alalla@gmail.com
– ١ –
المتتبع فى الاخبار فى وسائل الإعلام المختلفة ، التى مصدرها الحكومة ، و ظلت تعلن عنه بكثافة فى الوسائط الإعلامية المختلفة ، ان هناك تحسنا و تعافيا اقتصاديا قد ظهر للعيان ، و قد تمظهر ذلك فى مؤشرات تدل على تحسن الأداء الاقتصادى ، من خلال الاستقرار النسبى فى سعر الصرف ، تحسن موقف الميزان التجاري ، و انخفاض معدلات التضخم للشهرين الماضيين..
– ٢ –
الناظر لمشهد الاقتصاد السودانى و تحديدا حالة الأسواق فى الراهن المعاصر ، حرى ان يستوقف مليئا و طويلا و بعمق و تأمل اقتصادى حاذق و موضوعى ، من هذه الافادات الفطيرة ، و ابتسار لذلك التحسن ، ان استقرار سعر الصرف ، و تحسن الميزان التجاري و انخفاض معدلات التضخم ، خلال الشهور الماضية .. يتضح جليا ، و بالنظر العملى للماثل مشاهدة الان ، ان سياسات الإصلاح الاقتصادى و الإجراءات الاقتصادية الأخيرة ، قد القت بظلالها على اداء و مكانيزم السوق ، حيث تم تحرير سعر الصرف من ٥٥ جنية الى ٣٧٥جنية فى فبراير الماضى ، بنسبة زيادة فاقت ٧٥٠% ، و إلغاء نظام الدولار الجمركي ، و تحريره كاملا ، و الغاء الدعم عن بعضا من السلع الاستراتيجية ، كل هذه السياسات و الإجراءات انعكست بصورة واضحة فى اداء اعمال السوق سلبا ، و ضعف فى القوة الشرائية للمواطنين…
– ٣ –
بملاحظة المتابع لحالة السوق بعد اعلان الحكومة لتحسن المؤشرات بعالية ، يتأكد تماما ، ان الصورة مغايرة كليا ، لما هو مشاهد ميدانيا ، حيث ارتفعت المستويات العامة للاسعار لغالبية السلع ، و خاصة المستوردات منها الى اسعار فلكية فاقت حد الظنون ، كما ان الغاء العمل بنظام الدولار الجمركي فى يونيو ٢٠٢١ ، و قبلها تخفيض سعر الصرف ، ارتفع بمعدلات التضخم الى ما يمكن ان يطلق التضخم الكارثى ، لا اظن ان هناك انخفاضا قد حدث فى معدلات التضخم ، الا ان المسوغ لتلكم الاخبار ، هى من اجل إظهار الصورة الإيجابية للسياسات و الإجراءات الاقتصادية الأخيرة القاسية… قطعا ، مما لاشك فيه ، ان تسببت تلكم الإجراءات الاقتصادية بعالية فى المزيد من تدهور القدرة الشرائية لدى معظم المستهلكين ، مما عمق من الارتفاع بمعدلات الفقر ، و انتشار البطالة على مستوى واسع فى أوساط السودانيين….
– ٤ –
ما حدث ، كما أعلنت الحكومة مؤخرا ، لا يمثل مؤشرا للتعافى الاقتصادى بالمدلول الاقتصادى ، لكن اقل ما يمكن ان يقال عنه ، ان الاقتصاد وصل الى مرحلة الركود ، المصحوب بالتصخم ، ما قد يسببه فى الوصول بالاقتصاد قريبا الى مرحلة الكساد ، الذى يتوقع ينتج عنه اثار خطيرة على المستوى الاقتصادى و المجتمعى ، و الذى بدأت اثارة واضحة ، متمثلة فى تراجع مستويات الطلب الاجمالى عن العرض الاجمالى…
معلوم بالضرورة ، ان استمرار حالة الركود لفترة طويلة ، تفضى الى شيوع حالة من الكساد فى الأسواق ، و هذا هو الماثل الان فى الأسواق ، بعد فقدان المستهلكين للقدرة الشرائية نتيجة تأكل دخولهم ، فى الظن ان هذا ما تسبب فى حالة انخفاض معدلات التضخم و استقرار سعر الصرف المعلنة بواسطة الحكومة مؤخرا…
– ٥ –
من المتوقع لهذا الاستقرار النسبى فى سعر الصرف و تحسن متواضع الميزان التجاري مقرونا بالانخفاض النسبى فى معدلات التضخم ، ان يتراجع خلال الفترة القادمة ، نتيجة لتفاقم الصراع السياسى الاستراتيجي للأمن القومى فى هذه الايام العصية من تاريخ السودان الحديث ، بإغلاق الميناء الرئيس للسودان ، و الذى يفقد الاقتصاد السودانى من جراء ذلك ، مواردا مالية ضخمة جدا ، من فقدان إيرادات مهمة للحكومة ، و انخفاضا فى معدلات نسب الصادرات السودانية للاسواق العالمية ، مما يفقد البلاد حصيلة من النقد الاجنبى اللازم للاستقرار الاقتصادى كشرط ضرورى ، هذا فضلا عن تكبد القطاع الخاص لخسائر مالية كبيرة ، فاقت ١٢٠ مليون دولار امريكى جراء إغلاق الميناء ..
