رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

  • 2020/01/09 الساعة AM 06:45
القيادي الإسلامي د."غازي صلاح الدين" في حوار مهم مع (المجهر):

أثارت مقاطع فيديو بثتها قناة (العربية) حول لقاءات سرية لقيادات في النظام السابق، تحمل إفادات خطيرة ومهمة حول أحداث وقعت إبان النظام السابق، محورها شخصيات من إسلاميين نافذين، كان الدكتور "غازي صلاح الدين العتباني" أحد أبرز القادة الإسلاميين للنظام السابق، محوراً كبيراً في الضجة التي أثيرت حول التسجيلات.. التقيته في منزله بـ(حلة خوجلي) بالخرطوم بحري،  كعادته كان هادئاً يخرج الحديث من فيه بعناية وانتقاء، أبدى تحفظه على الحديث عن بعض الأحداث التاريخية، ولكنه قال الكثير والمثير:

 

حاورته: رشان أوشي

 

 

 

**عندما نفذ الانقلاب المزعوم كنت نائماً وأبلغتني زوجتي بالأمر

 

**"علي عثمان" كذوب، وهو من يؤمن بالانقلابات العسكرية وليس أنا.

 

**ما يدهشني لماذا لم يعاقب "ود إبراهيم" على انقلابه حتى الآن..

 

**التقيت "الشفيع خضر" وبعض قادة اليسار وناقشتهم حول مصالحة وطنية..

 

**خرجت عن المؤتمر الوطني لأنني فقدت القدرة على الدفاع عنه..

 

**حتى الآن لم أسمع من "قوش" تفسيراً لما قام به ولا أريد أن أظلمه..

 

**للأسف الكبار في الحركة الإسلامية هم من أخطأوا..

 

**بإمكان شباب الإسلاميين إحداث مراجعات وتطوير للفكرة إن غادروا محطة القطيعة النفسية..

 

*قرأت لك مقالاً، قبل أيام قدمت فيه مبادرة للتوحد في كيان وطني وترتيب الأولويات، وصياغة دستور دائم مع مشاركة كل القوى والكفاءات.. هل هي إعادة تسمية لمصالحة وطنية تشمل اليسار، اليمين والوسط؟

 

ــ ليس من الموضوعي أن أطلب منهم تغيير مفاهيمهم وأيديولوجياتهم، أطالب فقط بالنظر إلى المصلحة العامة التي تجمعنا، وكذلك الخوف على مستقبل البلاد وتردي الأوضاع بها، كل ما يجمعنا، يدفعنا إلى أن نتواضع على مشروع سياسي وطني، نحاول بقدر الإمكان الإجابة على الأسئلة الرئيسية في السياسة السودانية، ونحصل منه ما نحصل، لأن التشاكس الذي يحدث الآن بين التيارات المختلفة يعطل المسيرة إلى الأمام.

 

*هل مبادرتك هذه، تشبه الى حد كبير ذلك العنوان الذي طرحه الراحل د."حسن الترابي" في آخر أيامه ولم يخرج محتواه إلى العلن حتى الآن (المنظومة الخالفة)؟

 

ــ المنظومة الخالفة تتحدث عن ارتباط مصيري بين التوجهات المختلفة للمجتمع، لقيام تيار مجتمعي عريض يحمل أفكاراً متشابهة، لا تناقش حتى قضية السلطة، إنما نحن نتحدث عن الدولة وبقائها واستمرارها، فاعليتها تتأثر جداً بالأحداث الجارية الآن، ما ندعو له الناس هو إبقاء أيديولوجياتهم في مكانها، والالتفات لإدارة المرحلة.

 

*عندما كنت مسئولاً في الإنقاذ، لم تتحدث كثيراً عن إخفاقاتها، كنتم تتجبرون حتى على معارضيكم ومنتقديكم، حتى موقفك من إخوانكم الذين غادروا إلى الضفة الأخرى بعد المفاصلة لم يكن ديمقراطياً؟

 

ــ لم يحدث هذا، المفاصلة هنا مسألة غير قياسية، هذا النوع من الاحتجاج لم أتعود أن أرد عليه بالشكل التقليدي (يوم كذا فعلت كذا)، ولكن بإمكانك أن تسألي السيد "الصادق المهدي"، قابلته في زيارة خاصة بمدينة "لوزان" بسويسرا في العام 1996م، كانت الإنقاذ في عزوتها، وتحدثت معه عن المصالحة، وكذلك عندما عاد الشريف "زين العابدين الهندي"، كنت أنا مستقبلاً ومنظماً للبرنامج، لم أتوقف يوماً من الدعوة للمصالحة الوطنية منذ أن كنت طالباً.

