فيما أرى

هل تودون أن تضحكوا أم تبكوا؟
حسناً.. سأجعل ضحككم كالبكاء على أنفسكم وعلى وطنٍ نشد الحرية والعدالة فحصد نقيضهما، وكالعادة كلما نشد الهدى ركب قطارات الجنون، وحصد الهشيم.. أي والله.
ما الحكاية؟
منذ أكثر من عامين ونصف يقبع خمسة من الضباط العظام بقوات الشعب المسلحة فى بلاط الزنازين الباردة، وذلك لأن لجنة سياسية مخبولة (إزالة التمكين) قررت الانتقام منهم ومن الجيش الذي أنجبهم.
السبب بحسب صحيفة الاتهام أنهم شاركوا في أحداث إعدام (28) ضابطاً فى انقلاب رمضان 1990.
تم فتح البلاغ بالرقم 5794 للعام 2021 في نيابة إزالة التمكين.. (مادخل لجنة إزالة التمكين في قضية انقلاب فاشل)؟
لا أحد يسألني!
كوّن النائب العام وقتها تاج السر الحبر لجنة تحقيق من وكيل أول نيابة حيدر حسن رئيساً، ووكيل نيابة أبشر دلدوم مقرراً، وبعضوية محاميين، هما إقبال أحمد علي، وبشرى صالح، بالإضافة إلى ممثل الشرطة.
ماذا فعلت اللجنة؟
ألقت القبض على الضباط الخمسة تباعاً منذ تاريخ 2020/9/7 من دون أن يتعرفوا على هوية الشاكي!
استولت تلك اللجنة على محاضر الجيش السرية، بل في غاية السرية، ونبشت كل المعلومات عن كل مَن له علاقة بالانقلاب، لا تسأل كيف، بلد فوضى وأسرار الجيش في السهلة، أخُذت الملفات من أضابير الجيش ليستلمها محققون مدنيون؛ بعضهم ناشطون لا علاقة بالنيابة أو القانون!!
من هم الضابط الخمسة العظام الذين تجاوزت أعمارهم السبعين؟
خد عندك:
الفريق أول صديق عامر
اللواء حسن عثمان ضحوي
اللواء عبد المنعم محمد الشقلة
العقيد أحمد عوض أحمد محمد الحاج
العقيد سيف الدين الباقر.
إذن حُددت التهمة وفُتح البلاغ وزُج بالقادة العظام في الزنازين من وقتها 9/7/2020 وحتى اللحظة.
ماذا جرى بعد ذلك؟
طيلة تلك الفترة تم التحري مع المتهمين الخمسة مرتين فقط معهم، وكان التحري نفسه مهزلة مضحكة كما سنرى.
وطيلة فترة الاعتقال لم يتم عرضهم على أي قاضٍ، ولم يتم تجديد الحبس لهم، مما يعني أنهم ظلوا قيد اعتقالٍ غير مشروع، بالمخالفة لكل القوانين، ولكل مواثيق حقوق الإنسان.
هب أن هؤلاء الضباط العظام؛ وقد كانوا وقتذاك ضباطاً صغاراً، قاموا فعلاً بإعدام ضباط 28 رمضان.. (وهو كذب وافتراء)، فهم كانوا ينفذون أوامر عليا من قادتهم، فوفقاً لقانون قوات الشعب المسلحة فى مادته 33 (لا يعتبر جريمة أي فعل يصدر من ضابط أو ضابط صف أو جندي حسن نية، أو بسبب أداء أعمال وظيفته، أو القيام بأي واجب مفروض عليه، كما إنه لا يجوز اتخاذ أي إجراءات بواسطة النيابة العامة في مواجهة الضباط، إذا ارتكبوا فعلاً يشكل جريمة، إلا بعد أخذ الإذن من وزير الدفاع أو من يفوضهم، كما أنه إذا نتج أي وفاة أو ضرر ناتج عن إنفاذ الواجب أو الأمر القانوني يستحق معه الدية أو التعويض تتحملها الدولة نيابةً عن الضباط).. انتهى.
بسبب تلك المادة (33) الواضحة بشان التقاضي في القضايا التي تغطي أفراد القوات المسلحة حتى إذا نزلوا المعاش، ما دامت الجريمة قد ارتكبت أثناء خدمتهم. انتزعوا تلك القضية من القضاء العسكري وذهبوا بها إلى نيابة الناشطين، فى إزالة التمكين ليعبثوا بها كما يشاؤون، وقد فعلوا.
ما تاريخ هؤلاء الضباط وما قصتهم مع الانقلاب؟
الفريق أول ركن صديق عامر:
هذا الضابط العظيم مدير سابق للاستخبارات العسكرية، ذو تاريخ حافل بمسارح العمليات المختلفة، كان برتبة المقدم وقت وقوع المحاولة الانقلابية البعثية الفاشلة.
للعجب.. الفريق صديق لم يشارك في التحقيق، ولا في محاكمة المشاركين في الانقلاب، ولاعلاقة له بالموضوع بتاتاً، بل لم يعبر يومها جسر أمدرمان الحديدي تجاه الخرطوم.. تصوروا!!
اللواء الركن (م) حسن عثمان ضحوي:
عمل في عدة وظائف، مديراً لجهاز الأمن الداخلي، و مديراً للاستخبارات العسكرية، ومديراً لأكاديمية الأمن العليا، ومديراً لمجلس خبراء الDDR فض النزاع وجمع السلاح وإعادة الدمج التابع لرئاسة الجمهورية.
