛ جعلت الحكومة مجبرة للاعتراف بها حيث أقرت وزيرة المالية المكلفة هبة محمد علي بأن البلاد تعاني من شح في الموارد الإقتصادية وانها اصبحت غير كافية لسد احتياجات البلاد، وأضافت : “نحن السبب في المشاكل والدولة مافيها قروش وعديمة موارد والـظروف صعبة والإحتياجات كثيرة”.

وقالت الوزيرة في تصريح لصحيفة "حكايات" ، إن جائحة كورونا تسببت في خسائر فادحة للإقتصاد بالرغم من أن إقتصاد السودان فقير ويعاني من أزمات، واردفت مرتبات العاملين بالدولة كبيرة ومواردنا ضعيفة شغالين تلقيط نجيب القمح، الغاز يقطع ونستورد وقود يكون غير كافي والدولة ماشة بقدرة قادر«، وتابعت »رغم ذلك فإن الشعب السوداني صابر وهنالك بصيص أمل"

دفاع

ورغم اعتراف وزيرة المالية الا ان مسؤول بوزارة المالية نفسها دافع عن الحكومة فيما يتعلق برفع الدعم وتأثيره على الشرائح الضعيفة، وقال في حديثه لـ(الاحداث نيوز) بعد ان طلب حجب هويته بحجة انه غير مخوّل له الحديث للاعلام أطلقت الحكومة برنامج دعم نقدي مباشر يصل الى 80 % من المواطنين كجزء من خطة إصلاح اقتصادي وخصوصا في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة معدل التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية حيث بلغت قيمته مقابل الدولار الامريكي (263 ) جنيها .

وفي يونيو الماضي، أعلنت الخرطوم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج إصلاح اقتصادي مدته 12 شهرا لتأهيل البلاد للحصول على تمويل من المؤسسات الدولية وتبع ذلك زيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 569% الا ان من شملتهم الزيادة الان يأملون في عودة رواتبهم الضعيفة مقابل عودة الاسعار بالسوق الى المستوى السابق. 

غير ان الناير انتقد ان تكون معالجة الدولة لتخفيف مسألة رفع الدعم منح المواطن (500) جنيه شهريا اي اقل من دولارين وهي لا تساوي شيئاً، مقارنة بأن الفقير على مستوى العالم يعيش على أقل من دولارين في اليوم اي(60) دولار في الشهر، وللأسف هذه ال500 جنيه هي من تمويل البنك الدولي ورأي انه كان يجب ان لا تستجيب الدولة لهذا الامر اطلاقا لان هذا المبلغ لا يساوي شيئاً للشرائح الضعيفة ولن يكون معادل للأثر السالب الناتج عن تحرير أسعار المحروقات .

تشكيك

ويشكك عضو  اللجنة الاقتصادية بتحالف قوى الحرية والتغيير - الائتلاف الحاكم بالسودان- التجاني حسين ،في تحسن الاوضاع الاقتصادية في العام المقبل ، وبرهن على حديثه بقوله إن موجهات موازنة 2021م  تنذر بضغوط جديده على المواطنين تصل حد الاختناق.

وأوضح التجاني حسين لـ "الاحداث نيوز"  إن البلاد موعودة بموجة ثانية من أزمة اقتصادية طاحنة ومن ثم انفجار جماهيري كبير في مواجهة السياسات الاقتصادية الفاشلة والمدمرة للاقتصاد الوطني وفق تعبيره.

ولفت حسين الى ان منشور. موجهات الموازنة الجديدة لم يتعرض لأي هدف من أهداف الشعب المتمثلة في معالجة الوضع المعيشي الصعب للمواطنين وارتفاع وفوضى الأسعار ومشكلة المواصلات ودعم الموسم الزراعي ومعالجة قضايا الصناعة ولا التعاونيات ولا تشغيل الشباب ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة كموجهات أساسية واجبة لموازنة .2021

الحلول

ورأى الناير ان الحلول موجودة وممكنة الا ان الدولة لم تسعى وذكرناها مراراً وتكراراً ، فالدولة اذا سعت مع المغتربين لايجاد آلية لتوفير سكن رأسي وتحصيل القيمة على اقساط بالعملة الأجنبية ومنح اعفاء جمركي لسيارة واحدة لكل مغترب، مقابل وديعة دولارية ، انشاء بورصة للذهب للاستفادة منه  وادخاله في الاقتصاد بالكامل، تفعيل الدفع الإلكتروني لحصر الاموال حتى لا يُضارب في الدولار بها، هذه كان الحلول كان يمكن ان تساعد في خلق الاستقرار ، بيد ان الناير يشير الى ان الدولة لاتفعل شيئاً في هذه الملفات بصورة اساسية.

المشهد في المرحلة القادمة

ويرى الناير ان المشهد في المرحلة القادمة مُرتبِك حيث ان الحكومة حتى الان تعجز ناهيك عن معالجة المشكلة الاقتصادية ، تعجز عن تشكيل حكومة بمجلس الوزراء وهذا مؤشر واضح جدا لم تستطع تشكيل الحكومة وارضاء المرحلة المكونة للمرحلة القادمة بالتالي لا نتوقع ان يكون لديها قدرة على فعل شيء في المرحلة القادمة الا اذا تم تشكيل الحكومة من كفاءات وطنية وتكملة هياكل الحكم بتكوين المجلس التشريعي واستبدال مهام لجنة التمكين بإنشاء مفوضية لمكافحة الفساد حسب نص الوثيقة الدستورية . 

حماية المستهلك

ووجه رئيس جمعية حماية المستهلك نصر الدين شلقامي اتهامات لوزارة التجارة بالتقاعس عن أداء دورها في مراقبة الأسعار، وقال إنها غائبة تماماً عن الأسواق.

ووصف شلقامي في حديثه لـ"الاحداث نيوز" ما يحدث من تردي الاوضاع المعيشية بسبب  القرارات الحكومية التي ادت لفوضى وارتفاع الأسعار في الأسواق، بأنه نتاج التساهل في تطبيق القانون على التجار المخالفين والمتلاعبين بالأسعار.

وطالب رئيس جمعية حماية المستهلك الحكومة بدراسة الأثر الاقتصادي للقرارات التي تتخذها، بهدف الحد من التداعيات السلبية على المواطنين، قائلاً: إن السياسات الاقتصادية الأخيرة تسببت في خلل كبير يعاني منه المواطن ، وطالب بتنفيذ قانون حماية المستهلك.

التعليقات