 

*طالبت الحاكمين بقيادة المبادرة.. هل تلقيت أي إشارة إيجابية حتى الآن؟

 

ــ لم أطرحها عليهم، ولم أتواصل معهم، ولكني على قناعة بأن واجب المثقف والسياسي الوطني، أن يقدم المبادرات، ويسعى من خلال الاتصالات لتطويرها والتبشير بها، وهذا ما أسعى له.

 

*هل تظن أن القيادة الحالية المزدوجة (عسكرية ومدنية) قادرة على ابتدار مشروع وطني تصالحي يجمع الكل؟ البعض يرى أن جميع القيادات ما تزال واقعة تحت ضغط المواكب والهتاف؟

 

ــ علوم الثورة ومن كتبوا عنها في العالم، تحدثوا عن ارتفاع سقف المطالب الجماهيرية والحدة والتشنج، تتلوها مرحلة استقرار، وعقلانية أكثر، لذلك من الممكن أن نتواضع ونتفق على الخروج إلى البر، يحدث عناد في البداية من الممسكين بالسلطة، بدوافع النزعة إلى إثبات أنهم الأصلح والقادرون على إدارة المرحلة، كالعادة يتكرر هذا الخطأ، كلما جاء آخرون للسلطة، لكن بعد ذلك سيكتشفون أنه من الصعب القيام بالأشياء وحدك، لابد من إرادة مساعدة خاصة لمن يعيشون معك في إطار الوطن الواحد، لأن خروج هؤلاء من الدولة هو أقسى وأكثر ضرراً من الأعداء الخارجيين.

 

*العسكريون في مجلس السيادة يجارون قوى الحرية والتغيير والأخيرة تبدو وكأنها تنافق العسكريين خاصة الفريق أول "حميدتي" كل طرف يلعب على الآخر، في ظل هذه اللعبة كيف تنجح مبادرات وطنية كبيرة؟

 

ــ نريهم أن مصلحتهم جميعاً (عسكر، ومدنيين) في هذا العمل، أعتقد أنهم لا يحتاجون لذلك التنبيه، لأنهم إذا نظروا حولهم سيجدون أنهم يحتاجون لتلك المبادرات.

 

*هل نما إلى علمك ما تردد عن حوار سري بين (قحت) والمؤتمر الوطني؟

 

ــ سمعت عنه، ولا أحب استخدام نظرية المؤامرة كثيراً في السياسة، أعتقد أنه في السودان اللقاء سهل بين الناس خاصة على الصعيد الاجتماعي، وغالباً ما يُفسر تفسيراً سيئاً، لا أظن أن المؤتمر الوطني الآن أو (المجموعة التي كانت تحكم) ــ هذه التسمية أفضل وأوضح ــ  سيدخل الآن في حوار مع النظام ربما في المستقبل.

 

*لماذا؟

 

ــ ما زالت الثورة غضة، الشعور الثوري بالتفوق يكون غالباً، الخوف من التفسيرات إذا حدثت اتصالات قبل، يؤثر في الناس، مثل هذه المبادرات والنقاشات في بداية عهد الثورة تكون صعبة جداً .

 

*ألا تعتقد أن النظام الحالي تعرض لضغوط كبيرة من الإسلاميين والحكام السابقين، وتكالبت عليه الأزمات السياسية، الاقتصادية، ويسعى لفك الخناق قليلاً بهذا الحوار؟

 

ــ هذه المسائل طبيعية، أعني الضغوط التي ذكرتها، لأن المستهدف يبادر دائماً برد الفعل ، والدفاع عن نفسه باستهداف الآخرين، وخاصة بعد الثورة تظهر عناصر دفع بالمجتمع كقوة خاصة بها في تلك اللحظة التاريخية، ولكنها ليس بالضرورة أن تكون تيارات راشدة في عقلها الجمعي، إنما استجابات ظرفية مؤقتة لأحداث يومية كما وصفتِها أنتِ.