وهو الآخر لا علاقة له بالانقلاب، ولا بالتحقيقات المرتبطة به.. ولا شيء البتة.
عندما سأل السيد اللواء ضحوى عن المادة التي فُتح بموجبها البلاغ في مواجهتهم قالوا له (القتل خارج القانون)، فضحك وقال لهم وهل هناك قتل داخل القانون؟
لا توجد مادة فى القانون الجنائى بذلك الاسم!
اللواء عبدالمنعم الشقلة:
عُرف وسط أقرانه برجل المهمات الصعبة، وقضى معظم سنوات خدمته بمسارح العمليات النشطة، وختم خدمته قائداً لسلاح الأسلحة.. هذا أيضاً لا علاقة له من قريب أو بعيد بانقلاب رمضان. بأية صوره من الصور.
العقيد مهندس (م) أحمد عوض:
هو رئيس شعبة الآليات بسلاح المهندسين، وكان وقت الحادثة برتبة المقدم.. العقيد أحمد كان آنذاك منتدباً للدراسة بجامعة الخرطوم، ولم يكن له وجود في موقع عمله، وللغرابة اتهمته لجنة التحقيق بأن كان قاد التراكتور الذي أعدّ موقع الإعدام والدفن.. فضحك وقال لهم (لم أكن وقتها موجوداً فى سلاح المهندسين، كما إن الآليات لا يقودها الضباط، بل ضباط الصف حتى رتبة المساعد، وكيف لعقيد ان يقود تركتر ليحفر حفرة؟
أرأيتم هذه المهازل!
العقيد سيف الباقر:
كتبت عن ماساة العقيد سيف أكثر من مرة، الذي تلقى أمراً من قائده للتحقيق في انقلاب رمضان 1990.. كتب محضر التحقيق ورفعه للجهة الآمرة بالتكليف، وانتهى دوره.
أخذ العقيد سيف للسجن منذ ليلة 9 يوليو 2020، ولم يعد لأطفاله حتى لحظة كتابة هذه السطور بلا تهمة.. أي والله بلا تهمة، وعمره الآن ثلاثة وسبعون عاماً، أكل السكر جسده، ونهشت الغرغرينا أطرافه، وقد تبتر ساقه قريباً، ويكاد بصره يذهب، لا دواء ولا طبيب، يموت موتاً بطيئاً.. وينتظر يومه فى أقبية السجون.
كنت أعتقد في زمان مضى أن التربص بالجيش والسعي لتفكيكه سيأتي من الخارج فقط، ولكن يبدو الآن أن الجيش يُفكك من داخله.. كيف؟
عندما يزج الناشطون بقادة الجيش العظام في السجون من دون أي تهم أو جريرة ولسنوات، عندما يتم الاستهزاء بقوانين الجيش من قادة الجيش أنفسهم، ليعبث بها صغار الناشطين ولجان التحقيق المريبة، عندما تتفرج قيادات الجيش على رفقاء الخنادق والسلاح، ويتفرج الضابط على المهازل التي تجري لرفاقتهم، فماذا تبقى من الجيش؟
الجيش الذى كلما ادلهم أمر الوطن زحف الناس لبواباته لينقذهم هو الآن عاجز عن إنقاذ قادته من براثن تهم الناشطين.. سبحان الله!
يا ترى هل هناك ضابط الآن في قوات الشعب المسلحة بعد هذه المهزلة سيطيع قادته لينفذ الأوامر التي يمكن أن تجلب له الذل والمهانة في المستقبل، حيث لا قانون يحميه ولا قيادة تنتصر له؟
المؤسف أن رفاق الضباط العظام يتفرجون على المأساة ويلوذون بالصمت.. تصوروا أن هذه المهزلة تتم برعاية مدير القضاء العسكري، الفريق مهدي عبد الرحمن الذي أعادوه للخدمة لمواصلة هذه المهزلة، ولدغمسة القضية والتنكر لرفاقه وخذلانهم، فعوضاً عن أن ينتزع القضية من النيابة العامة غير المختصة، ويعيدها إلى ولاية القضاء العسكري لا يزال يتلولو رافضاً نصرة المظلمين.
كيف يكون التخاذل إذا لم يكن الذي يفعله هذا الفريق الذى لا يعرف الوفاء لرفقاء السلاح؟
هناك أربع خيارات لإنهاء تلك الماساة..
الخيار الأول: أن ينسى الجيش قوانينه ويقبل أن يُحاكم قادته بالقانون المدني أمام النيابة العامة في قضايا عسكرية الطابع، معتمداً على تحقيقات هزلية وإفادات الناشطين، علماً أن الملف موجود على طاولة السيد النائب العام منذ أشهر ولم يحرك ساكناً، برغم تعدد المذكرات والاحتجاجات.
الخيار الثاني: أن يُحال الملف للقضاء العسكري للفصل في الاتهامات، أقصد اللا اتهامات؛ المنسوبة للمعتقلين ظلماً وبهتاناً.
الخيار الثالث: تتخذ قيادة الجيش قراراً شجاعاً تطلق به سراح المعتقلين فوراً لتوقف تلك المهازل، وتعيد لقوانين الجيش هيبتها واحترامها، وتستعيد لهؤلاء الضباط العظام الذين لهم في خدمة الشعب عرق ودم شيئاً من كرامتهم المهدرة.
الخيار الرابع: أن نشيل الفاتحة على القانون والعدالة، وأن ندع الجنرالات العظام يقضون ما تبقى من حياتهم في بلاط الزنازين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.