قالوا ان البكاء هو الشفاء من الجوى بين الجوانح..حدثونا عن وسائل استيعاب الفقد loss assimilation وماأسموه بنظرية دورة الحزن افتوا فيها ان الفجيعة تمر بمراحل خمس هى ال denial ثم ال anger فال bargaining ومن ثم ال depression وصولا لمرحلة ال acceptance… لكننا فى حالة السر قدور ” شربنا دموعنا ماروينا ” كما انبأنا من قبل

صديقه سيف السوقى، ولايزال الوجع يتمدد بدواخلنا ..
على مثل ابى زينب فلتبك النائحات..وكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر…عندما اسرج السر قدور خيله للرحيل تخير ساعات الفجر الاولى فامتطى لدار الخلود ظهر غيمة بيضاء حاملا ازميله وتراتيل ملونة وبقايا ضحكة مجلجلة ملأت ارجاء الاكوان
حتى اطل الشهر الكريم لنفجع اننا نعيش حقبة مابعد السر قدور واننا لن نحظى تلفازا هذا الشهر بظهور طلته وطلعته
البهية وحضوره الطاغى وانسانيته الفريدة وابداعه المتميز ووصفاته الهادفة لترويض زمن عارم ، واننا , وياللاسف ،
سوف نصوم هذه المرة من دون رؤية الهلال…

عندما طلب منى راحلنا المقيم الاستاذ السر قدور كتابة مقدمة لكتابه “زمان الناس ” الذى تضمن عصارة نادرة من الافكار والذكريات والخواطر وتجارب السنين فى مجالات الفن والثقافة والاجتماع والادب قلت له انه بمثلما ان تقديم الكتاب تشريف اعتز به الا انه يشكل ايضا مغامرة كبرى اذ كيف بوسع احد الاحاطة بمنجم لاينضب وبحر لاساحل له من العلوم والمدارك..فالاستاذ السر قدور مشروع ابداعى متكامل، فهو الشاعر والملحن والمغنى والمادح والاديب والممثل والكاتب المسرحى والمؤرخ والموثق للتراث ،وهو ايضا الصحفى والاعلامى والمفكر السياسى سليل الاسرة المبدعة من الشعراء والفنانين والمادحين..ومثلما ارتحلت اسرته من الجباراب للشعديناب بعد فيضان ١٩٤٦ فان جينات ذلك الارتحال ظلت كامنة فى نفسه خلال مسيرة حياته العامرة ليس فقط تنقله القصير فى خمسينات القرن الماضى فى شبابه الباكر من دامر المجذوب الى عطبرة كل خميس لزيارة مكتبة اولاد دبورة
او سينما بيرفس او لام درمان بل ارتحالاته فى دروب الحياة الاخرى وهو يشب عن الطوق بمافى ذلك رحلة استقراره الاخير بمصر والتى كان الوطن فيها ايضا اقرب اليه من حبل الوريد ، وهى الرحلة التى انتهت بمواراته الثرى بمدافن ٦ اكتوبر بالقاهرة فى ٣١ مارس ٢٠٢٢
ليذكرنا بان الحياة كلها رحلة قصيرة……لئن همس السر قدور فى قصيدة ” الشوق والريد مرددا ” ليكا رسالة” فقد كان طابع رحلة حياته بكاملها هو رسالة التميز والحب والانسانية…

ليكا رسالة
لو روحك يوم تنسى دلالها
نعود احباب زى ماكنا
فى دنيا الحب نلقى الجنة
ياحبيب الروح…ياأحلى غرام
اسأل قلبك..برضو بقولك
لوكان حنا..

يطول الحديث وسوف يطول عن الاستاذ السر قدور …وسوف يفقده كثيرا كل من التقاه ، و كل الذين احبوه للضوء الباهر الطالع منه علما ومعرفة دون ان يجدوا فرصة مقابلته !

والحب كاللص لا يدريك موعده
لكنه قلما كالسارق استترا

ستفقده بالقطع ساحات الأدب والفن والثقافة ..وسوف يترك فراغا هائلا فى جهة توثيق الاغنية والموسيقى السودانية التى كان محاميها وموثق عقودها وحامل اختام بشاراتها..سوف يظل برنامج ” اغانى واغانى” صدقة جارية لهذا العملاق ..وسوف تدون محاضر التاريخ دوره بالغ الاهمية وغير المسبوق فى ترابط الاجيال والوقوف على تجارب الماضى الثرة والمحتشدة بقيم الخير والجمال….ادرك حزنك الكبير صديقنا العزيز مصعب الصاوى…واحسب ان ارث السر قدور نفسه ، وقد جاء يوم شكره ، يستحق الابانة ويستلزم البحث…ان كان السودان من اقصاه الى ادناه قد توشح بالحزن على رحيل ايقونة الابداع فاننى لا استطيع تخيل القاهرة بدون السر قدور….خلال فترة عملى سفيرا للسودان بالقاهرة اشهد بان استاذ السر كان سفارة ابداعية واجتماعية وثقافية وانسانية مكتملة الاركان ..وانه كان واسطة عقدنا ومهبط افئدتنا…وكان احترامه وتقديره من كافة فئات الشعب المصرى الشقيق نموذجيا…لا استطيع تخيل القاهرة بدونه.

لقد وهب السر قدور عمره ونذر نفسه بنجاح لخدمه مشروعه الفنى وعزز بتميزه مسيرة تطور الغناء والموسيقي بالسودان على نحو لم نكن ببالغيه دون وجود امثاله من العباقرة…وسجلت كافة اغانية نجاحا وقبولا كاسحا ودونك تلك التى غناها ابراهيم الكاشف والعاقب محمد حسن وصلاح ابن البادية ومحمد ميرغنى وكمال ترباس..بمافيها الاغانى الخفبفة التى ظفر القلع عبد الحفيظ باحداها مؤخرا ، وهى” عناقيد العنب”…

عناقيد العنب..ياعناقيد العنب
ليه الدلال من غير سبب
المساكين ليها رب.

ويا ابا زينب…كم احببناك…وكم سنفتقدك…لقد منحك محبوك العلامة الكاملة….صداقة وابداعا……ومنحناك دعواتنا المتصلة بان يهبك المولى وافر رحمته و جزيل غفرانه وحسن قبوله …وابشر ….” شمسك طلعت واشرق نورها بقت شمسين”…” وخلاك احلى من القمر”..اما الحب فقد ” بان بلمسة اييد “…ويا استاذ السر قدور….لقد عرفك شعبنا و” شافك لقاك…اجمل ملاك “..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.