 

*هناك من يشير إلى ارتباط وثيق بين الصراعات العشائرية التي تنشب بين الفينة والأخرى في أنحاء متفرقة في البلاد بينها والنظام السابق، ما رأيك باعتبارك كنت جزءاً من تلك المنظومة التي تحكم وتعرف طرائق التفكير؟

 

ــ لا أعتقد أن هناك رابطاً، إذا كنتِ تقصدين بالنظام السابق كتلة المؤتمر الوطني، وهي كتلة عريضة ومتنوعة، ليست منسجمة ومتسقة تماماً، هناك من دخلوا المؤتمر الوطني ليصل بهم إلى السلطة، وآخرون انضموا إليه لعقيدة، وآخرون غضباً، لذلك لا أعتقد أنهم يفعلون ذلك من خلال معرفتي بأشخاص القيادات، هذا ليس الطريق المفضل بالنسبة لهم.

 

*هل تعني أنه ليس أسلوبهم في هذه المعركة المكشوفة؟

 

 ــ لم أقل إنه ليس أسلوبهم، ولكن في هذه اللحظة بالذات هم تحت ضغط واتهامات، وتقييم سالب، ردة الفعل الطبيعية هي محاولة الاتساق مع ما هو قائم، وليس الخروج عنه.

 

*"د.الشفيع خضر" القيادي اليساري، تحدث من قبل عن تسوية فكرية وسياسية بين اليمين واليسار، هل التقيته؟ وهل هناك رابط بين مبادرتك ومبادرة "الشفيع"؟

 

ــ هذا الأمر ناقشته مع "الشفيع خضر" وبعض قادة اليسار الآخرين ممن لديهم طاقة للنقاش والحوار، وأعتبر حديثه مشجعاً جداً ، وهو يعلم أفكاري في هذه المسألة، ولكن القضية تحتاج إلى دفع ودعم خاصة منهم، لأنهم في السلطة، عامة الإسلاميين والوطنيون فهم منفتحون نحو الحوار، لأنه بدون حوار لن يكون هناك استقرار.

 

*"د.غازي" أنت تعلم مستوى الغضب الشعبي الذي أفرزته الثورة تجاه الإسلام السياسي عموماً، وبات واضحاً أنهم فقدوا السند الجماهيري تماماً، كيف تنظر إلى مستقبلكم السياسي؟

 

ــ هذا التصنيف مبالغ فيه، لم يساورني شك في ذلك، الناظر بموضوعية لتجربة الحركة الإسلامية، يلاحظ مآخذ جميعُنا تحدثنا عنها، لكن جوهر الفكرة هو إمكانية الجمع بين (الحداثة والتدين)، ببساطة هذه هي فكرة الحركة الإسلامية الصحيحة، بمعنى أننا نقدم نموذجاً في التدين ليس مصادماً للتقدم الحضاري والإنساني نحو وسائل العلم الحديثة وهكذا، هذه الفكرة ستظل جاذبة، قد تخفق التجربة هنا وهناك، ولكن الفكرة في جوهرها ستظل باقية إذا أحسن الإسلاميون في السودان معالجة أخطائهم، وتجديد طرحهم للناس، ولكن أن يفعلوا ذلك بصدق، لكن هذه المسألة ليست سهلة، وممكنة في الوقت ذاته، وتحتاج إلى قدر كبير ليس فقط من المعرفة والدراية، ولكن من الإخلاص.

 

*ثلاثون عاماً من السلطة خلقت بوناً شاسعاً بين قيادة الصف الأول في الحركة الإسلامية وبقية الكوادر، هل بإمكان الجيل الحالي القيام بمهمة مراجعة الفكرة والتطبيق؟

 

ــ المعوق الرئيسي نفسي، بمعنى أن هناك شعوراً متضخماً جداً عن الخطأ التاريخي، والمسئولية عن الذي حدث، قد تعوق ذلك، وهناك أسباب أخرى، ولكن الإمكان في الظروف التاريخية والملحة المحيطة بنا متوفر، الإمكان من حيث الأفراد الموجودون في التيار الإسلامي الآن، أن يقوموا بذلك، ويجب أن نفهم أن هناك مشكلة مسَّت الكبار،  وهذا الصراع في حقيقته هو صراع كبار، والأخطاء من الكبار.

