nasdahab@gmail.com

“ماذا لو حلّت كارثة استثنائية سوّت بالأرض كل ما عليها ومن عليها؟”، بعض الكُـتــّـاب أجاب على السؤال الذي لم يعد خيالياً، في أتون الحديث عن السباق النووي والمخلوقات الفضائية الأكثر تطوراً وليست أكثر سلماً بالضرورة، أجاب بما يفيد أسفه المأساوي على ضياع كتاباته في ظروف كتلك.

وإذا كان معروفاً خوفُ الكــُـتــّـاب الهوسي على كتاباتهم من الضياع قبل أن ترى النور اكتمالاً أو نشراً، فإن انصراف التفكير إلى الحسرة على ضياع الكتابات عند ضياع الوجود بأسره حماقة يحبّ بعض الكتــّـاب أن يعيشها محاولاً إقناع الناس بأن وجود كتاباته أهم من وجوده هو مضافاً إليه وجودهم هم ووجود الوجود نفسه.

في تشييع نزار قباني الشاعر السوري ذائع الصيت سـُـئل الشاعر الفلسطيني المعروف محمود درويش عن مشاعره فأجاب بما مفاده: “أتساءل عن جدوى الشعر إذا كان الشاعر نفسه يفنى”، وفي ذلك تجاوز أكثر صدقاً مع النفس لما يحاول المبدعون أن يُقنعوا أنفسهم به من أن خلودهم ستضمنه إبداعاتهم بعد رحيلهم، فما جدوى خلود الذكر عند فناء صاحب الذكر جسداً وانتقال روحه إلى عالم لا يعلم أحد يقيناً معايير السعادة والرضا فيه؟

إذا استثنينا هاجس خلود الذكر عند الكـُـتــّـاب والمبدعين إجمالاً فلا غريب في أن يظن الواحد أن مهنته هي الأهم وأن وجوده بين أبناء المهنة (وبناتها) هو ما يكفل للمهنة استمرارها وألقها، نقول لا غريب في ذلك مع أن مهنة لم تتوقف لأن عبقرياً من أهلها – دع عنك ما دون ذلك من المراتب – توقف عن العطاء، حتى إذا كان ذلك العبقري ممن يزيد وجودُهم المهنة ونتاجها ألقاً بالفعل.

ولأن العرب أمة لا تزال شاعرة، بالرغم من كل ما يقال عن زمن الرواية، فإن “أنا” الشاعر العربي هي الأعظم من بين “أنَوات” الكــتــّـاب العرب إن لم يكن المبدعين العرب قاطبة، و”أنا” الشاعر العربي يزكيها الشاعر في نفسه – مستدعياً تاريخاً لا يخذله في ذلك – ويصادق عليها المجتمع راضياً مرضيّاً.

لـ”أنا” المبدعين “الخواجات” سيرة أخرى تتماشى مع زمانهم الذي ليس بزمان شعر ولا زمان رواية وإنما زمان نجوم، فما ننعاه على مراهقينا وشبابنا – من أن قدواتهم لم تعـُـدْ عظماء التاريخ من القادة والعلماء والأدباء- هو ذاته موضع الحفاوة لدى عقلاء الغرب (ومجانينه) مع مراهقيهم وشبابهم المنصرفين إلى الاقتداء بنجوم الرياضية والفنون من الفاتنين والفاتنات.

وعليه فإن “أنا” النجم الخواجة هي الأعظم هناك بين “أنوات” المبدعين ذوي العيون الزرق، حتى إذا كان ذلك النجم فتى أو فتاة دون العشرين، وهي “أنا” يصادق عليها المجتمع الغربي بمثل ما صادق به المجتمع العربي على “أنا” الشاعر المجيد وزيادة.

لا ضير في “أنا” مهما تعاظمت ما دام المجتمع يصادق عليها ويكفل لها أسباب العيش، وهكذا فإن من حق “أنا” النجم الخواجة أن تزهو وتتخايل، فالمجتمع يغدق عليها أسباب النعيم والهناء في العيش وليس أسباب العيش مجرّداً، تماماً مثلما كان من حق الشاعر العربي القديم أن يتخايل بأناه عندما كان ملوك ذلك المجتمع – فضلاً عن العامة وتقديراتهم المعنوية الصرفة – يغدقون على الشاعر أسباب النعيم والهناء في العيش، مع التذكير بخطَل مقارنة عيش القرن الرابع من الهجرة وهنائه بعيش القرن الحادي والعشرين من الميلاد وهنائه دون أخذ النسبية في الاعتبار.

لو حلّت كارثة استثنائية سوّت بالأرض كل ما عليها ومن عليها فإنني سآسف فيما آسف على كتاباتي التي ستــُـسوّى فيما سيـُـسوّى، وأنا قبل هذا أخشى أن يصيبني مكروه قبل أن أنجز كتاباً أعكف عليه وأحسب أن أرفُف المكتبات تتحرّق شوقاً إلى اكتماله. مـَـن مِن حقه أن يصادر على خيال كاتب فيمنع “أناه” أن تعربد على تلك الشاكلة؟ إذا كانت الإجابة الأسرع إلى الخاطر هي “لا أحد” فإن الخلاصة الأهم تفيد بأن المبدع الأسعد حظاً هو ذلك الذي يحمل عنه المجتمع عبء أن يحلّق بأناه، لا ذاك الذي يصعد بها من تلقاء نفسه إلى حيث لا يراه أحد ولا يعود بإمكانه أن يهبط بسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.