– ٦ –
يعتبر التضخم ظاهرة هيكلية مزمنة لازمت و ستلازم الاقتصاد السودانى ، و يعزى ذلك لاسباب عديدة منها ، على سبيل المثال ، لا الحصر ، منها ما هو متعلق بجانب العرض و هياكل الإنتاج المشوهه ، و الاخر متعلق بجانب الطلب المتزايد ، و تمويل عجز الموازنة العامة للدولة عن طريق الاستدانة المفرطة من النظام المصرفى ، و فى الظن، تعد هذه هى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء استمرار الحالة التضخمية الى فترة طويلة من الزمن ، و التى تؤكد استمرار ارتفاع معدلات التضخم الماثلة الان و مستقبلا ، بمعنى ، و كأن الهدؤ النسبى المعلن فى معدلات التضخم الان ، حالما يتوقع ارتفاعه مره اخرى قريبا ، هى حالة طبيعية و ناتج متوقع كاثر للسياسات الاقتصادية القاسية.. ..
– ٧ –
من اهم الأسباب الأخرى الداعمة للرأى بارتفاع معدلات التضخم فى الآجال القريبة ، هى مجمل السياسات الاقتصادية الجارية تنفيذها ، المحفزة لنار التضخم ، و هى بمثابة وقود على الزيت ، و ما قد تسببه من الوصول لحالة كساد كبير ، او ان شئت قل انهيار اقتصادى و مالى قريبا ،و ربما يكون بواتير متصاعدة . و يتوقع ان تكون موازنة ٢٠٢٢، موازنة تصخمية بالدرجة الاولى ، لاعتبار انها اول موازنة بعد تعمق تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى الأخيرة .. و هذا لربما تكون لحالة الاحتقان السياسى الماثل بين مكونات الحكومة الانتقالية ، الذى متوقعا ان تكون له اسقاطاتة على الموازنة العامة القادمة، بالجنوح و الركون الى تمويل عجز الموازنة من الاستدانة من النظام المصرفى ، فى ظل تنامى موجات و احتجاجات بدأت تدب فى اوساط مشتغلى القطاع الحكومى ، و المطالبة بزيادة الاجور فى بند التعويضات و غيرها من المخصصات مقارنة بنظرائهم فى المؤسسات الحكومية الأخرى ، مما قد يشكل ضغطا على حيز مالية القطاع الحكومى المنهكة …هذا فضلا عن سبب آخر حرى بالنظر اليه ، يتمثل فى ارتفاع نسب العملة السودانية المزورة ، هذا بجانب تنامى و بروز ظاهرة التفلتات الأمنية فى اجزاء واسعة من اطراف السودان ، التى دون شك تؤثر على مالية الحكومة ، بمزيدا من الانفاق الحكومى لحفظ الامن وبسط هيبة الدولة و مزيدا من معدلات التضخم ….
– ٨ –
من الأسباب الحقيقية التى تؤكد الارتفاع بمعدلات التضخم ، حالما استمرار حالة النزعات الاحتكارية و اشتداد نشاط تجار الازمة ، مقرونا بعدم اكتمال و تجزأ الأسواق فى الحاضر الماثل….
– ٩ –
ختاما ، و ليس ختما ، ان الماثل الان اقتصاديا ، المتمثل فى التدهور المريع و المتردى فى معيشه جل اهل السودان ، تعود أسبابه بالدرجة الأولى الى فقدان الرشد السياسى الاستراتيجي للأمن والسلامة القومية لحكومة الفترة الانتقالية ، و هيمنة مجموعة سياسية محددة على المشهد السياسي ، و فرض رواه و تمثلاتها و غيرها دون اكتراث لماهية الوطن و الوطنية …
هناك ضرورة ملحة الان، لفرض هيبة الدولة بالقانون والتوافق المجتمعى للخروج من عنق الزجاجة ، الا و المزيد من التدهور و التردى لا محال يستمر ، و بزوغ مستقبل مظلم للسودان ، حالما استمرت حالة التشاكس و عدم التوافق و الاحتكام لصوت العقل.

 

*خبير ومحلل اقتصادى ومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.