 

*من سيقوم بذلك الدور، الحركة الإسلامية الآن عصبها جيلكم، وأنتم لا مستقبل لكم، كما لم يحظ شبابكم بما حصلتم عليه من تأهيل أكاديمي، معرفي وسياسي؟

 

ــ المعرفة الإنسانية موجودة ومتاحة، ليس بالضرورة أن يكونوا قد درسوا في أمريكا، أو بريطانيا، كما حدث معنا نحن، لكن ما أؤكده لك أن الجيل أو الأفراد الذين وُصِموا بأخطاء الإنقاذ ليس لهم مستقبل قطعاً، ويمكن أن تنشأ مجموعات جديدة مسلحة بالخبرة والحكم ثلاثين عاماً، وإيمان بإمكانية التقدم إلى الأمام، والتواضع مع الآخرين، لقيام مشروع وطني.

 

*هناك مجموعة انشقت من حركة (الإصلاح الآن) بقيادة "د.فتح الرحمن فضيل" واتجهت لإنشاء حزب جديد (حركة بناة السودان) لماذا غادروا؟

 

ــ لم يحدث انشقاق، بل جاءوا إليَّ وطلبوا مني توسيع مشروع الإصلاح الآن، من خلال تشكيلات جديدة، لم أمانع في تكوينهم حزباً ، نحن نعلم الناس ليشقوا طريقهم ويدرسوا، من المؤكد لم يكن انشقاقاً إنما خمسة أفراد فقط.

 

*تربطك بالفريق "قوش" صداقة في عهد الإنقاذ هل تواصلت معه أيام الثورة قبل التغيير؟

 

ــ لم أتواصل معه.

 

*هل تعتقد أنه شارك في التغيير؟

 

ــ أنا حريص ألا أظلم أحداً، ما لم أسمع منه مباشرة تفسيراً، تفسير ما حدث يحتمل أنه بتدبير وتشاور مع آخرين، ويحتمل أن يكون شيئاً اضطروا إليه اضطراراً من ضغط الشارع.

 

*هل ترى لـ(صلاح قوش) أي مستقبل سياسي؟

 

ــ لا أعتقد ذلك.

 

*إحساسك وأنت تستمع لحديث "علي عثمان" عن مشاركتك في انقلاب "ود إبراهيم" وعن رأيه عندما قال: "لو كانوا شيوعيين كان أعدمناهم"، كأنه يدعو لإعدامكم؟

 

ــ ما بثته قناة (العربية) هو شيء لا يمكن لأي إنسان تجاهله في الحياة العامة، ولا يمكن تجاهله إذا صدر من شخص في مركز السلطة، ولكن نحن ندعو للأخلاق في السياسة كإسلاميين، هناك اعتبارات مصلحة عامة، وعلاقات إنسانية خاصة  مع الأسر تمنع الإنسان من تجاوز حد معين، كما أن هناك مسؤولية من الشخص العام أمام الرأي العام، أحاول الموازنة بين الأمرين، ما هو حق للرأي العام عليَّ قولُه، لأنني لابد من تحمل هذه المسؤولية، لذلك أحاول خلق وزنة بين الحقائق والانفعالات.

 

*لم أخرج بإجابة واضحة حول سؤالي، هل كنت تتوقع أن يدعو "علي عثمان" لإعدامك ومحاكمتك حول تهمة المشاركة في انقلاب "ود إبراهيم"؟

 

ــ مسألة مشاركتي في انقلاب "ود إبراهيم" قيل افتراءً، من الطرائف التي أرويها لك، أنه يوم هذا الانقلاب، أخذتني غفوة بعد صلاة الفجر وبعد القراءة، أيقظتني زوجتي، ونقلت لي حديثاً منسوباً لمدير المكتب، وقالت: (فلان مدير المكتب قال ليك البلد كان فيها انقلاب)، سمعت مثلي مثل الآخرين، مضحك بالنسبة لي أن يقال مثل هذا الحديث، ولكن المضحك أكثر، أن شخصاً قيادياً مثل "ود إبراهيم" كان من الممكن أن يكون رئيساً للحركة الإسلامية ويفعل هذه الفعلة، ولا يُسأل حتى هذه اللحظة.

 

*"علي عثمان" قال في التسجيلات ما معناه أن "ود إبراهيم" وشى بك، عندما قدموا لاعتقاله قال للقوة (قبضتوا غازي)؟ هل هذا صحيح؟

 

ــ لا أعتقد أن يقول "ود إبراهيم" ذلك، ولا أعرف ما قاله ولا يهمني، ولكن قطعاً حديث "علي عثمان"  كذب وافتراء، ليس لديَّ مشروع انقلاب مع "ود إبراهيم" ولا أؤمن بالانقلابات، ولكن تاريخياً من يؤمن بالانقلابات هو "علي عثمان" ولست أنا، هذه المسألة ليس لها أي أساس من الصحة، إنما كذبة بلغاء، ومن يقُل ذلك هو رجل كذوب.

 

*واضح من التسجيلات أن الدكتور "أمين حسن عمر" توسلهم للعفو عنك، وناشدهم بحق التاريخ المشترك والجهاد، ما شعورك وأنت ترى دموعه في الفيلم؟

 

"ضحك".. هو موقف كريم، ومن الجيد أن ربنا حفظ موقفه هذا من خلال هذا التسجيل.

 

*لم تتفاعل مع موقف د."أمين" كثيراً.. هل أنت على خصومة معه؟

 

ــ لا أبداً، علاقتنا جيدة.

 

*كيف ترى المستقبل السياسي للمؤتمر الوطني برئاسة بروفسيور"ابراهيم غندور"، ما زال الرجل يقاتل حتى بعد صدور قرارات حل الحزب وحظره؟

 

ــ بروفسيور "ابراهيم غندور" تقع عليه تحديات كثيرة، ومشكلات عظيمة، وتحيط به أزمة حقيقية في قاعدته، لذلك إذا لم يستطع التخلص من هذه العقبات، وينشئ قيادة جديدة مقبولة ومحترمة من الشارع السوداني، سيكون من الصعب أن يشكل رقماً مقدراً في السياسة السودانية، المسألة رهينة بقدرته.

 

*سنعود للتاريخ قليلاً، ما هي الأسباب التي لم تذكرها وقتها، ودفعتك لمغادرة المؤتمر الوطني والسلطة؟

 

ــ في آخر عامين لي بالمؤتمر الوطني، كنت صامتاً تماماً، وأُخذ عليَّ ذلك، وكانوا يلومونني على الصمت، وقلت لهم لأول مرة أكتشف أن الصمت جريمة، هنالك أناس ظلوا صامتين منذ أن قامت الإنقاذ، وحتى هذه اللحظة لم يعاقبوا بذلك، ولكن لماذا كنتُ صامتاً، وهي ليست طبيعتي، لأنني إذا آمنتُ بفكرة أقاتل في سبيلها، وسألتني إحدى أخواتنا القياديات هذا السؤال، وأجبتها بـ(أنني لا أستطيع أن أكون في كيان لا أستطيع الدفاع عنه)، وصلت إلى هذه المرحلة من الترجيح فغادرتُ.

 

*لماذا لم تخرج وتنتفض منذ أن انحرف مشروعكم عن مساره؟

 

ــ إذا كانت هناك فرقة وخصومة مع أخي، لا أقدم القطيعة على الإصلاح "لعله ينصلح"، ولكن هناك مرحلة وصلنا إليها أن أصبحت تلك القيادات بعيدة تماماً عن الفكرة (عقيدة، فكراً، وسلوكاً)، لذلك أنا وجدتُ نفسي في هذا الوضع المحرج، كيف أدافع عن واقع لا أؤمن به، ولا أتفق معه، وآثرتُ الخروج.

 

*هناك استفهام يدور في أذهان الصفوة والعامة، حول من كان يحكم الإنقاذ، أحياناً يظهر نفوذ كبير للنائب الأسبق لرئيس الجمهورية "علي عثمان محمد طه"، وفي الآونة الأخيرة ظهر نفوذ "البشير" بشكل كبير، من كان يحكم الإنقاذ؟

 

ــ من يملك السلطة هو من يحكم.

 

*أرجو التوضيح أكثر؟

 

ــ من يتوفر له منفذ إلى السلطة والسيطرة على قرارات الدولة، التحشيد واستجلاب الأتباع، والمال هو من يحكم.

 

*أيضاً هناك استفهام حول تبعية الأجهزة الأمنية والعسكرية، وولائها الأعمى للتنظيم، وقيل إن "علي عثمان" أسس مليشيات خاصة داخل الأجهزة الأمنية، ما مدى صحة هذه الأحاديث؟

 

ــ الإنقاذ جاءت عبر انقلاب عسكري، ولذلك حدث وضع استثنائي، والذين أصبحوا قادة لها كانوا هم العسكريون من تركزت لديهم السلطة، بالتالي الحركة الإسلامية في منطقة تيارات مختلفة، الطبيعي هو (المدنياااااااو)، ولكن المدنية لا تنكر أن العسكرية قوية، لا تعني إضعاف العسكر، بدرجة ما أخذت الإنقاذ الطابع المدني، وأصبحت مرجعية القرار ببعده الواقعي من حيث مشروعية التعامل معه، لا تقوم وفق الأنظمة السياسية المدنية ، إنما تقاس بما يحقق من نفوذ، هذه الفكرة سيطرت على عقول كثير من القياديين، بالذات القيادات الوسيطة والدنيا الذين فهموا أن القضية هي صراع ، لذلك قد يكونوا استغربوا من خلال التسجيلات للحماس الذي كان يتحدث به البعض والمشروعية في أن يفعلوا كذا وكذا وكذا، وكأن الملك العام إذا وظف لما وظف لما يرونه هم بدون رقابة مجتمع هو الصحيح، وجائز.

 

*لماذا وصل إخوانكم الى هذه المرحلة من الجبروت والفساد والاستبداد؟، التقصير مسؤولية من، هل مسئولية أصحاب المشروع الحقيقيين الذين فشلوا في الدفاع عن جوهر الفكرة؟

 

ــ دلفتِ بي إلى نقطة لا أحب التحدث عنها كثيراً، لأن من سيتناولهم الحديث الآن غير موجودين وليس بإمكانهم الدفاع عن أنفسهم، لكن إذا لاحظتِ في خلاصة الاستماع للحلقة المعنية، تخرجي بأن الذين يدافعون عن النظام بكل أخطائه هم الكبار وليس الصغار.

 

*في شأن المفاصلة، هناك أسباب أيضاً لم تقال للعلن..؟

 

ــ والله الذي لم يقال كثير، ولا أستطيع التحدث به، ربما يكون الحديث بالنسبة لك كصحافية مهماً ومثيراً، ولكن عائداته علينا كتيار إسلامي ستكون مروعة، كما تحكمنا علاقات إنسانية وأخلاقية.

 

*هل ما زال لديكم قليل من الأمل للعودة إلى المسرح مرة أخرى لتخفي هكذا حقائق؟

 

ــ القضية ليست أملاً، ولكن عندما تلتقي شخصاً فرقتكم الأيام، وتربطك به علاقة إنسانية قديمة، (دخلنا السجن معاً، وقاتلنا معاً)، ومعارك سياسية مختلفة معاً، هذا ليس شيئاً استهينُ به، ستظل الكوابح والموانع النفسية.

 

*هناك شخصيات صعدت إلى قمة الحكم والسياسة مؤخراً، كنائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول "محمد حمدان دقلو"، ما رأيك فيه؟

 

ــ "حميدتي".. يجب أن نفصل بين أمرين، ما ترتب من خطأ في نظر الناس تجاه قراراته وسلوكه في السابق، وبين ما هو الآن حقيقة واقعة مؤثرة في واقعنا، والسياسي لا يهمل تأثير الواقعي على الإنساني، لذلك لابد أن نتعامل مع "حميدتي" الآن، أما وجوده الأساسي كقوات والفكرة في جوهرها فكانت خطأ، ودار حديث حوله بيني وبين الرئيس "البشير" وقتها.

 

*(عفواً) هل تقصد أن الدعم السريع كان مثار جدل بينك و"البشير"؟، هل كنت ترفض وجوده؟

 

ــ نعم.. وما زلت أقول ذلك، وأستعين الآن بما ورد ذكره من "مكيافيلي" في كتابه، وهو يحادث الأمير: "لابد للأمير أن يتخذ جيشاً وطنياً وليس مرتزقة"، هذا أمر، أما على المستوى الشخصي فالتقيتُ بـ(حميدتي) مرتين تقريباً ، إنسان متواضع وبسيط ومنفتح، وله القدرة على إيصال أفكاره بصورة جذابة، والأهم من ذلك له الاستعداد للتفاهم، إن وجد الآن تفاهم معقول للنظر في دوره الآن والمستقبل، لو أعطي هذه الفرصة سيكون الأفضل، الآن يبدو لنا أن هنالك عملية تخويف وضغوط تمارس عليه، وهو بالضرورة يضطر إلى ممارسة الضغوط على الآخرين، وهي حالة غير صحية، يجب أن ننظر إلى المخاوف المشتركة والمنافع المشتركة، ونزيح تلك المخاوف بقدر الإمكان، لا نريد لأي سوداني أن يتورط ويورط في جرائم، وأن يُمنح الفرصة التي مُنحت لغيره.

التعليقات